الأكثر قراءة

التوصيف القانوني لاتفاق الإطار اللبناني

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

شكّل التوقيع على وثيقة التفاهم المشترك بين الدولة اللبنانية والعدو الإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة الأمريكية في واشنطن حدثاً مفصلياً في مسار العلاقات الدولية والسياسة الخارجية للبنان، مما يطرح إشكاليات عميقة ترتبط بالتكييف القانوني والشرعية الدستورية لهذا الكيان التعاقدي الجديد، ولا سيما أنه صدر بناءً على توجيهات مباشرة من رئاسة الجمهورية اللبنانية متمثلة بالعماد جوزيف عون وفي ظل حكومة دستورية قائمة برئاسة الدكتور نواف سلام نالت ثقة المجلس النيابي، مما يستدعي دراسة هذا المسار في ضوء الصلاحيات الدستورية الممنوحة للسلطة التنفيذية وتحليل الجدل الفقهي المثار حول آليات نفاذه ومضمونه الأمني والعسكري.

إن دراسة القيمة القانونية والسياسية للمصطلحات الجوهرية التي حكمت نص هذا الاتفاق وملاحقه تظهر بوضوح مدى خضوعه لشبكة معقدة من التوازنات والمفاهيم المستمدة من القانون الدولي والعلوم السياسية، حيث يأتي اختيار مصطلح اتفاق الإطار بدلاً من معاهدة السلام ليعكس تموضعاً قانونياً دقيقاً، إذ لا يعد هذا الاتفاق من الناحية التأسيسية وثيقة نهائية لإنهاء حالة الحرب رسمياً بموجب أحكام القانون الدولي للمعاهدات المكرس في اتفاقية فيينا لعام ألف وتسعمائة وتسعة وستين، بل يُصنف في خانة الاتفاقات التحضيرية المؤقتة التي تقتصر على تثبيت المبادئ العامة وتأجيل التفاصيل الفنية المعقدة لمفاوضات لاحقة، وهو ما يمنح السلطة التنفيذية مخرجاً سياسياً يجنب الكيان الدستوري اللبناني الوقوع في محظور التطبيع الرسمي المرفوض بموجب القوانين والأنظمة اللبنانية المرعية التي تجرم أي تعامل مع العدو، في حين يحقق للجانب الآخر اعترافاً بمسار سياسي وأمني متدرج ومستدام يتجاوز مفهوم الهدنة المؤقتة.

ويتجلى في هذا السياق بند الالتزام بحسن النية ووقف الإجراءات العدائية في المحافل الدولية كالتزام سلوكي يفرض على الدولتين الامتناع عن ملاحقة بعضهما أو رفع دعاوى قانونية أو جزائية أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية طوال فترة التفاوض، وهو ما يمثل في الأبعاد الاستراتيجية حصانة سياسية ودبلوماسية تحمي العدو الإسرائيلي من التبعات القانونية الدولية المتعلقة بالانتهاكات وتدمير البنى التحتية والمرافق الحيوية في لبنان.

أما فيما يتعلق بمفهوم الحق المتأصل في الدفاع عن النفس، فإن استناد الاتفاق إلى المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة جاء بصياغة تفتقر إلى التكافؤ مقارنة بالتفاهمات السابقة، إذ يمنح العدو الإسرائيلي صراحة حق اتخاذ تدابير استباقية ضد ما يوصف بالتهديدات الوشيكة أو المخطط لها، مما يمنحه شرعنة تعاقدية لخرق الأجواء اللبنانية أو تنفيذ ضربات موضوعية عند استشعار الخطر، الأمر الذي يؤدي موضوعياً إلى إفراغ مفهوم وقف الأعمال العدائية من مضمونه السيادي الكامل بالنسبة للدولة اللبنانية.

ويتكامل هذا البند مع مصطلح الحصرية الأمنية وبسط السيادة، والذي يتماشى في ظاهره مع جوهر القانون الدولي الذي يفرض أن تكون الدولة هي الكيان الوحيد الذي يمتلك حق احتجاز العنف المشروع بواسطة الجيش وقوى الأمن الرسمية، إلا أن أبعاده السياسية تهدف صراحة إلى فصل الجبهات الإقليمية وسحب الشرعية عن أي سلاح أو مجموعات غير تابعة للدولة، وجعل المؤسسة العسكرية اللبنانية هي المسؤول المباشر والأوحد عن ضبط الحدود والتحقق من إنهاء المظاهر المسلحة.

وينعكس هذا التوجه بشكل ميداني من خلال اعتماد صيغة المناطق التجريبية أو النموذجية كإجراء أمني مرحلي لتطبيق ترتيبات سيادية مجتزأة جغرافياً قبل تعميمها على كامل الإقليم الوطني، مما يكرس في العمق السياسي مبدأ التدرج والمشروطية، بحيث بدلاً من الانسحاب الفوري والشامل لقوات العدو من الأراضي المحتلة وهو المبدأ المستقر في القانون الدولي لإزالة أي احتلال عسكري، أصبحت وتيرة الانسحاب رهنًا بمدى نجاح الجيش اللبناني في إثبات قدرته على السيطرة التامة ونزع السلاح في تلك البلدات والحدود النموذجية المحددة في متن الاتفاق.

وتأتي الرعاية الأمريكية المباشرة لتشكل تحولاً في الدور الدولي من صفة الوسيط الذي يسهل التفاوض إلى صفة المرجعية التنفيذية والضامن الذي يقود مجموعات التنسيق العسكري والتحقق الميداني، مما يجعل المساعدات الاقتصادية ومشاريع إعادة الإعمار وتأمين عودة النازحين مشروطة بالتقييم السياسي لمدى التزام الدولة اللبنانية بتطبيق بنود الاتفاق وإقصاء النفوذ الإقليمي الخارجي.

إن القراءة الفقهية لهذا الاتفاق تظهر انقساماً حاداً بين جبهتين قانونيتين، حيث تنطلق الجبهة المؤدية للخطوات الحكومية من مرتكزات واقعية ودستورية ترى في الاتفاق أداة ضرورية لإنهاء الصراع المسلح وحصر السلاح بيد الدولة تماشياً مع القرارات الدولية ومقدمة الدستور، معتبرة أن إنقاذ البلاد من التدمير الكامل وتأمين الانسحاب الجغرافي للعدو عبر صيغة المناطق التجريبية يقع في صلب واجبات السلطة التنفيذية الدستورية لحماية الكيان بموجب نظرية الظروف الاستثنائية والضرورة الوطنية.

وفي المقابل، تستند جبهة المعارضين والرافضين من قوى سياسية وفقهاء في القانون الدولي ومنظمات حقوقية إلى ترسانة من الحجج المبدئية والسيادية، وفي مقدمتها الدفع ببطلان الاتفاق بسبب الإكراه المادي والمعنوي الناشئ عن توقيعه تحت وطأة العمليات العسكرية وقصف وتدمير الحواضر والبلدات، استناداً إلى المادة الثانية والخمسين من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي تقضي ببطلان كل معاهدة يتم إبرامها نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استخدامها.

كما يرى المعارضون أن التنازل عن حق ملاحقة الانتهاكات وحرمان الضحايا من العدالة يصطدم بالقواعد الآمرة في القانون الدولي الإنساني التي لا يجوز للدول الاتفاق على مخالفتها أو تعطيل مفاعيلها الحمائية.

وتتبلور الإشكاليات الدستورية اللبنانية تجاه بنود اتفاق الإطار في نقاط قانونية محددة ترتبط بالنظام العام والتشريع الداخلي، حيث تبرز أولى هذه الإشكاليات في مدى الالتزام بأحكام المادة الثانية والخمسين من الدستور اللبناني في فقرتها الثانية، والتي تشترط وجوب نيل موافقة مجلس النواب عبر إصدار قانون تصديق لتصبح الاتفاقية نافذة ومبرمة داخلياً، نظراً لأن الاتفاق ينطوي على ترتيبات أمنية وجغرافية بعيدة المدى لا يجوز فسخها سنة فسنة وتترتب عليها أعباء سيادية ومالية على عاتق الدولة، مما يمنع تصنيفه مجرد تفاهم إداري أو اتفاق تنفيذي محصور بصلاحيات السلطة التنفيذية وحدها.

وتتمثل الإشكالية الثانية في التعارض الموضوعي المباشر بين آليات التنسيق والتحقق الميداني المشتركة التي يفرضها الاتفاق بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية وبين أحكام قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في التشريع اللبناني عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين، والذي يحظر بشكل مطلق وقاطع أي شكل من أشكال التعامل أو التنسيق أو الاتفاق المتبادل مع العدو، مما يجعل الاتفاق مفتقراً للمشروعية القانونية الداخلية ما لم يجرِ تعديل ذلك القانون الأساسي في البرلمان.

وثالثة هذه الإشكاليات ترتبط بدستورية التدرج في السيادة عبر صيغة المناطق التجريبية المشروطة، إذ إن ربط انسحاب قوات العدو الإسرائيلي بشروط أمنية مسبقة يمس مساً جوهرياً بأحكام المادة الثانية من الدستور اللبناني التي تؤكد بصورة حاسمة أن سيادة الدولة على أراضيها هي سيادة كاملة، مطلقة، وغير قابلة للتجزئة أو التنازل أو المشروطية الجغرافية.

وتأتي الإشكالية الرابعة لتضرب البند المتعلق بوقف الملاحقات القضائية الدولية، حيث إن إدراج المادة الثالثة عشرة التي تقضي بوقف القضايا العدائية يمثل تجاوزاً للصلاحيات الدستورية للسلطة التنفيذية، كون الدولة لا تملك الحق القانوني في التنازل التام عن حقوق مواطنيها الشخصية في التقاضي وملاحقة جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، مما يجعل هذا البند تحديداً باطلاً بطلاناً مطلقاً لمخالفته النظام العام الدستوري وحق التقاضي المقدس، وعرضة للطعن المباشر بالإبطال أمام مجلس شورى الدولة والمراجع القضائية العليا في لبنان.

https://hura7.com/?p=81532

الأكثر قراءة