جريدة الحرة ـ بيروت
DWـ في الذكرى السبعين لتأسيس الجيش الألماني، وجّه وزير الدفاع بوريس بيستوريوس انتقادات حادة لما وصفه بـ”الصورة السلبية غير المبررة” التي تُرسم للبوندسفير داخل ألمانيا، في وقت تخطط فيه الحكومة لاستثمارات ضخمة
قال وزير الدفاعبوريس بيستوريوس المنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، في مقابلة مع القناة الثانية الألمانية (ZDF) يوم الأربعاء (12 تشرين ثاني/ نوفمبر) إن الجيش الألماني يقوم بمهام دولية معقدة ويُظهر قدرات عالية على الانتشار السريع، مستشهداً بمشاركة القوات الألمانية في مكافحة الطائرات المسيرة في الدنمارك وبلجيكا
وأضاف: “ما ألاحظه دائماً، وأنا أسافر كثيراً، هو أنه لا يوجد بلد ينتقد جيشه الوطني بهذا الشكل كما يحدث في ألمانيا”، واصفاً ذلك بأنه “ظاهرة ألمانية خالصة”، مؤكداً أن الجيش “أفضل بكثير مما يُشاع عنه”، ورفض الوزير الإفصاح عن تفاصيل المفاوضات الجارية بشأن إصلاح الخدمة العسكرية الإلزامية، لكنه أعرب عن تفاؤله بالتوصل إلى “حل وسط جيد” خلال أيام.
وكانمشروع قانون الخدمة العسكرية الجديد قد أحيل إلى البرلمان منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي بصيغته التي أقرها مجلس الوزراء بعد جدل طويل داخل الائتلاف الحاكم بين التحالف المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي. ولا يزال المشروع محل خلاف بين الطرفين، ومن المنتظر أن يدخل القانون حيز التنفيذ في الأول من يناير/كانون الثاني المقبل.
إنفاق عسكري قياسي وخطط لتوسيع الجيش
وبالتوازي مع الجدل حول صورة الجيش، كشفت وثيقة من وزارة المالية الألمانية أن الحكومة تخطط لتخصيص نحو 19 مليار يورو لتزويد الجنود بملابس ومعدات شخصية جديدة حتى عام 2034، إلى جانب 7.5 مليار يورو لشراء مركبات مدرعة بعجلات حتى عام 2037، وتهدف الخطة إلى دعم هدف الحكومة المتمثل في رفع عدد أفراد الجيش إلى 460 ألف جندي بحلول منتصف الثلاثينيات، مقارنة بـ280 ألفاً حالياً، وتأتي هذه الاستثمارات ضمن استراتيجية المستشار فريدريش ميرتس لإعادة بناء الجيش الألماني “غير المجهّز بشكل كافٍ”، عبر استثناء الإنفاق الدفاعي من قيود الديون الدستورية
ميزانية دفاعية ضخمة وتحوّل استراتيجي
وفقاً لوثائق الميزانية التي اطّلعت عليها وكالة رويترز، سيبلغ إجمالي الإنفاق الدفاعي الألماني عام 2026 نحو 117.2 مليار يورو، بما في ذلك الصناديق الخاصة، ما يعادل 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة تتجاوز الحد الأدنى الذي يطالب به حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثّل تحوّلاً جذرياً في العقيدة الدفاعية الألمانية، بعد عقود من الحذر العسكري منذ الحرب العالمية الثانية، وتأتي استجابة لضغوط داخل الناتو لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية في مواجهة التحديات الروسية والإقليمية.
يعكس الجدل حول الجيش الألماني اليوم أكثر من مجرد نقاش إعلامي عابر، بل يكشف عن لحظة تحوّل عميقة في الفلسفة الأمنية للبلاد. فانتقادات وزير الدفاع لا تستهدف فقط الصورة النمطية السائدة عن البوندسفير، بل تلامس إشكالية أوسع تتعلق بالتناقض بين تطلّعات المؤسسة السياسية – الساعية لإعادة بناء قدرة عسكرية مؤثرة إقليمياً ودولياً – وبين مجتمع ما زال محكوماً بإرث تاريخي يقيّد تقبّل أي خطاب عسكري تصاعدي. هذه الفجوة تتضح أكثر مع تضخّم حجم الاستثمارات المعلنة، التي تنقل ألمانيا عملياً من منطق “الإنفاق الحذر” إلى منطق “التمكين العسكري”، وهو ما يُعدّ نقلة استراتيجية لا تقل أهمية عن التحوّل الذي عرفته البلاد عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن الجيش داخلياً لم يعد يرتبط بالقدرة العملياتية وحدها، بل بقدرة الدولة على إنتاج سردية جديدة حول الأمن والدفاع، لا تناقض الوجدان الجمعي الألماني، لكن تعيد تعريف دوره. فالتزام ألمانيا بأهداف الناتو وتوسيع قدراتها العددية والتجهيزية لا يواجه فقط تحديات لوجستية وتمويلية، بل يصطدم أيضاً بتوقعات مجتمع اعتاد النظر إلى القوة العسكرية بوصفها استثناءً لا قاعدة.


