الأكثر قراءة

التمديد للهدنة الأمريكية: أزمة داخلية إيرانية وتزايد الضغوط الدولية…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لا شك أن التمديد للهدنة الأمريكية لإيران لا يعتبر تراجعًا أمريكيًا أو انتصارًا معنويًا وماديًا لإيران بأنّها صمدت وبقيت. لكن بالفعل يمكن الإشارة إلى أن إسلام آباد استطاعت أن تقنع الرئيس ترامب بتمديد المهلة للهدنة عدة أيام لإقناع إيران بصيغ جديدة، وعدم تنفيذ أي عمل عسكري حاليًا ضد إيران. السبب يعود إلى بروز الخلافات الداخلية الإيرانية بين الحرس الثوري والمجموعة السياسية الإيرانية التي باتت تُتهم بالتنازل للولايات المتحدة على حساب السيادة الإيرانية والخطوط الحمراء. وهذا الأمر سيزيد من الانقسام في ظل تشديد الحصار البحري على إيران ومنع اقتصاد الحرس الثوري من الاستفادة وتعويم دوره.

إيران في أزمة رئاسية: صراع داخلي يعطل المفاوضات

إيران تعاني من أزمة رئاسية فعلية وصراع داخلي بعد اغتيال المرشد، حيث أصبحت الخلافات واضحة بين الجسم العسكري والجسم السياسي الإصلاحي. لا أحد يريد أخذ المبادرة بيده والقيام بالتفاوض مع واشنطن والتوصل إلى اتفاق يمكن الالتزام به، وإعطاء ضمانات من الجانب الإيراني بتنفيذ الاتفاق والالتزام ببنوده. ما شهده الوفد الإيراني الذي ذهب إلى باكستان يوضح أن الجميع كانوا يراقبون بعضهم البعض ولا يثقون ببعضهم. حجم الوفد الذي وصل إلى أكثر من سبعين شخصية لم يكن للدور التقني، بل كان مجرد خوف وحذر متبادل بين الأطراف ومراقبة لبعضهم البعض.

وقد ترجم هذا الصراع في مواقف المفاوض الأول، حيث حاول رئيس البرلمان محمد قليباف أن يقول إن هناك قوى متطرفة في الجانب الإيراني، وقد سمى بعض الشخصيات بأنها تحاول التشويش على الوفد المفاوض، مما أدى إلى الخلاف واستقالة بعض الأعضاء وعدم الذهاب مع الوفد، مما أفشل المرحلة الثانية من المفاوضات. كانت تطلق تصريحات متناقضة من شخصيات إيرانية أخرى، مثل اعتذار الرئيس مسعود بزكشيان عن الضربات التي وجهت إلى الخليج. لكن سريعًا كان الرد بإطلاق صواريخ من قبل الحرس الثوري باتجاه الخليج، وكانه يريد القول بأن ذلك هو الرد الوحيد للحرس، الذي يستطيع فقط إطلاق الصواريخ. أيضًا، كانت هناك تصريحات من عراقجي بأن إيران ستفتح المضيق بعد محاولات ترامب الإعلان عن إغلاقه والسيطرة البحرية على المضيق، والعمل على تنظيفه من الألغام ومنع السفن، بما في ذلك الإيرانية، من العبور. ولكن بعد تصعيد من قبل الحرس الثوري، أعلن بأنه سيقوم بإغلاق المضيق مجددًا. حيث اتُهم عراقجي بأنه يعلن مواقف من نفسه، ما يعرض مواقف الخارجية للضعف. وقد أشار إلى أن هذا التصريح لا يمكن للخارجية اتخاذه دون التوافق مع الجميع.

تأثير الصراع الداخلي على المفاوضات الإيرانية: تناقضات وتصعيد

الخلاف الداخلي الإيراني انعكس على سير المفاوضات، التي لا يمكن لإيران التراجع عنها. وبالتالي، الوضع ما زال كما هو. إيران تحت الحصار بانتظار تنفيذ الشروط الأمريكية، مهما حاولت الطبقة العسكرية في إيران الضغط ورفع الصوت عاليا بأنها انتصرت وتحافظ على قوتها. لكن الجميع ينسى أو يتناسى أن أمريكا والغرب سيفرضون عقوبات جديدة على طهران، وسيشددون الحصار ويمنعون تهريب النفط إلى الخارج. وهذا سيضع الحرس الثوري في مشكلة اجتماعية واقتصادية. وتتناسى الحرس الثوري أن الثورة الاجتماعية التي خرجت إلى العلن في بداية العام، والتي تعاملت إيران معها بالقمع، كانت تطالب بمطالب اقتصادية واجتماعية. دفع ذلك الرئيس الإيراني للخروج والقول إن الدولة تتفهم مطالبكم، لكن لا أستطيع رفع الأجور أكثر من 7 دولارات.

فالآن، هل انتهت المشكلة بعد الضربات المكلفة التي تلقتها إيران أثناء الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل عليها؟ هل سيستطيع الحرس الثوري تلبية مطالب الناس الاجتماعية والاقتصادية؟ من هنا لفت نظر إسلام آباد لهذه النقطة بالذات، والتي تلقفها الرئيس ترامب بتمديد الهدنة. فعودة الحرب سهلة، لكن المكسب سيكون للحرس، لأنه سيستطيع تشكيل حاضنة شعبية كبيرة من الشعب الإيراني والطبقة السياسية حوله.

التمديد للهدنة الأمريكية: هل هو فرصة للبنان أم فخ؟

بالطبع، بالرغم من أن أمريكا استطاعت فصل الأزمة اللبنانية عن المشكلة الإيرانية وفتحت مجال التحاور بين لبنان وإسرائيل بعيدًا عن التفاوض الأمريكي الإيراني، فإن تمديد الهدنة في لبنان سوف يعمق الأزمة الداخلية لدى حزب الله، الذي لا يمكن الوفاء بما وعد به من “التحرير الجديد” أو “فتح معركة ثالثة” من أجل التحرير. بالرغم من القناعة الكاملة بأن وجود حزب الله في لبنان مرتبط بما ستنتهي إليه التسوية الإيرانية الأمريكية. وبالآلية نفسها، فإن الحزب، كما سائر فصائل المحور، في حال صعبة من الانهيار والمعاناة الاقتصادية والمالية، وغياب التواصل مع إيران التي كانت داعمة لهم منذ أمن من طهران إلى بيروت.

التحديات الجيوسياسية لإيران

إذن، القراءة الجيوسياسية الإيرانية للتغيرات الدولية والنقاط الاستراتيجية لا تزال بعيدة وضعيفة جدًا، لأن إيران التي كانت قبل “طوفان الأقصى” لا تعد نفسها وفصائلها وأذرعها في غزة ولبنان مرورًا بالعراق واليمن، أصبحت اليوم في وضع مختلف. إيران كانت تقاتل بأيدي غيرها، وبعيدة عن أراها، فالتضحية بالآخرين كان سهلاً، لكن الآن، الوتيرة والدمار هاجما إيران، فكيف يمكنها تأمين المساعدات للآخرين بينما هي بحاجة إلى المساعدات؟ لكن لابد للطبقة السياسية أن تقنع بأن المحافظة على النظام باتت أولوية. فإذن، إذا استمر الحرس في الحرب، فسيُدمَّر. وحتى لو أطلق عشرات الصواريخ على الخليج العربي وعلى إسرائيل، بل بالعكس، سيزيد العزلة لدولته والحقد عليها لتصبح مليشيا معزولة فاقدة لكل الشبكات الاجتماعية والاقتصادية التي بنتها خلال الـ47 سنة الماضية. إيران عليها أن تسقِط حلمها وتعود إلى حجمها الطبيعي، لأن ما ينتظرها صعب ويهدد وجودها كدولة اتحادية.

https://hura7.com/?p=78257

الأكثر قراءة