الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الجيش والوطن: ميزان الردع والثوابت السيادية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

يمثل الجيش اللبناني في الوجدان الوطني والميزان السياسي أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية نظامية؛ إنه العمود الفقري الذي يستند إليه كيان الدولة في لحظات الانكشاف الوجودي. وفي ظل العواصف الجيوسياسية التي تضرب المنطقة، يبرز دور الجيش كحارس للسلم الأهلي وصمام أمان يمنع انزلاق البلاد نحو قعر الفوضى أو التفكك. إن القراءة العميقة لواقع هذه المؤسسة تتطلب نفاذًا إلى عقيدتها القتالية وتكوينها الوطني الذي يمثل مرآة حقيقية للتنوع اللبناني، مما يجعل من أي محاولة لزجها في صراعات داخلية أو أجندات خارجية مغامرة غير محسوبة العواقب تمس جوهر البقاء الوطني.

تستند قوة الجيش اللبناني في المقام الأول إلى عقيدتها القتالية التي ترى في الكيان الصهيوني العدو التاريخي، وفي حماية الحدود والسلم الداخلي المهمة التي لا يعلو عليها شأن. إن هذا الوضوح في العقيدة هو ما حفظ المؤسسة من التشرذم رغم كل محاولات الاستقطاب السياسي والطائفي. واليوم، وبينما تبرز الأصوات المطالبة بفرض ترتيبات أمنية دولية أو نزع سلاح المقاومة، تدرك القيادة العسكرية أن قوة الجيش تكمن في وحدته الوطنية. إن أي محاولة لمسايرة ضغوط سياسية، سواء كانت داخلية ناتجة عن تحميل المقاومة مسؤولية المواجهة التي فرضها العدو، أو خارجية تهدف لتنفيذ أجندات دولية، ستؤدي حتماً إلى تصدع المؤسسة. فالجيش يدرك أن الصدام مع أي مكون لبناني أصيل، ولا سيما المكون الذي قدم تضحيات هائلة في سبيل التحرير، هو وصفة سريعة للنزاع الداخلي. لذا، يظل الجيش متمسكاً بدوره كقوة جامعة، رافضاً الانتحار المؤسساتي لخدمة مصالح عابرة للحدود، مؤكداً أن مهمته هي حماية اللبنانيين جميعاً، وليس التحول إلى أداة لترجيح كفة طرف على آخر.

في العمق الاستراتيجي، يدرك العقلاء داخل المؤسسة العسكرية أن استقرار لبنان وحماية حدوده يستندان إلى معادلة تكامل الأدوار. ففي ظل الافتقار لمنظومات دفاعية نوعية تكسر التفوق الجوي للعدو نتيجة القيود الدولية، تشكل قوة الردع الميدانية سنداً حقيقياً يمنع استباحة الأرض. إن ما يثير الريبة هو السعي الحكومي لإبعاد الدولة عن تبعات المواجهة الدائرة، وتصويرها كأنها صراع بين طرف لبناني والعدو حصراً، مما منح المحتل ذريعة لتعزيز موقعه التفاوضي، عبر توجيه المفاوضات نحو وقف إطلاق النار المقيّد جغرافياً، في حين يستمر في سياسات التدمير والتوغل تحت شعارات دولية تصنف المقاومة خارج الأطر القانونية. إن الرهان على أن إضعاف المقاومة سيخلق دولة مكتملة السيادة هو رهان منافٍ للواقع، بل هو مدخل لتمكين العدو من فرض شروطه تحت طائلة التلويح بقرارات دولية قد تصل إلى وضع لبنان تحت الفصل السابع، وهو ما يعني في جوهره تجريد الوطن من عناصر قوته وإدخاله في أتون نزاع داخلي لا يبقي ولا يذر.

إن لبنان لا يمكن أن ينعم بالسلام وجنوبه ينزف تحت ضربات العدوان. ومن هنا، فإن الأولوية الوطنية يجب أن تنصبّ على الحوار الداخلي الشامل؛ فإذا كانت الحكومة قادرة على خوض مفاوضات شاقة مع عدو وجودي، فإن الحوار مع الشريك في الوطن، مهما كان معقداً، يظل الخيار الأكثر حكمة وسلامة. إن هذا المسار هو المنسجم تماماً مع عقيدة الجيش اللبناني، الذي يرى في السلم الأهلي مقدساً لا يقل أهمية عن حماية الحدود.

إن حماية الوطن في هذه المرحلة التاريخية تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز الحسابات الحزبية، وتتلخص في دعم المؤسسة العسكرية ككيان جامع ومستقل في قراره، وترسيخ معادلة القوة الوطنية القائمة على التكامل الميداني، والتمسك باللبنانية كمعيار وحيد للولاء. إن الجيش اللبناني، بوقوفه خلف شعبه وتمسكه بحقوقه، هو الذي يصنع الفارق بين دولة سيدة وأخرى تابعة. والنصر الحقيقي يتجلى في وحدة الموقف اللبناني الذي يرى في تضحيات الميدان أساساً لكل كرامة سياسية، مؤكداً أن سيادة لبنان وثرواته أمانة في عنق الجيش وكل لبناني أصيل، ولا يمكن أن تكون يوماً محلاً للمساومة.

https://hura7.com/?p=77617

الأكثر قراءة