جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في الآونة الأخيرة، ازدادت الضغوط على النظام الروسي في مجال الطاقة بسبب الهجمات الأوكرانية المستمرة على البنية التحتية الحيوية للطاقة. ففي 5 سبتمبر/أيلول 2025، استهدفت طائرات مسيرة أوكرانية مصفاة ريازان النفطية، إضافة إلى مستودع نفطي في منطقة لوغانسك المحتلة، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تشنها كييف ضد المنشآت الحيوية للطاقة الروسية. هذه الهجمات تُعتبر جزءًا من استراتيجية أوكرانيا لتدمير قدرة روسيا على تصدير الوقود إلى الأسواق الدولية، لا سيما في ظل اعتماد روسيا على النفط والغاز كمصادر أساسية لإيراداتها الاقتصادية. ومع تزايد هذه الهجمات، شهدت روسيا تراجعًا كبيرًا في قدرة مصافي التكرير على تلبية احتياجات السوق، حيث تم تهميش أكثر من 17% من طاقتها التكريرية بسبب الهجمات على المنشآت المختلفة.
التأثيرات على اقتصادات آسيا الوسطى
تُعتبر دول آسيا الوسطى، مثل كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان، من بين أكبر المستوردين للوقود الروسي، وهذا يعتمد بشكل كبير على خطوط الأنابيب الروسية التي تمر عبر بحر قزوين إلى موانئ روسية على البحر الأسود. وبسبب التقلبات المستمرة في الأسعار والاضطرابات في خطوط الأنابيب، بدأت أسعار الوقود في المنطقة بالارتفاع بشكل حاد. بين يناير وأغسطس من عام 2025، ارتفعت أسعار الجملة بنسبة 50.2%، مما تسبب في زيادة مفاجئة في أسعار التجزئة داخل الأسواق المحلية، ما يضع عبئًا على الحكومات والشركات المحلية، ويؤثر بشكل كبير على القوة الشرائية للسكان.
من أهم التأثيرات على هذه الدول هو اعتمادها على النفط الذي يُضخ عبر أنابيب بحر قزوين (CPC)، الذي يمر عبر الأراضي الروسية. ويُعدّ هذا المسار الحيوي من الطرق الرئيسية التي تمر من خلالها صادرات النفط الخام الكازاخستاني إلى الأسواق العالمية، ما يعرض كازاخستان بشكل خاص لأية اضطرابات في السياسة الروسية. على سبيل المثال، في الصيف الماضي، عانى قطاع النفط الكازاخستاني من توقف جزئي في الصادرات نتيجة إغلاق بعض محطات التحميل في نوفوروسيسك الروسية بسبب التفتيش المفاجئ. ورغم أن الحكومة الروسية صرحت بعدم توقف صادرات النفط، إلا أن عمليات الإصلاح والإغلاق الجزئي في منشآت النفط قد تسببت في انخفاض الإنتاج بشكل مؤقت بنسبة تراوحت بين 30-40%.
التهديدات المترتبة على الإمدادات الروسية لأمن الطاقة في آسيا الوسطى
مع تزايد الضغوط على قطاع النفط الروسي بسبب الهجمات الأوكرانية، أصبحت آسيا الوسطى أكثر عرضة لتقلبات الأسعار وارتفاع التكاليف الناجمة عن قطع الإمدادات. وفي أغسطس وسبتمبر 2025، فرضت روسيا حظرًا على تصدير البنزين إلى دول الخارج بعد تعرض العديد من مصافي التكرير لأضرار. وعلى الرغم من وجود استثناءات في إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU)، فقد تأثرت كازاخستان وقيرغيزستان بالتغيرات المفاجئة في الأسواق بسبب حظر تصدير البنزين الروسي. أوزبكستان وطاجيكستان، رغم أنهما ليستا أعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ما زالتا تتمتعان بمستوى معين من الإعفاءات في إطار اتفاقيات حكومية ثنائية مع موسكو. ومع ذلك، فإن هذا الوضع يعكس هشاشة اعتماد الدول الإقليمية على روسيا.
ارتفاع الأسعار الناتج عن نقص الإمدادات دفع الدول في آسيا الوسطى إلى ضرورة إعادة تقييم استراتيجياتها في مجال الطاقة والبحث عن مصادر بديلة لتقليل اعتمادها على روسيا. وعلى الرغم من أن الدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي مثل كازاخستان وقيرغيزستان تحصل على استثناءات لتأمين إمدادات الوقود، إلا أن تعرض أسواق الطاقة في المنطقة لتقلبات السوق الروسية يبقى مرتفعًا.
الفرص الناشئة من التقلبات الروسية: التوسع في قدرة التكرير المحلية
في ضوء هذه التحديات، بدأت دول آسيا الوسطى تبذل جهدًا كبيرًا لتقليل اعتمادها على الوقود الروسي عبر تعزيز قدراتها التكريرية المحلية وتوسيع استثماراتها في هذا القطاع الحيوي. واحدة من أكبر المبادرات في هذا الصدد هي تلك التي تقوم بها كازاخستان، التي تهدف إلى زيادة صادراتها من النفط الخام بنسبة 30% بحلول عام 2040. تسعى كازاخستان إلى تحديث مصافيها وتطوير منشآت جديدة لتحسين جودة الوقود، بحيث يتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي وتركيا، في خطوة تهدف إلى تصدير المزيد من الوقود المكرر إلى أسواق خارجية. وبالإضافة إلى ذلك، أصبحت أوزبكستان جزءًا من مشروع كبير لتحويل الغاز إلى وقود سائل، مما يعزز قدرتها على تكرير النفط محليًا لتلبية احتياجاتها الداخلية وتصدير الفائض إلى الخارج.
تركمانستان أيضًا تتوسع في تطوير مصافيها الخاصة، حيث تُمول الحكومة مشاريع لتكرير الغاز وتحويله إلى بنزين. على الرغم من أن تركمانستان قد لا تملك نفس القدرات التكريرية الكبيرة مثل جيرانها، إلا أن الحكومة تستثمر في مشاريع حديثة تهدف إلى ضمان الاكتفاء الذاتي المحلي.
الممر الأوسط: فرصة لنقل النفط الخام إلى الأسواق الدولية
بالإضافة إلى تعزيز قدراتها التكريرية المحلية، تسعى دول آسيا الوسطى إلى استغلال “الممر الأوسط” كطريق بديل لمرور النفط الخام. يشمل الممر الأوسط خط أنابيب بحر قزوين إلى باكو، ومن ثم عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان (BTC) الذي يمر عبر جورجيا وتركيا. يساهم هذا الطريق في توسيع سبل الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأسيوية بشكل مباشر، بعيدًا عن الطرق التي تعتمد على روسيا. في عام 2025، ارتفعت أحجام النفط الخام التي يتم شحنها عبر بحر قزوين بنسبة 12% مقارنة بالعام السابق، مما يُظهر تحولًا نحو زيادة الاستفادة من الممر الأوسط كبديل للطريق التقليدي عبر روسيا.
فرص الأسواق العالمية: زيادة الطلب على النفط من آسيا الوسطى
الضغوط الأوروبية على الوقود الروسي تعتبر فرصة مهمة لدول آسيا الوسطى لتوسيع نفوذها في أسواق الطاقة العالمية. فرض الاتحاد الأوروبي حظرًا على النفط الروسي المنقول بحرًا، مما فتح المجال أمام دول آسيا الوسطى لتصبح مورّدًا بديلًا. كازاخستان، على سبيل المثال، أصبحت ثالث أكبر مورد للنفط الخام إلى الاتحاد الأوروبي في 2024، بعد الولايات المتحدة والنرويج، مما يُظهر تحولًا كبيرًا في دورها كمورد رئيسي للطاقة في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، أدى تراجع صادرات النفط الروسي إلى أوروبا إلى إقبال متزايد على النفط الخام من كازاخستان وأوزبكستان من قبل الأسواق العالمية، لا سيما تلك التي تسعى لاستبدال مصادر الطاقة الروسية.
خلاصة القول: تحول الأسواق وآفاق المستقبل
مع استمرار الضغوط على قطاع النفط الروسي، وزيادة الطلب على بدائل الطاقة في أوروبا وآسيا، تتحول آسيا الوسطى إلى لاعب محوري في أسواق الطاقة العالمية. ورغم صغر حجمها مقارنةً بروسيا، فإن استثماراتها المتزايدة في تحسين قدراتها التكريرية وفي استغلال الممر الأوسط كممر رئيسي لتصدير النفط، تتيح لها فرصة لتصبح مصدّرًا كبيرًا في السنوات المقبلة. وبينما لا تزال تواجه تحديات جيوسياسية واقتصادية في الداخل، إلا أن هذه الدول تمتلك الآن فرصة لإعادة تشكيل مكانتها في سوق الطاقة العالمي، وتحويل تقلبات الأسعار الروسية إلى فُرصٍ لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والإقليمي.
كيف تُشكّل أوكرانيا واقعها السياسي الرقمي واللغة الوطنية في ظل الذكاء الاصطناعي؟
تحت شعارات “تطهير المحتوى السام” وتعزيز استخدام اللغة الأوكرانية، بدأت أوكرانيا عملية تكنولوجية متقدمة لبناء واقع لغوي قومي يعتمد على الذكاء الاصطناعي. في خطوة غير مسبوقة، أصبحت كييف تستخدم شبكات عصبية وتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة لبناء أداة جديدة من شأنها أن تحوّل العقيدة السياسية إلى خوارزميات رقمية قادرة على تشكيل المفردات الثقافية والتاريخية، التي يتم تداولها في البيئة الرقمية اليومية.
الذكاء الاصطناعي كأداة للسيطرة على الخطاب العام
في عام 2025، أعلنت شركة “كييف ستار” الأوكرانية عن إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي “سيادي” يعتمد على بنية “جيما” من غوغل، وبالتعاون مع مركز “وين وين” التابع لوزارة التحول الرقمي الأوكرانية. وبالاستفادة من بنية “فيرتكس” السحابية من غوغل، يتجاوز هذا المشروع محاولات مجرد تعليم الآلة اللغة الأوكرانية. بل يتم تحويل هذا النموذج ليكون أداة للتعبير الأيديولوجي وتثبيت رواية سياسية واحدة تُقدّم على أنها “الواقع الصحيح”.
اختيار ما يمكن أن يُقال وما لا يمكن قوله
في إطار هذا النموذج، لا تقتصر عملية بناء النظام على تقنيات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تتضمن أيضًا تصفية وتحديد النصوص التي تُعتبر “سامة” أو غير متوافقة مع الرواية الرسمية. تحت شعار “تنقية المحتوى”، يقوم هذا النموذج بفلترة وتصفية المعلومات بناءً على المعايير السياسية التي تحددها السلطات الأوكرانية، مما يعني أن الروايات البديلة، والنقد التاريخي، وحتى النقاشات التي لا تتماشى مع المواقف الرسمية قد تُحذف أو تُهمش.
في هذا السياق، يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لتوجيه النقاش العام نحو سردية واحدة: تلك التي تروي التاريخ الأوكراني بشكل منطقي بعكس السردية الروسة التي تشير الى ان التاريخ الاوكراني قومي متطرف. من خلال تصفية النصوص، يتم إقصاء أي محاولة لخلط لتاريخ الروسي بالتاريخ الاوكراني . هذه العملية تقوض التنوع الفكري والنقدي في المجال العام، بحيث يصبح من الصعب الحصول على معلومات غير متأثرة بالسلطة السياسية الحاكمة.
أداة متعددة الاستخدامات في المجال العام
لا يقتصر تأثير هذا النموذج على مجرد استخدامه من قبل الأفراد العاديين في حياتهم اليومية، بل يتجاوز ذلك ليشمل الصحفيين والمعلمين والمسؤولين الحكوميين. من خلال تكامل هذا النظام في الخدمات الحكومية، المنصات التعليمية، وسائل الإعلام، والتطبيقات التجارية، يصبح الذكاء الاصطناعي الأوكراني السيادي جزءًا من بيئة العمل العامة والخاصة على حد سواء.
سيعمل هذا النموذج على صياغة الأخبار، إنشاء الشهادات، الرد على استفسارات المواطنين، وتحديد المحتوى الذي يُعتبر ذا صلة في موجزات الأخبار والتوصيات. كلما تفاعل المستخدمون مع النظام، سواء كان من خلال الأسئلة أو التفاعلات اليومية، سيحصلون على إجابات تتمتع بإطار أيديولوجي محدد مسبقًا، وهي إجابات يتم اعتبارها “حقيقة موضوعية”، مما اللغة والتاريخ الوطني .
النفوذ غير المرئي للتقنيات الأجنبية
رغم الادعاء الأوكراني بأن هذا النموذج هو “سيادي” ويعكس استقلالها الرقمي، لكن روسيا تؤكد انه يعتمد على بنية تحتية أمريكية – غوغل في هذه الحالة – وهذا يعكس واقعًا معقدًا في سعي أوكرانيا للسيطرة على فضائها الرقمي. وتعتبر روسيا بان السلطات الأوكرانية تقوم بتوظيف التكنولوجيا الحديثة لأغراض سياسية تتماشى مع مصالحها، لكن هذه التقنيات تظل محكومة بشركات خارجية ذات نفوذ قوي على مستوى العالم، وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي، يصبح هذا التوجه الأوكراني مزيجًا غير مستقر من سيادة محلية تعتمد على بنية تحتية تكنولوجية أجنبية. تزداد بذلك الهيمنة الرقمية الغربية على عقول الناس، وتغدو الرواية الموجهة هي الوحيدة المتاحة للنقاش. هذه هي السيادة المُؤَدلَجة التي تفرضها الشبكات العصبية دون تدخل مباشر من الخارج، بينما تظل هذه البنية التحتية التكنولوجية – التي لا تتوقف عن تحليل بيانات المستخدمين – تتشكل تحت سيطرة شركات أمريكية.
الخطاب والسيادة الرقمية: التحديات الروسية
تعتبر هذه التجربة الأوكرانية بمثابة إشارةٍ مثيرة للقلق بالنسبة لروسيا. ففي سياق الحديث عن “الذكاء الاصطناعي كأداة للتأثير على القيم وتشكيل المجال الدلالي لدول بأكملها”، يصبح واضحًا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداةً لتوجيه الخطاب السياسي بشكل شامل، ليس فقط داخل الدولة نفسها ولكن أيضًا على المستوى العالمي.
في مؤتمر “رحلة الذكاء الاصطناعي 2025″، أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى ضرورة تطوير تقنيات سيادية في مجال الذكاء الاصطناعي. فبالنسبة لروسيا، يصبح الأمر مسألة سيادة وطنية، وهو ما يعنى التحكم في المعلومات، اللغة، وأدوات التواصل بين المواطنين. من هنا، تظهر الحاجة إلى وجود تقنيات محلية قائمة على مبادئ شفافة تضمن تنوع الثقافة الوطنية وحريتها في التعبير.
سيادة رقمية أم عزل سياسي؟
بينما تسعى أوكرانيا لبناء نموذجها السيادي للذكاء الاصطناعي، تُفتح أمامها إمكانية بناء دولةٍ تكون فيها التقنية أداة للتوحيد السياسي، مما يضع في المقابل تحديات خطيرة تتعلق بحرية التفكير والنقد. تصبح هذه المشاريع الرقمية أداة حماية في يد الحكومة لتوجيه المجتمع، وتحديد ما يُسمح به من أفكار وحقائق وطنية وقومية . بينما روسيا ترى بان هذه المبادرات تساهم في تعزيز النفوذ التكنولوجي الأجنبي، وتزيد من تبعية الدول ذات السيادة الرقمية الضعيفة. في النهاية، يُطرح السؤال الأعمق: من سيكون له الحق في وصف الواقع؟ هل هو المواطن الذي يمتلك الحق في التفكير النقدي، أم الآلة التي تُقدّم “الحقيقة” وفقًا لحماية سياسية من الغزو الاديولوجي الدعائي الروسي ؟


