الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران وحزب الله: الميدان، الحسم، وبدء الكلام عن الحوار

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. بشير عصمت مدونة الكاتب، د : عصمت بشير

لم تعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران وحزب الله قابلة للقراءة بوصفها مواجهة عسكرية منفصلة عن بقية عناصر المشهد الإقليمي والدولي. ما يجري بات إطاراً تفسيرياً جديداً للمنطقة كلها: موقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حدود القوة الإسرائيلية، قدرة إيران على الصمود والرد، مصير حزب الله داخل لبنان، شكل الدولة السورية الجديدة، توازنات العراق، أمن الخليج، النفط والممرات البحرية، والقدرة الدولية على منع تحول الحرب إلى أزمة عالمية مفتوحة.

وفي هذه المرحلة بالتحديد، برز عنصر جديد لا يجوز الاستهانة به: بدء الكلام عن الحوار. ليس لأن التسوية أصبحت ناضجة، بل لأن مستوى الكلفة اتسع إلى حد جعل فتح قنوات سياسية جزئية أو اختبارية جزءاً من إدارة الحرب نفسها. فالمعطيات المتداولة اليوم تشير إلى توقع محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في الأيام المقبلة، فيما جرت أيضاً محاولات إقليمية لفتح باب وقف نار أوسع بين واشنطن وطهران قبل أن تتعطل في هذه المرحلة. هذا التزامن بين اتساع النار وظهور الكلام عن الحوار ليس تناقضاً، بل علامة على أن الحسم السريع لم يعد مضموناً، وأن الأطراف بدأت تلامس حدود القوة وحدود الكلفة معاً.

المشهد العام يبيّن أن أياً من الأطراف الأساسية لا يملك طريقاً نظيفاً إلى نصر كامل. الولايات المتحدة تملك التفوق العسكري والتكنولوجي والقدرة على توسيع الضربات، لكنها لا تتحرك في فراغ سياسي داخلي، ولا تملك تفويضاً مفتوحاً لحرب طويلة غير محددة النهاية. إسرائيل قادرة على التوسيع الميداني والتصعيد، لكنها تواجه كلفة داخلية واقتصادية متراكمة تجعل الاستنزاف الطويل مسألة حساسة. إيران تستطيع رفع الكلفة الاستراتيجية على خصومها عبر النفط والموانئ والمضائق والصواريخ والوكلاء، لكنها لا تبدو في وضع يسمح لها بتحويل ذلك إلى نصر تقليدي حاسم. أما حزب الله، فيستطيع منع خصومه من الشعور بانتصار كامل، لكنه يدفع لبنان نحو لحظة انكشاف سيادي ودستوري غير مسبوقة. وبهذا المعنى، فإن الحرب الراهنة تبدو أقرب إلى حرب منع الهزيمة الكاملة منها إلى حرب تحقيق نصر نهائي.

العامل الأميركي الداخلي يدخل مباشرة في صلب التقدير، لا كعنصر جانبي. فبحسب استطلاع أجرته Reuters/Ipsos ونُشر في الأول من آذار/مارس 2026، فإن 27% فقط من الأميركيين يؤيدون الضربات على إيران، فيما تبلغ نسبة الرافضين 43%، وتظهر حساسية إضافية إذا ارتفعت أسعار الوقود أو سقط قتلى أميركيون. هذا الرقم وحده يوضح أن الإدارة الأميركية، رغم قدرتها على التصعيد، لا تعمل فوق قاعدة شعبية صلبة لحرب طويلة. وتتضاعف أهمية ذلك لأن الحرب تقع في لحظة سياسية متصلة بالانتخابات النصفية، حيث تصبح كلفة الوقود، والقلق من التضخم، والخشية من التورط المفتوح عناصر مؤثرة في القرار السياسي. لذلك، فإن أي امتداد زمني طويل للحرب من شأنه أن يزيد ثقل الاعتبارات الانتخابية والاقتصادية في واشنطن، وأن يرفع وزن التيار الداعي إلى ضبط المدى الزمني والعملياتي للحرب.

المعنى الأعمق لذلك أن الولايات المتحدة قادرة على الاستمرار في القصف والضغط والتخريب والردع، لكنها أقل استعداداً للدخول في نمط حرب طويلة بلا تعريف دقيق للنهاية. هنا يبرز شبح “فييتنام جديدة” لا بوصفه تشبيهاً حرفياً لحرب برية شاملة، بل بوصفه خوفاً أميركياً تقليدياً من حرب تتسع تدريجياً وتستهلك القرار السياسي والاقتصادي من دون مخرج واضح. المعطيات السياسية المتاحة حالياً تشير إلى أن الجدل داخل الإدارة نفسها لا يدور فقط حول شدة الضربات، بل حول سؤال أكثر عمقاً: ما الذي يُعد نجاحاً؟ هل يكفي إضعاف إيران؟ هل المطلوب دفعها إلى التفاوض؟ هل الهدف إسقاط النظام؟ أم إعادة رسم قواعد الردع فحسب؟ عدم وجود تعريف سياسي متماسك وموحّد للنهاية يجعل الحرب مفتوحة على التمدد أكثر مما يجعلها مفتوحة على الحسم.

في الجانب الإسرائيلي، تبدو القدرة على التوسيع أعلى، لكن القيود ليست غائبة. ما يميز إسرائيل في هذه الحرب هو استعداد أكبر لتحويل لبنان إلى الساحة الأكثر عرضة للتغيير الميداني المباشر، سواء عبر توغلات أعمق، أو توسيع المناطق العازلة، أو ضرب البنية العسكرية واللوجستية لحزب الله بعمق أكبر. غير أن هذا الميل التصعيدي يترافق مع كلفة اقتصادية مرتفعة. التقديرات الرسمية الإسرائيلية المتداولة في التقارير الدولية وضعت كلفة الحرب مع إيران عند نحو 3 مليارات دولار أسبوعياً. وهذا يعني أن المجتمع الإسرائيلي، مهما بلغت تعبئته وتحمله، لا يستطيع اعتبار الحرب الطويلة وضعاً عادياً من دون آثار تراكمية على الاقتصاد، والاحتياط، والتعليم، والاستثمار، والحياة اليومية. ومن ثم، فإن إسرائيل قادرة على التوسع الميداني، لكنها ليست بمنأى عن منطق الاستنزاف. هذا هو السبب في أن التمدد الإسرائيلي المحتمل يُفهم على أنه تمدد أمني وناري أكثر من كونه مشروع احتلال مستقر طويل الأمد.

ومن هذه الزاوية تحديداً، لا ينبغي الخلط بين القدرة على التدمير والقدرة على الحكم. فإسرائيل تستطيع أن تضرب، وأن تتوغل، وأن تفرض معادلات جديدة على الحدود اللبنانية أو في بعض البيئات السورية، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على تحويل هذا كله إلى سيطرة سياسية قابلة للحياة على مجتمعات معادية ومكلفة. لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل ستتمدد فحسب، بل كيف ستتمدد وإلى أي نوع من التمدد. الأكثر ترجيحاً هو توسيع الإملاء الأمني والقدرة على التدخل وفرض خطوط ردع جديدة، لا بناء خرائط سيادية ثابتة أو مشاريع حكم طويلة الأمد على أراضٍ جديدة. هذا يصدق على لبنان أولاً، ويصدق بدرجات مختلفة على سوريا والعراق، لكنه لا يحمل معنى عملياً في إيران نفسها.

إيران، في المقابل، لا تبدو قادرة على تحقيق نصر حاسم بالمعنى العسكري التقليدي، لكن قدرتها الكبرى تكمن في منع خصومها من ترجمة تفوقهم إلى استقرار سياسي. هذه هي النقطة التي يجب الانطلاق منها. فالمشكلة التي تواجه واشنطن وتل أبيب ليست فقط في كيفية توجيه الضربات، بل في كيفية تحويلها إلى نتيجة نهائية. وحتى الآن، لا توجد معطيات قوية تشير إلى قرب انهيار النظام الإيراني. العكس هو الأرجح: استمرار بنية الحكم، ولو تحت ضغط شديد، مع قدرة على إعادة إنتاج الصمود بوصفه سردية سياسية داخلية. وبهذا المعنى، فإن الرهان على إسقاط النظام بالقصف وحده يبدو ضعيف الأساس في اللحظة الراهنة.

في الوقت نفسه، لا تظهر في المعطيات الحديثة الموثقة مؤشرات على انتقال إيران فوراً إلى استخدام أسلحة غير تقليدية أو “محظورة” بمعنى مباشر. الخطر الإيراني الأرجح لا يكمن هنا، بل في سلاح الجغرافيا: المضائق، الموانئ، الصواريخ، المسيّرات، والطاقة. فالحرب أظهرت بوضوح أن طهران قادرة على جعل المنطقة كلها تدفع الثمن، لا لأنها تستطيع الانتصار على خصومها، بل لأنها تستطيع منعهم من إعلان نصر مريح. وهذا ما يفسر تصاعد الاهتمام العالمي بأثر الحرب على مضيق هرمز وعلى النفط، أكثر مما يفسر الانشغال بسيناريوهات قصوى أقل ترجيحاً في المدى المنظور.

جبهة الطاقة ليست ملفاً موازياً للحرب، بل واحدة من ساحاتها الأساسية. تعطيل هرمز أو اختناقه الجزئي لا ينعكس فقط على دول الخليج، بل على الأسواق العالمية كلها. فالممر يمر عبره نحو خمس النفط والغاز المسال العالميين، وأي اضطراب فيه يرفع كلفة النقل، والتأمين، والطيران، والغذاء، والصناعة، ويضغط على السياسات النقدية وأسعار الفائدة وتقديرات النمو. لذلك، فإن الحرب ضد إيران لم تعد شأناً عسكرياً إقليمياً ضيقاً، بل أصبحت أزمة دولية للطاقة والاقتصاد وسلاسل التوريد. وهذا ما يفسر لماذا يتسع الضغط، من خلف الستار أو أمامه، لفتح مسارات تهدئة أو على الأقل منع الانفجار الكامل. إن الاقتصاد العالمي نفسه صار طرفاً متضرراً وضاغطاً، ولو بصورة غير مباشرة، في اتجاه تقليص اتساع الحرب.

الخليج يقف في قلب هذا التحول. الخطر عليه لا يقتصر على الصواريخ أو المسيّرات، بل يطال معادلته الاقتصادية الأساسية: الثقة. فالموانئ، والمطارات، ومراكز الشحن، ومجمعات الطاقة والبتروكيماويات، ليست مجرد أصول مادية، بل ركائز نموذج اقتصادي يقوم على الاستقرار والانفتاح والتدفق الآمن. حين تدخل هذه الركائز في دائرة التهديد، تصبح الحرب مسألة وجود اقتصادي لا مجرد خطر أمني. البحرين تبدو أكثر حساسية بسبب تركيبتها السياسية والمجتمعية، والكويت والسعودية أكثر عرضة لقلق منشآت الطاقة والبنية الحيوية، والإمارات تقف في مواجهة خطر مباشر على نموذجها اللوجستي والتجاري. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن معطيات موثقة تسمح بالحديث عن انفجارات داخلية واسعة في البيئات الشيعية الخليجية، بل عن قلق استراتيجي واصطفاف أمني وسياسي متزايدين.

ومن هنا يتضح أن دول الخليج قد تنتهي إلى موقع مزدوج: تشدد أكبر تجاه إيران من جهة، وسعي أكبر إلى احتواء الحرب عبر الوساطات والدبلوماسية من جهة أخرى. فالحماية الأميركية لا تكفي وحدها حين يكون الرد المضاد قادراً على اختراق الموانئ والممرات وأسواق الطاقة. ولهذا لا تبدو المسألة الخليجية اليوم مسألة انحياز نظري فقط، بل مسألة إعادة حسابات حول معنى الأمن الإقليمي وحدود الاعتماد على القوة الأميركية في إدارة التهديدات.

في لبنان، تصل الحرب إلى أكثر صورها تعقيداً. فلبنان ليس ضحية للنار الخارجية فقط، بل ضحية لبنية داخلية قائمة على ازدواج السلطة والسلاح. الحكومة اللبنانية تتحرك من موقع دولة تريد أن تستعيد الحد الأدنى من احتكار القرار، لكن حزب الله يرفض أن يتحول إلى موضوع لنزع السلاح أو لتسوية داخلية تُفرض عليه تحت ضغط الحرب. وبين الطرفين، تتعامل إسرائيل مع لبنان على أنه دولة لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم. هذه البنية تجعل كل جولة عسكرية امتحاناً لفكرة الدولة نفسها، لا فقط لقدرتها على الصمود. فحين يكون قرار الحرب خارج الإطار السيادي الكامل، تصبح الدولة مطالبة بتحمل النتائج من دون أن تكون قد امتلكت القرار أصلاً. وهنا تكمن خطورة اللحظة اللبنانية.

في هذا السياق بالذات، يكتسب بدء الحديث عن محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل أهمية استثنائية. فالمسألة لا تتعلق فقط بوقف القتال، بل بدخول ملف سلاح حزب الله إلى قلب النقاش السياسي الإقليمي والدولي حول لبنان. وهذا تطور كبير، لأن الحرب لم تعد مجرد صدام حدودي أو ردع متبادل، بل بدأت تتحول إلى أداة ضغط لإعادة طرح السؤال المؤجل منذ سنوات: من يملك القرار السيادي، ومن يحدد الحرب والسلم، وما حدود وظيفة الدولة إذا بقي السلاح خارجها أو فوقها؟ ومع ذلك، فإن هذا المسار ليس ناضجاً ولا مضموناً، لأن الداخل اللبناني نفسه منقسم حوله انقساماً عميقاً. لذلك، فإن الحوار في الحالة اللبنانية لا يبدو طريقاً ممهداً لاستعادة الدولة، بل باباً مفتوحاً على صراع داخلي أكثر وضوحاً حول معنى الدولة ذاته.

في سوريا، لا يمكن فصل الحرب الإقليمية عن هشاشة الدولة الجديدة وهي تحاول إعادة تكوين مركزها. الجنوب الدرزي لا يزال حساساً، والساحل العلوي يعيش توتراً مكتوماً بعد مجازر العام السابق وما خلّفته من خوف وعدم ثقة، والشمال الشرقي الكردي دخل طور اندماج مع الدولة لكنه يظل طوراً هشاً لا يخلو من قابلية التراجع أو الانفجار إذا اختلت التفاهمات أو تبدلت موازين القوى الخارجية. هذا يعني أن سوريا ليست ساحة مستقرة قادرة على عزل نفسها عن الارتدادات، بل دولة في طور إعادة تشكيل سيادتها، وكل ضغط إضافي قد يعيد فتح الشروخ الطائفية والمناطقية والأمنية فيها. ومن هنا أيضاً يبرز خطر آخر: أن تؤدي الحرب الكبرى إلى تشتيت الأولويات بدرجة تسمح بإعادة تحريك بيئات متطرفة أو شبكات عنف كامنة، وعلى رأسها داعش، ولو على شكل جيوب أو هجمات متفرقة لا على شكل اجتياح شامل.

العراق لا يقل تعقيداً. فهو ليس تابعاً إيرانياً بسيطاً، ولا دولة مستقلة تماماً عن نفوذها. إنه ساحة مزدوجة: دولة رسمية تريد الاستمرار، وفصائل تريد الاحتفاظ بدورها ونفوذها، وبيت شيعي منقسم على نفسه، ومجتمع لا يحتمل حرباً جديدة. كثير من الفصائل العراقية لا يبدو متحمساً للغرق الكامل في الحرب، لكن هذا التردد لا يساوي استقراراً. بل قد يقود إلى نمط من الشلل، حيث لا أحد يريد الانفجار الكامل، ولا أحد قادر على ضبط المسار كلياً. وإذا طال أمد الحرب، فإن العراق مرشح أكثر لأن يتحول إلى دولة تتآكل قدرتها على إنتاج قرار موحد، لا إلى دولة تنهار دفعة واحدة. وهذا شكل خطير من الأزمات، لأنه يطيل عمرها بدل أن يحسمها.

أما تركيا، فتبدو أقرب إلى موقع الاحتواء والحذر. فهي لا تريد انفجاراً إقليمياً يهدد أمنها ويعيد خلط ملفها الكردي وحدودها السورية والعراقية، ولا تريد أيضاً تمدداً إسرائيلياً غير مضبوط أو انهياراً إيرانياً يفتح فراغات كبيرة. لذلك، يبقى سلوكها أقرب إلى إدارة المخاطر ومنع الأسوأ، لا إلى الانخراط الهجومي. أوروبا، من جهتها، تبدو شديدة القلق من الكلفة الاقتصادية والطاقة أكثر من قدرتها على فرض تسوية. وروسيا والصين ليستا في وارد الدخول العسكري لحماية إيران، لكنهما أيضاً لا تريان في إنهاك واشنطن وتوسيع تشتت أولويات الغرب أمراً سلبياً. وهذا بحد ذاته يكفي لإطالة أمد الأزمة، لأن كثيراً من الحروب لا تحتاج إلى من يربحها بقدر ما تحتاج إلى من يمنع حسمها.

وعليه، فإن السؤال: هل تتمدد إسرائيل، وهل يبقى لبنان وسوريا والعراق وإيران؟ يحتاج إلى جواب مركب. إسرائيل مرشحة للتمدد أمنياً ونارياً، نعم، خصوصاً في لبنان وربما عبر استمرار الضغط في سوريا والعراق. لكنها ليست مرشحة لابتلاع دول المنطقة أو لإقامة سيطرة مستقرة عليها. أما لبنان وسوريا والعراق وإيران، فالأرجح أنها تبقى جميعاً ككيانات، لكن بصورة مختلفة عمّا كانت عليه قبل الحرب. لبنان يبقى، لكن تحت ضغط متفاقم في مسألة السلاح والسيادة. سوريا تبقى، لكن في صورة دولة ما زالت تعيد تكوين مركزها. العراق يبقى، لكن مع قابلية أعلى للشلل وتعدد مراكز القرار. وإيران تبقى كذلك، لأن إسقاطها بالقصف وحده لا يبدو قريباً، لكن مع اقتصاد أكثر إنهاكاً وهامش مناورة إقليمي أكثر كلفة. هذه ليست نهايات للكيانات، بل إعادة تعريف لطريقة بقائها ووظائفها.

الترجيح النهائي
السيناريو الأرجح هو استنزاف ممتد يتخلله جس نبض سياسي متقطع. ليس هناك ما يكفي حتى الآن للقول إن تسوية شاملة أصبحت قريبة، لكن ليس هناك أيضاً ما يكفي للقول إن الحسم العسكري الكامل بات قابلاً للتحقق لأي طرف. الحرب تتوسع، لكنها في الوقت نفسه تُنتج قنوات كلام عن الحوار والوقف والترتيب، لا لأن الأطراف نضجت سياسياً، بل لأن الكلفة ارتفعت إلى مستوى يفرض اختبار المخارج الممكنة. هذا هو جوهر اللحظة الراهنة: النار لم تتراجع، لكن اللغة المحيطة بها لم تعد لغة صواريخ فقط. لقد دخلت إليها مفردات المحادثات، ونزع السلاح، والوساطة، والترتيب الأمني، وإعادة تعريف الدولة. وهذا بحد ذاته دليل على أن المنطقة لم تعد أمام سؤال من يضرب أكثر فقط، بل أمام سؤال من يستطيع أن يترجم الحرب إلى ترتيب قابل للحياة بعد أن تتوقف، أو حتى قبل أن تتوقف تماماً.

 

https://hura7.com/?p=76165

الأكثر قراءة