جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

منذ بداية الصراع المستمر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أُجبرت إيران على إعادة صياغة استراتيجياتها السياسية والعسكرية بشكل جذري. الحرب ضد إيران من قبل هاتين القوتين قد أبعدت عن إيران سيرة “الملالي” والنظام الديني و”ولاية الفقيه” التي كانت تمثل الإطار الأيديولوجي لحكم البلاد، إلى جانب المعتقدات الدينية المتعلقة بظهور “مساعد المهدي الإثني عشري” وفقًا للاعتقاد التوليتاري الإيراني. مع هذا التحول الكبير، أصبحت إيران اليوم دولة عسكرية، يحكمها الحرس الثوري بقيادة شخصيات مثل أحمد وحيدي وبعض القادة الثوريين المتهورين.
هذا التحول الذي بدأه الحرس الثوري، يهدف إلى تحويل إيران إلى دولة مليشياوية عسكرية، معزولة ومحاصرة من قبل القوى الكبرى في العالم. خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية المتزايدة والحصار الدولي الذي يشمل جميع الجوانب البحرية، البرية، الجوية، وكذلك العقوبات المالية الشديدة. تحولت إيران من دولة تحكمها أيديولوجيا دينية إلى دولة تديرها مليشيات مسلحة، ما يزيد من عزلتها ويؤثر سلبًا على قدرتها على استعادة علاقاتها الخارجية أو توسيع امتدادتها الإقليمية.
التحديات الداخلية والصراعات السياسية:
في ظل هذا الحصار والانهيار الاقتصادي الذي يعصف بإيران، بغض النظر عن احتمال التفاوض أو الاستسلام للضغوطات الأمريكية، يطرح السؤال الكبير: كيف سيقود الحرس الثوري إيران المدمرة ، و التي كانت دولة، واصبحت شبه دولة تقودها مليشيا عسكرية؟ التصعيد المتزايد في العلاقات بين القوى الكبرى والحرس الثوري سيؤدي إلى خلافات داخلية واسعة، وهو ما بدأ يظهر بوضوح في الأيام الأخيرة. الصراع بين الإصلاحيين والمتشددين حول مستقبل إيران أصبح على مرأى ومسمع من الجميع.
هذا الصراع يعكس الانقسام الكبير في المجتمع الإيراني. مع تزايد تصريحات شخصيات بارزة مثل رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني، والرئيس السابق حسن روحاني، وجواد ظريف، وزير الخارجية السابق، لم يعد من الممكن تجاهل هذه الأصوات التي تدعو إلى ضرورة التغيير في سياسات إيران. هؤلاء الشخصيات يمثّلون تيارًا معارضًا لهيمنة الحرس الثوري على الحكم، حيث يرون أن الوضع الحالي يقود بالبلاد إلى العيش في “العصر الحجري” ويمنعها من تحقيق أي تقدم سياسي أو اقتصادي.
الآفاق المستقبلية تحت سيطرة الحرس الثوري:
مع تصاعد الخلافات الداخلية بين الإصلاحيين والمتشددين في إيران، بدأ النقاش يتزايد حول ضرورة تغيير التوجهات السياسية في البلاد. السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: هل يمكن لإيران أن تحقق هذا التغيير في ظل سيطرة مليشيا الحرس الثوري على مقاليد الحكم؟ وهل ستتمكن هذه المليشيا من الحفاظ على سلطتها في ظل تزايد الخلافات الداخلية التي تهدد وحدة النظام الإيراني؟ وإذا استمر الحرس الثوري في حكم إيران، إلى أين ستأخذ هذه المليشيا البلاد؟ وما هي العواقب التي قد تنجم عن هذا الصراع الداخلي على مستقبل إيران؟
إيران، في تركيبتها المتنوعة، قد تجد نفسها أمام تحديات كبيرة، حيث ستدفع القوميات والعرقيات المختلفة في البلاد إلى النهوض والوقوف في وجه الحرس الثوري. خاصة في ظل السجالات السياسية التي ستتسارع بين السياسيين الإيرانيين الذين يدافعون عن مصالحهم الخاصة ومصالح قومياتهم. في هذا السياق، يبدو أن انفجارًا داخليًا قد يكون قريبًا، مما يهدد وحدة البلاد. كما أن الحصار الاقتصادي المتزايد والخلافات السياسية سيعجلان من تحرك الأطراف المختلفة، مما يدفعها للوقوف في مواجهة المركز الذي أصبح الحرس الثوري يهيمن عليه، والذي يقود البلاد نحو مغامرات غير محسوبة قد تكون عواقبها وخيمة جدًا.
في النهاية ، إن إيران في ظل الحصار الدولي والضغوط الاقتصادية تواجه تحديات هائلة، سواء على مستوى الداخل أو الخارج. إن تحولها من دولة ذات هوية دينية إلى دولة عسكرية محكومة من قبل الحرس الثوري، يعكس تحولات عميقة في طبيعة الحكم والسياسة الإيرانية. هذا التغيير، رغم أنه يعكس قدرة النظام على التكيف مع الضغوطات، إلا أنه يثير تساؤلات كبيرة حول مستقبل البلاد في ظل الانقسامات الداخلية المتزايدة. مع تنامي الخلافات بين الإصلاحيين والمتشددين، ومع التصريحات المعارضة داخل النظام الإيراني، أصبح من الواضح أن إيران تواجه مرحلة حساسة قد تحدد شكلها السياسي مستقبلاً، وستكون مدفوعةً بما إذا كانت ستتمكن من الانفتاح على الحلول السياسية أم ستستمر في الانغماس في نزاعاتها الداخلية والخارجية.


