الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الجمهورية الأذرية المستقلة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أذربيجان تحدها روسيا وجورجيا من الشمال، وأرمينيا من الغرب، وإيران من الجنوب، وبحر قزوين من الشرق. تضم البلاد منطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي، وهي منطقة نائية تفصلها أراضي أرمينيا. تاريخياً، كانت أذربيجان أول جمهورية برلمانية في العالم الإسلامي، ولكنها تأثرت بشكل كبير بالاتحاد السوفيتي طوال العقود التي تلت تأسيسها في 1918.

من حيث السكان، أذربيجان دولة ذات أغلبية مسلمة، حيث يتجاوز نسبة المسلمين 95% من سكانها. ويتميز المجتمع الأذربيجاني بتنوع عرقي وثقافي، حيث تعيش فيه أقليات من مختلف القوميات. اللغة الرسمية في البلاد هي الأذربيجانية، وهي جزء من عائلة اللغات التركية.

أما فيما يتعلق بالاقتصاد، يعتمد اقتصاد أذربيجان بشكل كبير على النفط والغاز الطبيعي، إذ تشكل صادرات الطاقة جزءاً أساسياً من اقتصادها. وفي السنوات الأخيرة، شهدت أذربيجان تنوعاً ملحوظاً في اقتصادها، حيث أصبحت تركز على تطوير قطاعات أخرى مثل الزراعة والسياحة.

النظام السياسي في أذربيجان هو جمهوري رئاسي، حيث يتم انتخاب الرئيس لمدة خمس سنوات، وتعد السلطة التنفيذية في يد الرئيس. البرلمان الأذربيجاني (ملي مجليس) يتكون من 125 عضواً يتم انتخابهم عبر انتخابات مباشرة، وهو جزء من النظام السياسي الذي يواكب تطورات البلاد الحديثة.

في الآونة الأخيرة، أصبحت أذربيجان لاعباً رئيسياً في منطقة القوقاز، ويعزى جزء كبير من هذا الدور إلى نمو الاقتصاد الأذربيجاني واستثماراته الكبيرة في البنية التحتية، مدفوعة بعوائد الطاقة.

اذربيجان الكبرى

تعد فكرة “أذربيجان الكبرى” واحدة من الطموحات التاريخية التي لطالما حلم بها الأذريون داخل أذربيجان وخارجها. فبينما تنقسم أذربيجان الحالية بين أذربيجان الشمالية المستقلة، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة، و”أذربيجان الغربية” التي تعد جزءًا من إيران، يسعى العديد من الأذريين إلى توحيد الشطرين واستعادة الأراضي الأذربيجانية التي تعتبر جزءًا من هويتهم التاريخية. لكن هذا الطموح لا يمر دون صعوبات كبيرة، ليس فقط على الصعيد الداخلي ولكن أيضاً على الصعيد الإقليمي والدولي.

إيران تعتبر أذربيجان الغربية جزءًا من أراضيها وترفض بشكل قاطع أي محاولة لاستقلال تلك المنطقة أو انضمامها إلى أذربيجان الشمالية. ترى إيران أن أذربيجان الغربية هي ولاية إيرانية، وتعتبرها جزءًا من التاريخ الإيراني والمجتمع الإيراني الأكبر. من جانبها، ترى روسيا في أذربيجان الكبرى تهديدًا لمصالحها في القوقاز، خاصة بعد أن عملت على فصل الأراضي الأذرية عن أذربيجان الشمالية خلال الحقبة السوفياتية.

وعلى الرغم من هذه المواقف الإقليمية، يبرز العداء الوجودي بين أذربيجان وإيران، الذي له جذور تاريخية وثقافية. فالأذريون في إيران يتحدثون اللغة التركية الأذرية، ويمثلون ما يقارب 70% من إجمالي الشعب التركي في إيران. هذا الرابط الثقافي واللغوي يجعل من السهل فهم الطموحات الأذربيجانية في إعادة توحيد الشطرين، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها إيران من ناحية استقرارها الداخلي وتعزيز الهوية القومية الفارسية.

بالنسبة لأذربيجان، فإن تحقيق حلم “أذربيجان الكبرى” يتطلب التعامل مع مواقف معقدة للغاية. أذربيجان الحالية التي تضم حوالي 10 ملايين نسمة، تشهد توسعًا سكانيًا يمكن أن يجعل حلم “الدولة الكبرى” واقعًا. إذ أن أذربيجان الكبرى قد تصبح دولة يبلغ عدد سكانها حوالي 25 مليون نسمة، ويشترك معظمهم في الهوية الشيعية، وهو ما قد يجلب استقرارًا داخليًا لهذه الدولة الجديدة.

ولكن هذا التوسع يثير العديد من الأسئلة الإقليمية والدولية. على سبيل المثال، فإن إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا قد يرون في توسيع أذربيجان الكبرى فرصة لتحقيق الاستقرار في منطقة القوقاز، لكنهم في نفس الوقت يرون خطرًا في تحول هذه الدولة إلى دولة ذات الهوية الشيعية، حيث يشكل هذا التوجه تهديدًا لكل من إسرائيل والولايات المتحدة في ما يتعلق بتحقيق مصالحهم في المنطقة. وبالرغم من أن تركيا وأذربيجان لديهما روابط قوية، إلا أن تركيا ترفض بشدة أي تدخل عسكري في إيران، خصوصًا إذا كانت أذربيجان الكبرى ستشكل تهديدًا على النظام السياسي في إيران.

دور تركيا القادم في التغيير الجوسياسي

تركيا، رغم أنها تعتبر أذربيجان حليفًا مهمًا، لن تكون مستعدة لخوض مغامرة عسكرية مع إيران. تاريخيًا، كانت تركيا حريصة على تجنب أي صراع مباشر مع إيران، حيث تعتقد أن ذلك قد يؤثر سلبًا على استقرار المنطقة. على سبيل المثال، حتى في أثناء الثورة السورية، كانت تركيا حذرة جدًا في تدخلها العسكري، حيث رفضت طرحات الدخول بجيشها إلى دمشق خشية أن تُوجَّه ضربة لها من “الظهر”، وهو ما قد يحدث في حال تدخلت ضد إيران. تركيا تعرف جيدًا أن تدخلها في إيران سيؤدي إلى مواجهة مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الصين وإسرائيل، وهي قوى لن تتردد في الوقوف ضد هذا التحرك.

إيران، التي تعتبر أذربيجان الغربية جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، ستسعى بكل قوتها لمنع أي محاولة أذربيجانية لضم تلك الأراضي إليها. هذا العداء الوجودي بين أذربيجان وإيران يعكس تضاربًا في المصالح القومية والدينية، حيث يسعى كل طرف إلى فرض سيطرته على المنطقة، مما يعقد أي محاولات لتوحيد الشطرين الأذريين.

إن توسيع أذربيجان الكبرى وتوحيد الأراضي الأذرية لا يواجه فقط مقاومة من إيران وروسيا، بل أيضًا من تركيا التي تخشى من تداعيات هذا التوسع على استقرار المنطقة، حيث أن هذا التحول قد يقوي من موقف الشيعة في القوقاز ويزيد من الهيمنة الإيرانية على المناطق الشيعية في المنطقة.

إسرائيل أيضًا ستكون حريصة على موازنة هذه التحركات، حيث أنها ترى في إيران تهديدًا مباشرًا لها، وفي أذربيجان الكبرى إمكانية للحفاظ على توازن القوى في المنطقة، ولكن فقط إذا تم التعامل مع القضية بحذر ودون تهديد للهيمنة الإقليمية.

فإذا كانت أذربيجان تسيطر من خلال التوسع، فإن الروس والصينيين سيعترضون. فسيحاول الروس العبور من الخليج عبر بحر قزوين للوصول إلى الدول الخليجية، وبالتالي احتلال آبار النفط. كما يمكن للصين العبور من باكستان وأفغانستان إلى إيران والسيطرة على آبار النفط. إذا تم ذلك، سيكون الوضع قد اختلط تمامًا وبدأت حرب عالمية ثالثة. لكن إخضاع قدرات الصين وروسيا يكون بقرار أمريكي من خلال تهيئة الظروف الفعلية لأذربيجان للتمدد في شمالي إيران. بذلك، يمكن لأمريكا قطع خط مواصلات الصين وروسيا ومنعهما من تنفيذ أي مشروع إنقاذي لإيران عبر التوسع والدعم العسكري واللوجستي. وبالتالي، سيصبح الجدار الأذري قد حمى الخليج وآبار النفط والممر المائي والنفط الإيراني. وربما تقوم الصين بتسليح إيران بالوكالة إذا لم تدخل مباشرة إلى أفغانستان أو باكستان. الحرب الفعلية هي حرب بين أمريكا والصين عبر إيران، حيث تُعتبر إيران محطة مهمة للصين. مهمة إيران هي رد الجيش الأمريكي من الخليج العربي.

أما بالنسبة لتركيا، فهي تُظهر يقظة شديدة لأي طعنة من الظهر بسبب كثرة الأعداء في المنطقة. فعلى سبيل المثال، بعد سقوط النظام السوري، خرج وزير الخارجية التركي وأعلن أن سوريا هي “الجمهورية العربية السورية” وأن تركيا هي “الجمهورية التكية”، حيث أكد أنه ليس من سعيهم لأي اتحاد مع العرب، وأنهم ليسوا في موقف للاندماج مع أي كيان عربي، وأن ما يحدث هو اتفاقات تحت الطاولة. في هذا السياق، رفضت دول الخليج التدخل العسكري، وكان موقف رئيس وزراء قطر واضحًا حين أعلن أنهم لن يدخلوا في عمل عسكري يؤدي إلى مواجهة مع إيران، خشية أن يتم الطعن بدول الخليج من الخلف. وبالتالي، من يسمح له بالتوسع دون إزعاج الغرب وأمريكا هو أذربيجان التي يمكنها أن تحتل أجزاء من إيران دون أن يشكل ذلك تهديدًا لأي طرف، خاصة أن أذربيجان دولة شيعية.

المواقف الدولية  من فكرة اذربيجان الكبرى

الغرب يحب الشيعة ويشجع توسيع الدول الشيعية لأن أحدًا لا يريد توسيع الدول السنية، حيث تم تفكيك معظم الدول السنية وبناء دويلات ضعيفة. أذربيجان التي تتوسع ستواجه اعتراضات من الروس والصينيين. فسيحاول الروس العبور من الخليج عبر بحر قزوين للوصول إلى دول الخليج واحتلال آبار النفط، بينما يمكن للصين المرور عبر باكستان وأفغانستان للسيطرة على آبار النفط في إيران. إذا حدث ذلك، سيكون الوضع قد اختلط وبدأت حرب عالمية ثالثة. لكن أمريكا ستسعى لإخماد قدرات الصين وروسيا من خلال دعم تمدد أذربيجان في شمالي إيران، وبالتالي قطع خط مواصلات الصين وروسيا ومنعهما من تنفيذ أي مشروع إنقاذي لإيران عبر الدعم العسكري واللوجستي. هذا سيحمي الخليج وآبار النفط والممرات المائية والنفط الإيراني.

وربما تقوم الصين بتسليح إيران بالوكالة إذا لم تدخل مباشرة إلى أفغانستان أو باكستان، حيث أن الحرب الفعلية هي حرب بين أمريكا والصين عبر إيران. إيران تُعتبر محطة مهمة للصين، إذ أن مهمتها هي رد الجيش الأمريكي من الخليج العربي. السؤال الآن هو: هل يجب علينا كعرب أن نختار الوقوف مع المعسكر الأمريكي أم مع المعسكر الصيني؟ التعاون العربي الأوروبي قد يظهر توجهًا معسكرًا جديدًا ونحن في قلب المعركة. فلا عجب أن نجد مجموعات عربية قومية وسلافية ويسارية تطالب بدعم إيران، ظنًا منهم أنهم يساندون قضاياهم ضد إسرائيل ودول الخليج. لكنهم ينسون أن العرب بين مطرقة إيران وكماشة إسرائيل. هذه ليست حرب العرب التي تتعرض مدنهم للتدمير.

لكن في الحرب الحالية بين أمريكا وإيران، تشعر طهران بقلق متزايد من التوسع الغربي في المنطقة، الذي تعززه جمهورية أذربيجان الحالية. إيران تخشى أن يكون هذا التوسع بمثابة اختراق أمريكي مباشر لها عبر أذربيجان الشيعية، مما يهدد نفوذها الإقليمي ويضعف قدرتها على التحكم في التطورات في المنطقة.

https://hura7.com/?p=77886

الأكثر قراءة