جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

شهدت أروقة وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن جولة من المباحثات العسكرية المباشرة بين الوفد اللبناني ووفد العدو الإسرائيلي، برعاية مباشرة من الإدارة الأميركية ورئاسة وكيل وزارة الدفاع للسياسات، في خطوة هدفت إلى صياغة مسار أمني يؤسس لمفاوضات سياسية لاحقة. وعكست المداولات، التي استمرت تسع ساعات متواصلة خلف أبواب مغلقة، هوة واسعة وتباينات حادة في الطروحات التقنية والخرائط المعروضة من الجانبين، دون التوصل إلى صيغة تفاهم نهائية مكتوبة، مما تسبب في ترحيل الملفات الخلافية إلى القنوات الدبلوماسية المرتقبة بين سفيري البلدين.
ترأس الوفد اللبناني مدير العمليات في الجيش اللبناني، بمشاركة ضباط من أهل الاختصاص العسكري والتقني، وبحضور افتتاحي للسفيرة اللبنانية في واشنطن. وفي المقابل، ترأس وفد العدو الإسرائيلي رئيس الشعبة الاستراتيجية في مديرية التخطيط التابعة لمديرية التخطيط في جيش العدو الإسرائيلي. وتركزت النقاشات حول محاور حساسة شملت الميدان والحدود والترتيبات الأمنية المستقبليّة؛ إذ طالب الجانب اللبناني بانسحاب فوري وشامل لقوات العدو الإسرائيلي من كافة النقاط التي تقدمت إليها جنوب نهر الليطاني، والتي تقدر مساحتها بنحو ستمئة كيلومتر مربع، متمسكاً بضرورة الالتزام الفعلي بوقف العمليات القتالية كأولوية تسبق الخوض في التفاصيل التقنية، ومستنكراً التصعيد الميداني المتزامن الذي استهدف مدينتي صور والنبطية. وفي المقابل، رفض وفد العدو الإسرائيلي تحديد أي جدول زمني للانسحاب، رابطاً تقدمه الميداني التدريجي بمدى تحقيق خطوات ملموسة في ملف نزع السلاح وتفكيك البنية التحتية العسكرية من مستودعات وأنفاق ومنصات لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، ليس فقط جنوب الليطاني بل امتداداً إلى شمال نهر الزهراني.
توسعت مطالب العدو الإسرائيلي المسربة لتشمل اشتراط تعديل تفويض القوة الدولية, سواء عبر توسيع مهام قوات “اليونيفيل” الحالية أو استبدالها بقوة متعددة الجنسيات تقودها دول غربية وعربية، تمنح صلاحيات تنفيذية ومستقلة تتيح لها مداهمة المواقع وتفتيش الملكيات الخاصة دون الاستناد إلى إذن مسبق من الجيش اللبناني، إلى جانب الضغط لإنشاء آلية تنسيق أمنية مباشرة ولجنة عسكرية دائمية تضم ضباطاً من الطرفين برعاية أميركية لمراقبة تطبيق الاتفاق. وجاء الرد العسكري اللبناني برفض أي صيغة للتنسيق المباشر، مع الإصرار على حصر القنوات غير المباشرة باللجنة العسكرية المشتركة المعتادة أو الوسيط الأميركي والقوات الدولية. ورغم إبداء الوفد اللبناني مرونة في تعزيز عديد القوة الدولية وتجهيزاتها لمساندة الجيش، فإنه رفض رفضاً قاطعاً منحها صلاحيات هجومية أو الحق في تنفيذ مداهمات مستقلة، مشدداً على أن أي تحرك ميداني يجب أن يمر حتماً عبر موافقة ومرافقة الجيش اللبناني منعاً لانتهاك السيادة، مع التأكيد على أن خطة حصر السلاح بيد الدولة هي شأن سيادي داخلي تتولاه الأجهزة الأمنية اللبنانية بقرارها المستقل.
ترابط مسار التفاوض السياسي مع التصعيد العسكري ميدانياً بشكل مباشر، حيث وسع جيش العدو الإسرائيلي عملياته البرية والجوية معلناً تحويل المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني إلى منطقة قتال نشطة، منفذاً أحزمة نارية مكثفة شملت النبطية وصور وحاروف ودير الزهراني وحبوش، بهدف فرض منطقة أمنية عازلة مفرغة من السكان بعمق يصل إلى أربعين كيلومتراً. وتدخل هذه العمليات في سياق محاولات الضغط الميداني لتعديل الشروط اللبنانية، وتزامنت مع إصدار إنذارات عاجلة تطالب بإخلاء عشرات البلدات والمدن الكبرى والتوجه شمال نهر الزهراني، مما تسبب في موجة نزوح جديدة وواسعة النطاق شملت مئات الآلاف من المواطنين، ليتجاوز إجمالي أعداد النازحين في البلاد عتبة المليون ومئتي ألف شخص، تدفق معظمهم عبر المحاور الساحلية والداخلية باتجاه مدينة صيدا وبيروت ومناطق جبل لبنان، الأمر الذي أدى إلى تخطي مراكز الإيواء والمنشآت العامة لقدرتها الاستيعابية القصوى وسط نقص حاد في المستلزمات المعيشية الأساسية للوافدين الذين يعيشون واقعاً صعباً جراء فقدان ممتلكاتهم ووظائفهم.
وفي مواجهة هذا الواقع الميداني الجديد والتوغل البري لجيش العدو الإسرائيلي، يرتكز موقف المقاومة على الفصل التام بين مسارات الضغط الميداني وبين التنازل السياسي؛ إذ تقرأ الأوساط الميدانية تصعيد العدو وتجاوزه للخطوط الحمراء السابقة عند مجاري الأنهار بأنه محاولة لتعويض العجز عن تحقيق حسم عسكري ناجز وتحويل الثقل الجغرافي إلى مكاسب تفاوضية. وبناءً على ذلك، تعتمد الاستراتيجية الدفاعية على الانتقال من الأنماط التقليدية المرتكزة على التحصينات الثابتة جنوب الليطاني إلى تكتيكات مرنة تعتمد على الكمائن المتقدمة واستهداف خطوط الإمداد اللوجستية لقوات العدو المتوغلة عبر محاور الجنوب، بالتوازي مع الحفاظ على وتيرة إطلاق القذائف الصاروخية والاعتراضات الدفاعية، تعبيراً عن رفض التسليم بالمعادلة الأمنية الفوقية التي تحاول تل أبيب فرضها في البنتاغون، والتمسك بقاعدة أن أي ترتيبات حدودية لن تبصر النور ما لم تقترن بانسحاب إسرائيلي كامل دون قيد أو شرط.
وفي موازاة الحراك الأمني في واشنطن، برز المسعى الفرنسي الدبلوماسي الذي دعا مجلس الأمن الدولي للانتقال الفوري إلى مناقشة الوضع في لبنان، في محاولة لإيجاد مظلة دولية متوازنة تكسر الأحادية الأميركية في إدارة الملف التفاوضي. ويهدف هذا التحرك الفرنسي إلى استباق فرض شروط أمنية قسرية تحت النار، عبر الدفع باتجاه استصدار قرار دولي جديد أو تفعيل الآليات القائمة على نحو يضمن الوقف الفوري للأعمال العدائية والانسحاب الإسرائيلي، مع بحث آليات دعم الجيش اللبناني وتمويل القوة الدولية دون المساس بالسيادة الوطنية. ومع ذلك، فإن مدى تأثير هذا المسعى يصطدم بواقع الانقسام داخل مجلس الأمن؛ إذ يرى مراقبون أن التحرك الفرنسي، رغم أهميته في تسليط الضوء على الأزمة الإنسانية وحماية استقرار المؤسسات اللبنانية، يبدو مقيداً بالهوامش التي تتيحها واشنطن، والتي تفضل إبقاء الأوراق الأساسية للمسوّدة الأمنية داخل أروقة البنتاغون، مما يجعل الدور الأوروبي رافداً سياسياً أو معبراً لتأمين التمويل اللوجستي للترتيبات اللاحقة، دون القدرة على إحداث خرق جوهري في جوهر السقوف التي يفرضها الميدان.
تسبب طول أمد هذه الأزمة الإنسانية والضغط الديمغرافي المباغت في نشوء تحديات بنيوية بالغة الحساسية تفرض على مواقع النزوح الجديد التعامل معها بآليات استثنائية؛ ففي مدينة صيدا، التي تمتاز بتنوع اجتماعي وتداخل مع المخيمات الفلسطينية، تدفقت الأعداد الهائلة مما دفع الهيئات الأهلية المحلية والبلدية إلى تفعيل لجان طوارئ مشتركة لاحتواء الأزمة المعيشية، وتوزيع الوافدين الجدد على منشآت مستحدثة لمنع تفاقم الهواجس الديمغرافية والتنظيمية وضبط حركة الأسواق والأسعار. وفي قضاء عاليه ومناطق الجبل ذات الخصوصية التاريخية، يسود قلق موازٍ يتعلق باحتمالات التغيير السكاني الطويل الأمد وغياب الأفق الزمني لإعادة الإعمار، وتتحرك المرجعيات والفعاليات هناك على قاعدة الموازنة بين الواجب الإنساني وبين التنسيق الحاسم لمنع أي مظاهر مسلحة داخل القرى لتفادي الاستهداف العسكري، مع التشديد على حصرية دور الأجهزة الأمنية والجيش اللبناني في حماية الأمن ورفض الأمن الذاتي. وتواجه مراكز ومواقع الاستقبال الجديدة معضلة تأمين الاستدامة؛ إذ تعتمد بالكامل على المطابخ المجتمعية والمبادرات الفردية التي بدأت تعاني من تراجع التبرعات، بالتزامن مع استنزاف القطاع الصحي في المستشفيات الحكومية والخاصة نتيجة النقص الحاد في أدوية الأمراض المزمنة وغسيل الكلى، مما يضع هذه المناطق أمام استحقاق إدارة أزمة طويلة الأمد بإمكانيات رسمية ومحلية متواضعة للغاية ومثقلة بتداعيات سنوات من الأزمات المتراكمة.
أفرز هذا الواقع الميداني والإنساني المعقد تداعيات نفسية واجتماعية عميقة داخل البيئات السكنية المتضررة والنازحة؛ إذ تسبب عجز الهيئات الإغاثية الرسمية والمحلية عن مواكبة حجم الكارثة الضخم في تقنين واضح للمساعدات وحصرها بالمراكز الرسمية، مما حرم آلاف العائلات التي استأجرت شققاً خاصة من الدعم المالي، في وقت عانت فيه قوافل النازحين من صعوبة العثور على ملاجئ بديلة في صيدا وبيروت، مما فاقم الإحساس بالانكشاف المعيشي والاجتماعي. ويترافق هذا الواقع الإنساني الصعب مع تراجع ملحوظ في نشاط الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية مقارنة بالحروب السابقة، نتيجة الخشية من القوانين والقيود الدولية الملاحقة لشبكات التمويل، أو التعرض للاستهداف العسكري المباشر، فضلاً عن الإنهاك الاقتصادي العام الذي يعاني منه لبنان منذ عام ألفين وتسعة عشر.
وانعكست هذه التطورات على المستوى السياسي والبرلماني من خلال تباين في القراءات والأولويات؛ إذ تركز بعض التوجهات النيابية والسياسية على تفعيل القنوات الرسمية والإغاثية والدفع باتجاه المسار الدبلوماسي للتخفيف من العبء الضاغط والوصول إلى حل ينهي الحرب، في حين تصر توجهات أخرى على ضرورة الحفاظ على سقوف تفاوضية مرتفعة، محذرة من الانزلاق نحو تقديم تنازلات أمنية تحت وطأة الضغط العسكري من قبل العدو الإسرائيلي، مع السعي لربط المواقف بالمواثيق الدولية والقوانين السيادية لتعزيز الموقف اللبناني. وتتزايد هذه الضغوط المتعددة الأبعاد مع توالي العقوبات المالية الدولية الرامية لتجفيف منابع التمويل، وتصاعد المؤشرات الاقتصادية الكارثية التي أعلنتها تقارير الأمم المتحدة حول قفزة معدلات الفقر لتصل إلى 94% في محافظة النبطية و87% في محافظة لبنان الجنوبي، إلى جانب الاستهداف المتكرر من قبل العدو الإسرائيلي لآليات وعناصر الجيش اللبناني، بهدف الضغط على المؤسسة العسكرية وتطويعها في سياق الترتيبات الأمنية المستقبليّة المطروحة على الطاولة.
■ تشير المعطيات الميدانية والسياسية الحالية إلى الاستنتاجات والتوقعات الآتية:
▪️︎ لن تفضي جولات التفاوض السياسي الحالية في واشنطن إلى إبرام اتفاقية أمنية شاملة وقريبة، بل ستتحول إلى مسار استنزاف طويل، حيث سيعمد العدو الإسرائيلي إلى استغلال التفوق الجوي والبري للاستمرار في عمليات القضم الجغرافي وتعميق أحزمة الأرض المحروقة شمال نهر الليطاني لتعزيز موقفه على طاولة المفاوضات.
▪️︎ سيبقى التحرك الفرنسي والمساعي الأوروبية في مجلس الأمن مقيدين بحدود التفاهمات الأميركية-الإسرائيلية، مما يعني أن الحراك الدبلوماسي في نيويورك سيتحول إلى مظلة إنسانية أو منصة لإحصاء الخسائر وتوفير الدعم اللوجستي المستقبلي، دون القدرة على فرض وقف فوري للنار خارج إطار الشروط الأمنية الجاري بحثها في واشنطن.
▪️︎ ستشهد مواقع النزوح المستحدثة في صيدا وبيروت والجبل ضغوطاً تشغيلية واجتماعية غير مسبوقة لتأمين الحد الأدنى من مقومات الاستقرار المعيشي والصحي، ومع تراجع الدعم الخارجي وتلاشي المخزون المحلي، ستتحول هذه المراكز إلى بؤر تعاني من أزمات اكتظاظ حادة قد تولد احتكاكات اجتماعية موضعية تؤثر على تماسك البيئات المستضيفة.
▪️︎ ستتجه المواجهة الميدانية في الجنوب نحو حرب استنزاف برية أكثر تعقيداً، حيث تصطدم محاولات العدو الإسرائيلي لتوسيع رقعة التوغل الميداني بتكتيكات دفاعية متحركة ومستندة إلى معرفة دقيقة بالجغرافيا، مما يجعل كلفة التثبيت العسكري الإسرائيلي مرتفعة ميدانياً ويحول دون تحقيق أهدافه الأمنية كاملة عبر القوة العسكرية وحدها.
▪️︎ سيبقى الجيش اللبناني في دائرة الاستهداف الميداني المباشر من قبل العدو الإسرائيلي والضغط الدبلوماسي المكثف، بهدف إلزامه بأدوار رقابية وتنفيذية صارمة على الحدود وفي العمق، مما يضع المؤسسة العسكرية أمام تحدي الحفاظ على تماسكها ودورها الوطني الجامع في مواجهة عقبات التكوين الوطني الحساس وصعوبة الاستجابة للشروط الخارجية المفروضة قسراً.


