الأكثر قراءة

الجنوب اللبناني: مسارات الميدان واستحقاقات السيادة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تقف الأرض الجنوبية اليوم على حدّ الفاصل التاريخي الذي تعيد فيه التحولات العسكرية الميدانية صياغة التوازنات السياسية الراسخة، وتنكشف فيه القواعد الحاكمة لحركة الصراع ومصائر الدول. إن التطورات المتسارعة الجارية على طول الخط الحدودي الممتد من الحافة الأمامية إلى مرتفعات العمق، لا تمثل مجرد تبدلات في التمركز العسكري أو إعادة ترتيب للخطوط الميدانية، بل تشكل مساراً سياسياً وعسكرياً معقداً تتداخل فيه الأبعاد الإقليمية بالاستحقاقات الوطنية.

وفي هذه اللحظة الممتدة بين اضطراب الواقع وتطلع الإرادة، يغدو تعزيز سلطة الدولة ورعاية كيانيتها المدخل الأساس الذي يجمع الطاقات الوطنية للعبور نحو استقرار دائم، تجتمع عليه الإرادات السياسية من خلال الحوار والتفاهم والتنسيق الوثيق بين كافّة المكونات اللبنانية، بعيداً عن منطق المغالبة أو الاستئثار أو لغة التحدي والانقسام الداخلي.

إن القراءة الفاحصة للواقع الميداني المشهود تكشف عن ديناميات متداخلة تسعى إلى استبدال الثبات المستقر بفرض واقع قلق ومستمر. وتترافق الأطروحات المتعلقة بالتطبيقات الأولى المحددة لبعض البلدات، مع استمرار أعمال التجريف الواسعة والهدم الممنهج الذي يمارسه العدو الإسرائيلي للمحيط العمراني والمنشآت الحيوية، بدءاً من المنازل والمؤسسات وصولاً إلى المرافق المائية والخدمية الأساسية.

إن هذا السلوك الهندسي والميداني يتجاوز حدود الحسابات الأمنية المباشرة ليطال المقومات العميقة لاستمرار الحياة الاجتماعية والإنسانية؛ إذ يؤدي تدمير المقومات الاقتصادية والبنيوية إلى جعل البيئة المحلية غير قابلة للاستقرار الفعلي، مما يعطل مسار العودة الآمنة والكريمة للسكّان، ويضع العائلات والبلدات أمام واقع تعجيزي يرهن مستقبلها بحالة من الانتظار القسري ويفاقم من كلفة المعاناة الإنسانية ويدمر مقومات العيش الكريم.

وما يفاقم من تعقيد المشهد في قمم وقرى “المناطق التجريبية”، تلك الشروط الإسرائيلية والأمريكية الصارمة المفروضة على ملف إعادة الإعمار والعودة؛ حيث تتجاوز هذه القيود الإطار الهندسي البحت لتستهدف تجريد البيئة الاجتماعية من مقومات حضورها، عبر فرض رقابة مشددة على آليات التمويل، وحصرها بالقنوات الحكومية الرسمية لضمان إقصاء أي جمعيات أو مؤسسات أهلية أو كشفية أو صحية غير رسمية.

كما تمتد هذه الضوابط لتشمل معايير إنشائية دقيقة تمنع بناء الأقبية والمستودعات تحت الأرض، وتستبدل خزانات المياه الخرسانية المعتادة بخزانات مكشوفة، وتقيد مساحات البناء ودخول المواد الأساسية كالحديد والإسمنت والآليات الثقيلة، مما يضع السلطات الرسمية والمجتمعات المحلية أمام تحديات سياسية واجتماعية هائلة تعرقل العثور على مسار سريع للتعافي.

وفي المقابل، تتجلى الحسابات العسكرية الأكثر عمقاً لدى العدو الإسرائيلي في التركيز على التلال والحصون الحاكمة، مثل مرتفعات علي الطاهر، وتلال المحمودية، والريحان، وبركة جبور. وتُظهر القراءة الدقيقة للمشهد أن السعي الميداني للسيطرة على هذه النقاط الاستراتيجية المشرفة على النبطية وإقليم التفاح وجزين، يهدف إلى إحكام التفوق الناري وتفكيك التحصينات والتكوينات الممتدة تحت الأرض، واعتماد أحزمة نارية لمنع التواصل اللوجستي بين القطاعات.

إن هذه التحركات الميدانية تتزامن مع المهل والمحطات الدبلوماسية المرتقبة، لتفرض واقعاً يستبق جولات التفاوض السياسية، ويعيد رسم الحدود النارية للمنطقة. غير أن الاعتماد على التفوق الميداني المجرد يظل قاصراً عن إحداث ثبات دائم؛ إذ إن التاريخ السياسي للمنطقة يثبت وفق قواعده المتعارف عليها أن الترتيبات الفوقية التي تغفل حقوق الشعوب وتتجاوز متطلبات السيادة الشاملة لا تنتج استقراراً مستداماً، بل تفاقم حدة الاستنزاف الضاغط وتفتح الميدان على احتمالات التصعيد المستمر.

وسط هذه التناقضات الميدانية المعقدة، تتبدى أهمية المؤسسة العسكرية اللبنانية بوصفها المظلة السيادية الجامعة والعمود الفقري لحماية السلم الأهلي واستقلال القرار الوطني. إن الانتشار المسلح للجيش اللبناني على طول القرى والبلدات الحدودية وفي المرتفعات الحاكمة، بالتنسيق الشامل مع القوات الدولية المعنية بالقرارات الأممية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1701، يمثل الركيزة الوطنية الوحيدة القادرة على ردع اعتداءات العدو الإسرائيلي وخروقاته، وبسط السلطة الشاملة، وقطع الطريق على أي ترتيبات تفرض قيوداً تسلب المواطنين حقوقهم وتنتقص من الكرامة الوطنية.

غير أن اضطلاع المؤسسات الرسمية بهذا الدور التاريخي الممتد يتطلب دعماً وطنياً عارماً ومظلة دولية ناهضة، تُمكن الدولة من معالجة آثار التدمير الشامل، وإزالة المخاطر الهندسية والألغام، وإعادة بناء المرفق العام وفق أعلى معايير الشفافية والمسؤولية، ليكون المواطن الجنوبي آمناً في أرضه ورامزاً لثبات الدولة وسيادتها.

إن الخروج الناجز من دائرة الاستنزاف الميداني نحو استقرار راسخ ومستدام يتطلب إرساء خريطة طريق متكاملة ترتكز على تفعيل الدبلوماسية السيادية عبر تحشيد الجهود الدولية والعربية لإلزام العدو الإسرائيلي بوقف الخروقات الميدانية والتوقف الفوري عن التفجيرات الممنهجة للبنى التحتية، والتأكيد على الانسحاب الشامل والتام من الأراضي المحتلة دون اقتطاع أو فرض ترتيبات أمنية مجحفة تتجاوز القرار 1701.

كما يتطلب تمكين المؤسسات الشرعية بتوفير الدعم اللوجستي والهندسي والمادي الكامل للجيش اللبناني والقوات الأمنية الرسمية لتثبيت حضورها الدائم في جميع القطاعات، وتسهيل مهامها في تطهير القرى من الذخائر وإعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، وتجاوز القيود المفروضة على إعادة الإعمار بما يضمن عودة سريعة وآمنة للأهالي. وأخيراً تعزيز الحوار والتفاهم الوطني عبر تعميق التشاور بين كافّة المكونات اللبنانية لبناء موقف سياسي موحد يضع المصلحة الوطنية العليا فوق كافّة الاعتبارات، والعمل التكاملي المؤسساتي لتثبيت استقلال لبنان وصون أرضه وشعبه في وجه كافّة التحديات القادمة.

https://hura7.com/?p=82186

الأكثر قراءة