جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتشابك خطوط النار في الجنوب اللبناني مع أروقة القرار في واشنطن لتدفع بالبلاد نحو مشهد جيو-عسكري هو الأكثر تعقيداً منذ عقود، حيث يتداخل دوي الانفجارات على جبهات زوطر والريحان مع كواليس النقاشات التقنية في البنتاغون. إن هذا التصعيد الراهن، الذي يتزامن مع ظروف ميدانية بالغة الحساسية، يتجاوز حدود الضغط العسكري التقليدي ليتحول إلى محاولة إسرائيلية لفرض واقع جغرافي ملموس يسبق جولات التفاوض السياسي، مما يضع مؤسسات الدولة اللبنانية أمام معضلة الموازنة بين متطلبات الاستقرار وبين الحفاظ على الثوابت الوطنية في مواجهة الشروط الأمنية الدولية المطروحة.
هذا الضغط الميداني الهائل أدى إلى تعميق الفرز السياسي والاجتماعي داخل الساحة اللبنانية، مفرزاً معادلة حادة بين توجهات السلطة الرسمية وبيئة المقاومة؛ إذ ترى رئاسة الجمهورية والحكومة أن الانخراط في الترتيبات الأمنية المقترحة، كآلية الرقابة الخماسية، يمثل الممر الإلزامي الوحيد لحماية ما تبقى من بنية تحتية ومنع عزل لبنان دولياً. في المقابل، يرفض حزب الله هذه الشروط التقنية، وخاصة ما يتعلق بتبادل خرائط الأنفاق، معتبراً إياها محاولة لتفكيك قدراته الدفاعية بأدوات رسمية، مما يرفع من حدة التوتر السياسي في الشارع. ويتزامن هذا الانقسام مع تمايز واضح في المواقف بين الحلفاء، حيث يسعى رئيس مجلس النواب إلى صياغة مخارج مرنة تمنع الصدام المباشر مع الجيش اللبناني، وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية نتيجة موجات النزوح الضخمة من النبطية وصور باتجاه العاصمة والجبل، وهو ما يضع السلم الأهلي أمام اختبار حقيقي في ظل تعالي الأصوات الداخلية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة.
تتمحور التحركات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة حول محاولة إحداث خرق بري نوعي يتجاوز القرى الحدودية الأمامية ليصل إلى عمق يتراوح بين عشرة وخمسة عشر كيلومتراً، مع التركيز على نقاط ارتكاز حاكمة شمال نهر الليطاني وفي مرتفعات الريحان وإقليم التفاح. يهدف هذا التوغل، المدفوع بضغط من المستويين السياسي والعسكري في تل أبيب، إلى تحقيق سيطرة نارية وجغرافية كاملة تكشف مجرى النهر والمراكز الحضرية الأساسية مثل النبطية وصور، وتحويل تلك المناطق إلى أحزمة جغرافية عازلة. وتترافق هذه العمليات البرية مع اعتماد تكتيكات الأرض المحروقة وتوسيع أوامر الإخلاء القسري للمدنيين، بهدف تفريغ البيئة الديموغرافية وقطع خطوط التواصل اللوجستي بين الساحل والداخل، في محاولة صريحة لتعديل شروط التفاوض واستباق أي ترتيبات سياسية دولية بفرض أمر واقع ميداني ملموس.
هذا التمدد الهجومي يصطدم على الأرض بمقاومة ميدانية شرسة وعمليات صد دفاعية مكثفة تعتمد على تكتيكات نوعية لمواجهة الآليات المتقدمة، مما يحول المواجهة في بعض المحاور إلى حرب استنزاف حقيقية تكبد القوات المهاجمة خسائر واضحة وتمنعها من حسم التموضع الجغرافي في النقاط المستهدفة. غير أن هذا الصمود الميداني، رغم كفاءته العسكرية، يضع البلاد أمام معضلة إستراتيجية كبرى نتيجة الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة الناتجة عن تدمير البنى التحتية وموجات النزوح الكثيفة. وتتزامن هذه المعطيات مع فرز سياسي حاد داخل الساحة اللبنانية، حيث تجد مؤسسات الدولة الرسمية نفسها أمام ضرورة الاستجابة للمبادرات الدولية لوقف النزيف وتفادي العزلة الخارجية، بينما ترى القوى الميدانية في بعض الشروط التقنية المطروحة، لا سيما ما يتعلق بآليات الرقابة الدولية المباشرة وتبادل الإحداثيات الأمنية، مساساً بالقدرات الدفاعية وتجاوزاً للتفاهمات الداخلية المعمول بها.
تتجه الأنظار الحالية نحو المداولات الأمنية والتقنية المقررة في البنتاغون، والتي تشكل محطة مفصلية لترجمة التوازنات الميدانية إلى صيغ سياسية. وتتركز النقاشات التقنية بين الوفد العسكري اللبناني والجانبين الأمريكي والعدو الإسرائيلي حول أربعة ملفات محورية تشمل: تفكيك البنى التحتية العسكرية، إنشاء منطقة إشراف منزوعة السلاح شمال الخط الأزرق, صياغة آلية رقابة وتحقق دولية جديدة، والتعامل مع المنظومات التقنية الحديثة وسلاح المسيرات. وفي هذا السياق، تبرز الرؤية الأمريكية الإستراتيجية التي توظف الضغط العسكري الراهن كأداة لإجبار الجانب اللبناني على تقديم تنازلات أمنية هيكلية، مع الحفاظ في الوقت عينه على “خطوط حمراء” تمنع استهداف العاصمة بيروت ومرافقها الحيوية لضمان استمرار مسار الحل السياسي والترتيبات الدستورية القائمة في قصر بعبدا.
إن مآلات هذه المواجهة المفتوحة ترتبط مباشرة بقدرة الدبلوماسية اللبنانية على إدارة هذا التفاوض المعقد؛ إذ يتوقع أن تفضي المحادثات الجارية إلى صياغة آلية أمنية بديلة ومرحلية تعيد رسم قواعد التنسيق الميداني في الجنوب، بحيث يربط لبنان أي انتشار تدريجي للجيش الوطني بجدول زمني صارم يتضمن الانسحاب الإسرائيلي الشامل ووقف الخروقات الجوية والبرية، مستنداً إلى ضرورة حصر الصلاحيات السيادية والقرارات التنفيذية بيد مؤسسات الدولة الشرعية دون سواها. ومن المتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة سباقاً محموماً بين تثبيت نقاط النار ميدانياً بلجوء جيش الاحتلال إلى الكثافة النارية القصوى في حال عجز التوغل البري، وبين السعي الدولي لبلورة تسوية سياسية متكاملة ترعاها واشنطن، حيث ستقرر نتائج اجتماعات البنتاغون طبيعة المرحلة القادمة، وسط مؤشرات تدل على أن فرض أي حل مستدام سيتطلب حتماً الموازنة بين متطلبات السيادة الوطنية الكاملة للبنان والترتيبات الأمنية الإقليمية المفروضة.


