جريدة الحرة بيروت

بقلم : نبيل شحاده مدونة الكاتب نبيل شحاده
يقف لبنان اليوم على حافة تطورات محلية وإقليمية غير مسبوقة، رسمت معالمها الأولى المفاوضات مع إسرائيل في واشنطن وروما؛ التي أثبتت رغم كل شيء الحضور الرسمي للدولة، وأن الدبلوماسية الشرعية قادرة على صون حقوق البلاد وتجنب الحروب والتدمير الشامل. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل تثبيت وجودها العسكري وممارسة خروقاتها في جنوب لبنان، ساعيةً إلى إعادة ترتيب المشهد الجنوبي والحدودي وفق شروطها القاسية، وفرض واقع أمني يحمي مستوطنات الشمال ويخدم أجنداتها على حساب السيادة اللبنانية.
العامل الإسرائيلي، يتماهى معه “حزب الله” الذي يصرّ على رفض مسار المفاوضات المباشرة، متشبثاً بسلاحه، ومبتعداً عن المصلحة الوطنية بإعلان صريح عن انحيازه المطلق لطهران وطروحاتها ومشاريعها. بل إن الحزب لم يعد يخفي رغبته في اختزال لبنان بأكمله وتحويله إلى مجرد ورقة مقايضة إيرانية تُطرح على طاولة التفاوض بين واشنطن وطهران.
وفيما تتنازع الوضع اللبناني خطوط النار الإقليمية وطموحات الهيمنة، تقف الطبقة السياسية اللبنانية بكافة مكوناتها موقف “الشريك الصامت والمستفيد”. منظومة طائفية مُعطِّلة، تعتاش بانتفاع على استمرار هذا التأزم وتستمر في التقاعس عن تقديم أي حلول للأزمات المعيشية المزمنة. إنها طبقة لا ترغب نهائياً في إنهاء هذا الوضع في المستقبل القريب، لأن قيام دولة القانون والسيادة يعني ببساطة نهاية دورها ومكتسباتها.
هذا التنازع المحموم على جغرافية لبنان وقراره يكشف في عمقه عن استباحة مزدوجة، تُمارسها قوتان إقليميتان لا تجمعهما – ظاهرياً على الأقل- إلا نقطة واحدة: إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراع وتصفية الحسابات. فمن الناحية الإسرائيلية، لا تتعامل تل أبيب مع التفاهمات والدبلوماسية كفرصة لإرساء استقرار دائم واحترام للسيادة، بل تطبق استراتيجية تقوم على العنف الميداني لتثبيت احتلالها ودوام خروقاتها للحدود. إنها تسعى جاهدة لإعادة رسم الخريطة الأمنية في الجنوب وفرض شروط تعسفية تُحوّل القرى والبلدات إلى مناطق عازلة، محاولةً اقتطاع القرار السيادي وتطويق الدولة بشرط أمني أحادي القطب هدفُه الأول والأخير حماية مستوطنات الشمال بغض النظر عن الأثمان التي يدفعها اللبنانيون.
وعلى الضفة المقابلة لهذا الضغط الميداني الإسرائيلي، يكتمل مشهد التفريط بالسيادة عبر الأداء السياسي والعسكري لحزب الله، الذي يصر على موقفه الرافض لمنطق الدولة والمفاوضات المباشرة. لم يعد سراً أن الحزب ينطلق في قراراته من رؤية تتجاوز الحدود اللبنانية؛ إذ يقدم ارتباطه العضوي بطهران وأجندتها على أي اعتبار وطني جامع، ويتشبث بسلاحه وينبذ خيارات الشرعيتين المحلية والدولية في ترجمة عملية للتوجهات الإيرانية بضرورة احتفاظ طهران بالورقة اللبنانية كمادة تفاوضية دسمة وخطيرة في مقايضاتها المعقدة مع واشنطن. وهكذا، يلتقي العدوان الإسرائيلي المباشر مع الارتهان للخارج من قبل حزب الله ليُجرّدا لبنان من حقه البديهي في إدارة شؤونه وأزماته وتحديد مصيره.
غير أن الفاجعة الحقيقية التي تُجهز على ما تبقى من مقومات الوطن لا تقف عند حدود ما ذكرناه، بل تتجسد في السلوك الداخلي للطبقة السياسية اللبنانية بمعظم أطيافها ومكوناتها. هذه المنظومة الحاكمة، التي يُفترض بها أن تكون خط الدفاع الأول عن الشعب والسيادة، اختارت أن تلعب دور “الشريك الصامت والمستفيد” من هذه الفوضى وما يرافقها من خراب. إنها طبقة طائفية مُعطِّلة، أثبتت الأيام أنها تقتات بيسر على الوضع المتأزم، وتستثمر في الاستقطاب والانقسام لتغطية عجزها الممنهج، وتقاعسها الفاضح عن تقديم أي حلول للأزمات الحياتية والاقتصادية والمعيشية المزمنة.
لقد أصبحت أساليب التسويف والتعمية والتغاضي عن الحلول الجذرية عقيدة راسخة لدى هذه الطبقة السياسية؛ فهي تدرك تماماً أن قيام دولة قانون حقيقية، تتمتع بسيادة كاملة وقرار موحد، سيعني حتماً تفكيك شبكات المحاصصة والفساد ونهاية نفوذها وجشعها في استنزاف اللبنانيين. ويتجلى هذا العجز الممنهج في الاهتراء المأساوي لمؤسسات الدولة؛ بدءاً من الانقطاع المزمن للكهرباء والمياه، مروراً بتبديد أموال المودعين واحتجازها في المصارف بلا حسيب أو رقيب أو حلول عملية، وصولاً إلى المياعة الفاضحة في فرض هيبة الدولة وسيادة القانون. وبدلاً من تحديث التشريعات وتطوير القوانين لمواجهة العصر، تنشغل المنظومة بطرح تسويات مشبوهة كقانون العفو العام لتكريس سياسة الإفلات من العقاب، بدلاً من إجراء محاكمات عادلة ومحقة.
إن هذا التلاقي الخبيث بين أطماع إسرائيل، وارتهان حزب الله لطهران، وتقاعس طبقة سياسية تفرّط بحقوق مواطنيها اليومية، يُشكّل السجن الكبير الذي يحبس اللبنانيين في دوامة الفوضى وانغلاق الأفق، ويحرمهم من حقهم في وطن تسوده العدالة والمساواة.
إن التحدي الكبير الذي يواجه لبنان اليوم لم يعد خياراً بين وجهات نظر سياسية مختلفة، بل هو مفترق طرق بين الذهاب للدولة أو البقاء كساحة. لقد أثبتت محطات المفاوضات الرسمية في واشنطن وروما أن الشرعية الوطنية قادرة على التحدث بثبات وإثبات الحضور الدبلوماسي؛ غير أن هذه النافذة السيادية ستظل مهددة بالإغلاق ما لم يدرك اللبنانيون أن خروج وطنهم من الصراع يمر عبر تفكيك الثلاثي الذي يُكبل إرادتهم.
لبنان لن يصل إلى شاطئ الأمن والسلامة إذا بقي ينتظر نتائج الصفقات الدولية بين طهران وواشنطن، ولا بالرضوخ للشروط والأطماع الإسرائيلية أو تجاهل وجودها، ولا بالاستسلام لطبقة سياسية منتجة للأزمات. إن البداية الحقيقية تكمن في العمل لتطبيق معادلة “الدولة أولاً وأخيراً”، وحصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية والجيش الوطني، وإسقاط نهج الرهانات الخارجية. ومن دون مواجهة صريحة وشجاعة مع هذا الثلاثي الخانق، سيبقى لبنان مجرد رقم هامشي في معادلات الآخرين، وضحية لحروب لا تنتهي.


