جريدة الحرة بيروت ـ برلين
بون ـ جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب مدونة الكاتب جاسم محمد
الحرب الهجينة .. كيف غيرت أوكرانيا شكل الحروب؟
غيّرت الحرب الروسية ـ الأوكرانية 2022 شكل الصراع والمواجهة العسكرية الحديثة، بعدما نقلت الحرب الهجينة من كونها أداة مرافقة للعمليات العسكرية إلى عنصر رئيسي في إدارة المعركة. فلم تعد المواجهة تقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ، بل أصبحت المسيّرات، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والهجمات السيبرانية، والتضليل المعلوماتي، واستهداف البنية التحتية، أدوات أساسية في إنهاك الخصم.
وأظهرت أوكرانيا بصورة خاصة كيف يمكن للمسيّرات منخفضة الكلفة أن تغير ميزان المعركة. فهذه الأنظمة تستطيع تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة وتحديد الأهداف والهجوم، بينما تسمح كلفتها المنخفضة باستخدام أعداد كبيرة منها. وقد وصفت قيادة الناتو المسيّرات بأنها غيّرت بصورة جوهرية طبيعة الحرب الحديثة وأصبحت عاملًا حاسمًا في ميدان المعركة.
ولا تكمن أهمية المسيّرات في قدرتها الهجومية فقط، بل في معادلة الكلفة التي فرضتها على الجيوش. فالدفاع باستخدام صاروخ متطور ومكلف ضد مسيّرة رخيصة ليس اقتصاديًا على المدى الطويل. ولهذا دعا الأمين العام للناتو مارك روته إلى تطوير وسائل اعتراض تكون كلفتها أقرب إلى كلفة المسيّرات نفسها. وفي يوليو 2026 أعلن الحلف تخصيص أكثر من 40 مليار دولار خلال خمس سنوات لقدرات مكافحة المسيّرات، مع هدف زيادة عدد مشغلي المسيّرات في القوات المسلحة للحلف خمس مرات بحلول نهاية 2027.
وتتجه أوروبا إلى إعادة صياغة استراتيجياتها الدفاعية على هذا الأساس. فقد حدد الاتحاد الأوروبي المسيّرات ومكافحتها، والذكاء الاصطناعي، والفضاء السيبراني، والحرب الإلكترونية ضمن أولويات سد فجوات القدرات العسكرية. وخصص صندوق الدفاع الأوروبي في 2026 نحو 1.07 مليار يورو لـ57 مشروعًا دفاعيًا، تشمل الذكاء الاصطناعي والدفاع السيبراني والمسيّرات وأنظمة مكافحة المسيّرات.
وتكشف ألمانيا عن هذا التحول بوضوح، فقد ارتفعت مخصصات الدفاع الألمانية في 2026 إلى نحو 82.7 مليار يورو، إضافة إلى 25.5 مليار يورو من الصندوق الخاص للجيش، بإجمالي يقارب 108 مليارات يورو. والأهم أن برلين لا تركز على الأسلحة التقليدية فقط؛ فقد أعلنت أن نحو 20 مليار يورو من الصندوق الخاص تذهب إلى الرقمنة، تشمل أنظمة نقل البيانات، والأقمار الصناعية، ومراكز الحوسبة، والاتصالات، وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
وبدأت القوات الألمانية بناء قدرات تدريبية خاصة بالمسيّرات، وتستخدم برمجيات جديدة لدمج المسيّرات التجارية في منظومة القيادة العسكرية. وتؤكد وزارة الدفاع الألمانية أن أكثر من 700 بلاغ عن تحليق مسيّرات محتملة فوق منشآت عسكرية سُجل منذ عام 2022، ما يعكس تحول التهديد من ساحات القتال إلى المجال الأمني الداخلي أيضًا.
لكن الحرب الهجينة لا تعني نهاية الحرب التقليدية، فالدبابات والمدفعية والطائرات والقوات البرية ما زالت ضرورية، كما أثبتت حرب أوكرانيا. الجديد هو أن هذه القدرات أصبحت تعمل داخل شبكة أوسع من الاستطلاع السيبراني والذكاء الاصطناعي والمسيّرات والحرب الإلكترونية.
المستقبل العسكري لا يتجه إذن إلى إلغاء الحرب التقليدية، بل إلى دمجها داخل حرب هجينة أكثر اتساعًا وأقل وضوحًا. وقد تصبح الخطورة الأكبر في قدرة دولة ما على استنزاف خصمها اقتصاديًا وأمنيًا وسيبرانيًا، وتعطيل بنيته التحتية ومؤسساته، من دون الانتقال مباشرة إلى حرب شاملة.
ولهذا فإن التحدي أمام أوروبا لم يعد فقط كم دبابة أو طائرة تستطيع شراءها، وإنما مدى قدرتها على بناء منظومة أمنية قادرة على اكتشاف التهديدات الهجينة والتعامل معها قبل أن تتحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. وتبدو أوكرانيا اليوم أكبر مختبر حي لهذه الحرب الجديدة.


