الأكثر قراءة

الحروب الحديثة ـ عندما تعيد التكنولوجيا تشكيل ساحة المعركة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد

أصبحت الطائرات بدون طيار من أبرز أدوات الحرب الحديثة، نظرًا إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالأسلحة والمعدات العسكرية التقليدية. ويمكن لطائرة مسيّرة لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات من الدولارات أن تستهدف دبابة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، ما يعكس تحولًا واضحًا في معادلة التكلفة العسكرية.

وتستخدم أوكرانيا على نطاق واسع الطائرات الغير مأهولة، والتي يجري تجميع العديد منها محليًا باستخدام مكونات تجارية متاحة في الأسواق. وأسهمت هذه الطائرات في تعويض جزء من النقص في الذخيرة المدفعية، كما وفرت وسيلة منخفضة التكلفة للاستطلاع والهجوم واستهداف المعدات والقوات.

ورغم التطور الكبير في قدرات المسيّرات، فإنها لا تستطيع بمفردها حسم الحروب أو السيطرة على الأراضي. فلا تزال العمليات العسكرية تتطلب وجود قوات بشرية على الأرض للسيطرة على المواقع والحفاظ عليها، ما يعني أن التكنولوجيا لا تلغي الدور الأساسي للجنود في ساحة المعركة.

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحولات في المجال العسكري، إذ يمكنه تسريع ما يُعرف بـ”سلسلة القتل”، بدءًا من اكتشاف الهدف وتحديده، مرورًا باختيار وسيلة الهجوم، وصولًا إلى تقييم النتائج. وتشير التجارب أن بعض أنظمة الملاحة الذاتية يمكن أن تحقق مستويات مرتفعة من الدقة، تصل إلى نحو 80%، مقارنة بمستويات تتراوح بين 10 و20% عند الاعتماد على التحكم البشري في بعض الظروف.

إلا أن توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات متزايدة بشأن الأسلحة ذاتية التشغيل، ولا سيما الأنظمة القادرة على اكتشاف الأهداف واتخاذ قرارات بشأن مهاجمتها دون تدخل بشري مباشر. ويتركز الجدل حول ما إذا كان من المقبول أن تنتقل قرارات استخدام القوة المميتة من الإنسان إلى الآلة، وما يترتب على ذلك من تحديات قانونية وأخلاقية.

لم تعد الحرب الحديثة مقتصرة على ساحات القتال التقليدية، بل أصبحت الفضاءات الرقمية جزءًا أساسيًا من الصراع. وتشمل الحرب السيبرانية استهداف البنية التحتية الحيوية، وتعطيل الخدمات، ومحاولات التأثير في الرأي العام والسياسات، إلى جانب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات المضللة.

ويبرز كذلك استخدام تقنيات التزييف العميق “Deepfakes”، التي تسمح بإنتاج صور أو مقاطع صوتية ومرئية يصعب أحيانًا تمييزها عن المحتوى الحقيقي. ويمكن توظيف هذه التقنيات للتأثير في المجتمعات، أو تشويه سمعة شخصيات عامة، أو نشر روايات مضللة خلال الأزمات والصراعات. كما تغيرت طبيعة الجهات التي تنفذ الهجمات السيبرانية. فلم يعد المهاجمون مجرد أفراد يعملون بصورة منفردة، بل ظهرت بيئة أكثر احترافية تضم جهات ومرتزقة رقميين يمكن أن يعملوا لحساب دول أو أجهزة استخبارات أو جهات أخرى، ما يجعل تحديد المسؤولية عن بعض الهجمات أكثر تعقيدًا.

أصبح القطاع الخاص يؤدي دورًا متزايدًا في النزاعات العسكرية الحديثة، ولا سيما في مجالات الاتصالات والأقمار الصناعية والخدمات الرقمية. ويبرز نظام “ستارلينك” التابع لشركة SpaceX مثالًا على أهمية البنية التكنولوجية التجارية في دعم الاتصالات العسكرية في أوكرانيا.

وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أن الخدمات التي توفرها الشركات الخاصة يمكن أن تصبح جزءًا مهمًا من القدرات العسكرية للدول، خصوصًا عندما توفر الاتصالات والبيانات والخدمات التي يصعب الاستغناء عنها أثناء العمليات.

يثير هذا الاعتماد تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الحكومات والشركات التكنولوجية الخاصة. فامتلاك شركات خاصة لبنى تحتية ذات أهمية استراتيجية يمنح إداراتها نفوذًا يمكن أن تكون له انعكاسات على العمليات العسكرية والسياسات الأمنية. وتبرز هنا حالة شركة SpaceX باعتبارها مثالًا على الدور الذي يمكن أن يؤديه القطاع الخاص في النزاعات الحديثة، وعلى الأسئلة المتعلقة بحدود النفوذ الذي يمكن أن يمتلكه أفراد أو شركات تكنولوجية عندما تصبح خدماتهم جزءًا من البنية التحتية للعمليات العسكرية.

https://hura7.com/?p=85575

الأكثر قراءة