جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا عسكريًا واسعًا على إيران، تحت مسمى تحييد البرنامج النووي الإيراني. لكن التحقيقات تكشف عن أسباب أعمق تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية وصراعات الطاقة، بما في ذلك التنافس مع الصين. المقال يعرض التحليل الاستراتيجي للأسباب الحقيقية وراء الحرب، ويركز على النفط والغاز الإيراني.
فشل الخيار الدبلوماسي
في الأشهر التي سبقت الحرب، جرت مفاوضات شاقة بين واشنطن وطهران في عمان وجنيف. كان الرئيس الأميركي ترامب في البداية يميل إلى إبرام اتفاق نووي جزئي، لكن إيران رفضت التنازل عن برنامجها النووي والصاروخي، مما أدى إلى فشل المفاوضات. من جانبها، ضغطت إسرائيل نحو خيار أكثر تشددًا، داعية إلى التحرك العسكري لإنهاء تهديد إيران.
التباين بين الأهداف الأميركية والإسرائيلية
رغم التنسيق الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، فإن أهداف الحرب تختلف بين الطرفين. واشنطن تسعى لتغيير سلوك النظام الإيراني دون الإطاحة به، بينما إسرائيل تأمل في تفكيك إيران وخلق كيانات مستقلة مثل الأكراد والبلوش والعرب. ورغم هذه الاختلافات، يبقى الهدف المشترك هو تحييد البرنامج النووي الإيراني وإيقاف إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
النفط والغاز: قلب الصراع
وراء الهدف النووي، تبرز الطاقة كمحور أساسي. السيطرة على النفط والغاز الإيراني وحرمان الصين منه يعد هدفًا استراتيجيًا كبيرًا للولايات المتحدة، حيث أن إيران تزود الصين بـ 13% من احتياجاتها النفطية. إضعاف إيران يعني تعطيل هذا المصدر المهم للطاقة، وهو ما سيؤثر على مصالح الصين الاقتصادية بشكل مباشر.
أهمية مضيق هرمز للطاقة
من ناحية أخرى، يعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم بالنسبة للطاقة. يمر عبره نحو 20% من إجمالي إمدادات النفط العالمية، ويعد المنفذ الرئيسي لصادرات النفط الخام من منطقة الخليج، بما في ذلك النفط الإيراني. في حال تعطيل الملاحة عبر هذا المضيق، فإن ذلك سيؤدي إلى تأثيرات كبيرة على الأسواق العالمية للطاقة، حيث سيجد العديد من الدول صعوبة في تأمين إمدادات النفط.
السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي يمنح الدول القوية القدرة على التأثير في سوق النفط العالمية، مما يساهم في تحديد أسعار النفط. لذلك، فإن أي تحرك لتقويض السيطرة الإيرانية على المضيق أو تعطيل وصول النفط عبره يهدف إلى التأثير على الاقتصاد العالمي، خاصة تلك الاقتصادات التي تعتمد على النفط الخليجي.
أهمية احتلال جزيرة خرج الإيرانية
إضافة إلى السيطرة على المضيق، يعد احتلال جزيرة خرج الإيرانية خطوة استراتيجية قد تجبر النظام الإيراني على القبول بشروط تنازلات كبيرة، مشابهة لتلك التي أُجبر فيها النظام الإيراني على قبول وقف إطلاق النار مع العراق في عام 1988 بعد حرب دامية، وهو ما وصفه الإمام الخميني حينها بـ “تجرع السم”.
جزيرة خرج تُعد من أهم المنشآت النفطية الإيرانية، حيث تتحكم في نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيراني. احتلال الجزيرة من قبل القوات الأميركية سيمنح واشنطن السيطرة على مصدر حيوي للنفط الإيراني، وهو أمر لا يمكن للنظام الإيراني التفريط فيه بسهولة. كما أن الجزيرة ستصبح بمثابة “درع” لحماية القوات الأميركية في حال تعرضها للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة من قبل إيران. بعد تدمير البحرية الإيرانية والقوات الجوية، أصبح الهجوم عليها من البحر أمرًا صعبًا، ما يجعل السيطرة على الجزيرة بمثابة ضمان استراتيجي للأمن الأميركي في المنطقة.
من الممكن أن تنفذ قوات المارينز الأميركية، القادمة من اليابان، العملية العسكرية للسيطرة على الجزيرة. وترامب قد يروج لهذه الخطوة باعتبارها استعادة لجزيرة كانت أميركا قد بنتها في الستينات، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تسترد أراضيها كما فعلت في فنزويلا وبنما.
الاعتبارات الانتخابية
توقيت الحرب ليس عشوائيًا؛ إذ يتزامن مع الانتخابات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة. في إسرائيل، يسعى نتنياهو إلى تعزيز مكانته السياسية عبر مواجهة إيران، بينما ترامب يحاول تعزيز مصداقيته في السياسة الخارجية استعدادًا للانتخابات الأميركية.
التداعيات وإعادة تشكيل المنطقة
الحرب لا تقتصر على ضرب البنية الإيرانية، بل تهدف إلى تغيير النظام الإقليمي. بعض التوقعات تشمل:
1-تدمير بنية إيران التحتية وإعادتها إلى الوراء لسنوات.
2-تعطيل مصالح الصين في المنطقة، مما قد يدفعها للبحث عن بدائل.
3-إعادة ترتيب التحالفات في الخليج العربي.
4-تصادم المشاريع الإسرائيلية والإيرانية في المنطقة.
إذن، الحرب ضد إيران ليست فقط عن برنامجها النووي، بل هي معركة استراتيجية للهيمنة على موارد الطاقة في المنطقة. السيطرة على النفط والغاز الإيراني وحرمان الصين منه هو هدف خفي في قلب الاستراتيجية الأميركية، والتي تهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتناسب مع مصالحها. إلى جانب ذلك، تبرز أهمية مضيق هرمز كمفتاح حيوي لأمن الطاقة العالمي، مما يجعل أي صراع في المنطقة ذا تداعيات اقتصادية وجيوسياسية عميقة. إضافة إلى ذلك، فإن احتلال جزيرة خرج سيعزز من هذه الهيمنة، ويشكل نقطة تحول في الصراع، قد تجبر النظام الإيراني على القبول بمواقف أميركية قاسية.


