جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

شهدت طاجيكستان في نهاية نوفمبر 2025، هجومين منفصلين عبر الحدود مع أفغانستان استهدفا مواطنين صينيين. في 26 نوفمبر، تم استهداف ثلاثة مواطنين صينيين باستخدام طائرات مسيرة محملة بقنابل يدوية، وهو نوع من الأسلحة لم يكن متوقعًا في هذا النوع من الهجمات. أما الهجوم الثاني في 30 نوفمبر، فقد أسفر عن مقتل اثنين من المواطنين الصينيين بنيران من مهاجمين مجهولين عبر الحدود. بينما تجري تحقيقات مشتركة من قبل السلطات الطاجيكية والأفغانية، فإن هوية المهاجمين لا تزال غامضة حتى اللحظة، رغم الشكوك التي تشير إلى أن الهجمات كانت موجهة ضد الصينيين بشكل مقصود. هذه الحوادث ليست مجرد حوادث فردية، بل تعكس تصاعد العداء ضد الصين في المنطقة، حيث أن هناك دلالات واضحة على ارتباط الحملة الأمنية والعسكرية التي تجري ضد الوجود الصيني في هذه الدول بالحساسيات المتعلقة بمشاريع التعدين الصينية في المنطقة.
التوسع الصيني و الهيمنة الاقتصادية …
منذ إعلان مبادرة الحزام والطريق في عام 2013، أصبح التوسع الصيني في آسيا الوسطى مسألة محورية، حيث تسعى بكين للاستفادة من الموارد الطبيعية الهائلة التي توفرها المنطقة لدعم اقتصادها المتنامي. تشمل هذه الموارد النفط، الغاز، المعادن، وغيرها من المواد الخام التي تلبي احتياجات الصين المتزايدة في ظل سعيها المستمر لتحقيق التحديث الاقتصادي. وقد تزايد الاعتماد الاقتصادي للمنطقة على الصين بسبب الاستثمارات الصينية الضخمة في مشاريع البنية التحتية مثل الطرق والموانئ والمصانع. ومع ذلك، بدأت تتزايد المشاعر السلبية تجاه الصين في العديد من دول آسيا الوسطى، بما في ذلك طاجيكستان، قيرغيزستان، وكازاخستان، حيث يراها البعض محاولة لفرض هيمنة اقتصادية يمكن أن تؤدي إلى فقدان الاستقلالية الاقتصادية لهذه الدول.
على الرغم من التعاون الحكومي بين الصين ودول آسيا الوسطى، فإن العلاقة بين الشعب الصيني والشعوب المحلية لا تزال مليئة بالتوترات. يواجه المواطنون الصينيون في المنطقة مشاعر عدم الثقة و العداء المتزايد من قبل السكان المحليين، الذين يرون أن المشاريع الصينية تؤدي إلى تدهور سوق العمل، ارتفاع الأسعار، وتدني جودة الحياة. هذه المشاعر تأججها أيضًا قضايا حقوق الإنسان، بما في ذلك التعامل مع الإيغور في شينجيانغ، مما ساهم في تعزيز رهاب الصين، خاصة في المجتمعات التي شهدت مظالم اجتماعية وسياسية.
قطاع التعدين الصيني: الاحتجاجات والمشاكل البيئية
يعد قطاع التعدين أحد أبرز مجالات التعاون بين الصين ودول آسيا الوسطى، حيث تركز الصين بشكل خاص على استخراج المعادن الثمينة مثل الذهب و الفضة. في طاجيكستان، تُعد مناجم الذهب التي تديرها الشركات الصينية المصدر الرئيسي لإنتاج الذهب في البلاد، وتشير التقارير إلى أن 84% من إنتاج الذهب في طاجيكستان يتم في المناجم الصينية. لكن هذا النموذج الاقتصادي جلب معه مجموعة من المشاكل البيئية والاقتصادية.
في مناطق مثل طاجيكستان و قيرغيزستان، بدأ الاحتجاجات تزداد بشكل متسارع ضد مشاريع التعدين الصينية، حيث يتهم السكان المحليون الشركات الصينية بتلويث البيئة، سواء من خلال تلوث المياه أو تدمير الأراضي الزراعية. على سبيل المثال، تشير التقارير إلى أن عمليات التعدين الصينية في طاجيكستان تسببت في تلوث مياه الشرب وزيادة الغبار في القرى المجاورة. بالإضافة إلى ذلك، أدى النقص في المياه إلى نفوق الأسماك في الأنهار القريبة من مواقع التعدين.
في قيرغيزستان، تسبب التعدين الصيني في مشاكل بيئية كبيرة، حيث تركز العديد من الاحتجاجات على الأضرار التي تلحق بالبيئة بسبب تسرب المواد السامة. في 2019، هاجم المواطنون القيرغيز منشأة التعدين الصينية في مقاطعة نارين احتجاجًا على التلوث البيئي الناجم عن أنشطة التعدين. كما ارتفعت شكاوى السكان المحليين بشأن تدهور التربة ونفوق الماشية بسبب الأنشطة الصناعية الصينية. ومع ذلك، يُفترض أن المسؤولين في الشركات الصينية يواجهون مقاومة حكومية ضئيلة، ما يزيد من تعقيد حل هذه الأزمات البيئية.
الاحتجاجات والعنف في أفغانستان: تصاعد التوترات ضد الصين
لا يقتصر العداء ضد الصين على آسيا الوسطى فقط، بل يتجلى أيضًا في أفغانستان، حيث الوجود الصيني في قطاع التعدين يلقى معارضة شديدة من السكان المحليين. في يناير 2025، اندلعت اشتباكات عنيفة في ولاية تخار الأفغانية ضد مشاريع التعدين الصينية، حيث اتهم السكان المحليون الشركات الصينية بالتنقيب غير المشروع في الأراضي الزراعية. كما أن تصاعد الأنشطة المسلحة من قبل تنظيم داعش في أفغانستان زاد من المخاطر على العمال الصينيين.
ومع تصاعد العداء تجاه الصين بسبب التعامل مع الإيغور، بدأت الهجمات المسلحة تتزايد ضد المواطنين الصينيين. في 19 يناير 2025، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن تفجير مطعم صيني في كابول، أسفر عن مقتل مواطن صيني وأربعة أفغان، مما يثبت أن العنف ضد الصين يتزايد في المنطقة.
الاستجابة الصينية: تعزيز الأمن في المنطقة
استجابة لهذه التهديدات الأمنية المتزايدة في آسيا الوسطى، بدأت الصين في اتخاذ إجراءات أمنية مشددة لحماية مشاريعها الاقتصادية و مواطنيها في المنطقة. في بعض الحالات، قامت بكين بنقل شركات أمنية خاصة لحماية مشاريعها في الدول التي تشهد تهديدات عالية ضد مصالحها. كما بدأت الصين في توسيع التعاون الأمني مع دول آسيا الوسطى مثل طاجيكستان، حيث نشرت الصين بالفعل قوات عسكرية في منطقة غورنو-باداخشان للطوارئ الأمنية، ووقعت اتفاقيات تبادل التكنولوجيا مع القوات الطاجيكية لمكافحة الإرهاب. هذا التعاون قد يشمل أيضًا حماية المشاريع الصينية في أفغانستان إذا استمرت الهجمات عبر الحدود.
التحديات المستقبلية: هل ستستمر الهيمنة الصينية؟
على الرغم من التوسع الصيني في آسيا الوسطى، فإن التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها بكين في المنطقة تجعل من المستبعد أن تستمر الأمور بنفس الوتيرة. السخط الشعبي المتزايد ضد الوجود الصيني، خاصة في دول مثل قيرغيزستان و طاجيكستان، قد يؤدي إلى تصعيد الاحتجاجات والعنف، مما يؤثر بشكل كبير على مشاريع التعدين الصينية. كما أن التهديدات الأمنية، سواء عبر الحدود مع أفغانستان أو من الجماعات المسلحة مثل داعش و طالبان، قد تؤدي إلى تأخير أو تعطيل مشاريع الحزام والطريق في هذه المنطقة الإستراتيجية.
اذن، تزايد التوترات ضد الصين في آسيا الوسطى، حيث يواجه المواطنون الصينيون تحديات متزايدة بسبب الاحتجاجات المحلية ضد التعدين والسياسات الصينية. هذه الاحتجاجات، إلى جانب الهجمات المسلحة التي تستهدف المواطنين الصينيين، تثير تساؤلات حول قدرة الصين على الحفاظ على استقرار مشاريعها الاقتصادية في هذه المنطقة التي تشهد تقلبات أمنية مستمرة.


