جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
خاص ـ كررت عشرات الدول في بيان مشترك دعواتها لفتح الممر المائي الحيوي، في الوقت الذي أبلغ فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مجلس الأمن بأن الخسائر الإنسانية تتزايد. وقال: “هذه الضغوط تتراكم لتؤدي إلى خزانات وقود فارغة، ورفوف فارغة، وأطباق فارغة”.
وفي مختلف أنحاء أوروبا، أعرب القادة كذلك عن إحباطهم. انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرز واشنطن لدخولها الحرب دون ما وصفه بالاستراتيجية. تابع ميرز: “المشكلة في مثل هذه الصراعات هي نفسها دائمًا: الأمر لا يتعلق فقط بالدخول، بل يجب عليك أيضًا الخروج”.
وفي باريس، انتقد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو جميع الأطراف، لكنه أكد أن الأزمة لم تبدأ إلا بعد أن ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران دون أهداف واضحة “بطريقة تنتهك القانون الدولي”. كما أدان بارو طهران لإغلاقها الممر. وقال: “المضائق هي شرايين العالم. إنها ليست ملكًا لأي فرد”.
الألغام البحرية تهدد الممرات الملاحية
تعود الألغام البحرية، التي غالبًا ما ينظر إليها على أنها من مخلفات الحروب الماضية، للظهور مجددًا كسلاحًا استراتيجيًا للحرب غير المتكافئة، مع عواقب طويلة الأمد تمتد إلى ما هو أبعد من خط المواجهة. كانت الألغام البحرية الإيرانية محور الاجتماعات الأخيرة بين المخططين العسكريين من أكثر من 30 دولة لا سيما دول أوروبا، والذين يناقشون مهمة محتملة لتأمين مضيق هرمز.
عززت طهران سيطرتها على الممر المائي الاستراتيجي، الذي يمثل خمس إنتاج النفط والغاز العالمي، بنشر الألغام البحرية. ورغم عدم وضوح الأرقام الدقيقة، يعتقد أن ترسانة إيران ضخمة. “تشير التقديرات إلى أن لديهم حوالي 6000 لغمًا بحريًا من أنواع مختلفة”، كما قالت كيلي غريكو، وهي زميلة بارزة في مركز ستيمسون للأبحاث. وتابعت “لقد كانوا يستعدون لعقود من الزمن لهذا السيناريو تحديدًا”.
معظمها ألغام تلامسية، تثبت عادة في قاع البحر في المياه الضيقة أو الضحلة، لكنها قادرة على الانفصال والتحول إلى ألغامًا عائمة تشكل خطرًا.
أما الألغام القاعية أو الأرضية فهي أكثر تطورًا، إذ تستقر على قاع البحر ويصعب اكتشافها لاندماجها مع البيئة المحيطة. وهناك ألغام التأثير الأكثر تعقيدًا، المصممة للكشف عن بصمات صوتية أو مغناطيسية أو ضغطية محددة، وغالبًا ما تبرمج لتجاهل سفن معينة قبل الانفجار.
ويعتقد كذلك أن إيران تمتلك ألغامًا صاروخية، تنطلق للأعلى عند تفجيرها، بالإضافة إلى ألغام لاصقة تثبت على السفن بواسطة غواصين. تشكل هذه الألغام مجتمعة تحديًا معقدًا للقوات البحرية.
ما أسباب حذر القوات البحرية الأوروبية من الانتشار؟
أكدت غريكو: “تاريخيًا، يبلغ معدل إزالة الألغام حوالي لغمًا واحدًا إلى لغمين في اليوم لكل كاسحة ألغام”. لذا، تعد هذه المهمات كثيفة الموارد وخطيرة للغاية إذا لم تتوقف الأعمال العدائية تمامًا.
وتتضمن عمليات إزالة الألغام التقليدية قيام السفن بسحب الكابلات لقطع مراسي الألغام الملامسة، مما يتطلب حركات بطيئة ومستقيمة، وهو “نمط يمكن التنبؤ به” يجعل هذه السفن “أهدافًا مثالية للخصم”، على حد قول غريكو.
تزداد الصعوبة مع الألغام المؤثرة، التي لا تتطلب مجرد الكشف عنها، بل فهم آليات تفجيرها. وتساعد هذه التحديات العملياتية في تفسير سبب حذر القوات البحرية الأوروبية من نشر مثل هذه القدرات في مناطق النزاع النشطة دون اتفاقيات سياسية واضحة.
الألغام مناسبة بشكل خاص للحرب غير المتكافئة
ووفقًا للبحرية الفرنسية، فإنه على الرغم من عدم وجود عودة لاستخدام الألغام البحرية حتى الآن، فمن المرجح أن يتم استخدامها من قبل عدد متزايد من القوات البحرية والجماعات المسلحة.
هذا بسبب “المناخ الدولي المتوتر بشكل متزايد”، كما صرحت البحرية الفرنسية، وكذلك لأن “الألغام البحرية هي سلاح مفضل في الصراع غير المتكافئ، وهي مناسبة تمامًا لمتطلبات الصراع بين الدول، لا سيما في طرق العبور ذات الأهمية الاستراتيجية”. علاوة على ذلك، فهي رخيصة الثمن، إذ تتراوح تكلفتها بين 1280 و8500 يورو، ويمكن زرعها باستخدام قوارب الصيد العادية.
ومع ذلك، فهي قادرة على تعطيل السفن الحربية أو قطع خطوط الملاحة الحيوية. ونظرًا لأن حوالي 90% من التجارة العالمية تنقل بحرًا، فإن مجرد الشك بوجود ألغام قد يكون له آثار اقتصادية ونفسية بالغة.
أدى التهديد بشن هجمات إيرانية على السفن التجارية والألغام في المضيق إلى ارتفاع أسعار الطاقة وأثار مخاوف من أزمة غلاء المعيشة في أوروبا. وقدر البنتاغون أنه قد يستغرق الأمر ستة أشهر بعد انتهاء الأعمال العدائية لتطهير مضيق هرمز، مما يعني أن أسعار الطاقة من المرجح أن تظل مرتفعة لفترة طويلة بعد انتهاء الصراع.
أدت الألغام البحرية في البحر الأسود إلى شل قدرة أوكرانيا على تصدير منتجاتها الزراعية. قبل الهجوم الروسي عام 2022، كانت أوكرانيا تصدر نحو 10% من القمح العالمي، و15% من الذرة والشعير، و50% من زيت عباد الشمس. وانخفضت صادرات الذرة والشعير عام 2025 إلى النصف تقريبًا مقارنة بعام 2021.
حرب أوكرانيا نموذج
تم العثور على حوالي 140 لغمًا وتفكيكها في البحر الأسود منذ عام 2022، وفقًا لخدمة كوبرنيكوس البحرية. رفضت القوات البحرية الأوكرانية الإفصاح عن تفاصيل كيفية تحييدها للألغام البحرية الروسية، معللة ذلك بأنها معلومات سرية “من شأنها أن تعطي العدو فهمًا لقدراتها” و”تكتيكاتها واستراتيجيتها”.
إلا أنها تستخدم أنظمة تحت الماء غير مأهولة، بما في ذلك أنظمة تبرع بها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالإضافة إلى طائرتها المسيرة “تولوكا” محلية الصنع. بدأت المزيد من الدول في النظر إلى الأنظمة غير المأهولة التي ستكون أسرع وأرخص في الإنتاج وستمنع تعرض الغواصين المتخصصين للخطر.
أعلنت البحرية الفرنسية: “إن مجالًا جديدًا تمامًا من القدرات ينشأ، وهو اختراق تكنولوجي وعقائدي مدفوع بالاستخدام الواسع النطاق للطائرات البحرية ذاتية التشغيل والذكاء الاصطناعي”.
وقال متحدث باسم البحرية الملكية البريطانية بالمثل إنهم “ينتقلون إلى بحرية هجينة، وهو ما يعكس التزامنا بالابتكار والتكيف استجابة لبيئة سريعة التغير، باستخدام التكنولوجيا للقيام بأدوار مثل البحث عن الألغام إلى جانب الأساليب التقليدية التي تعتمد على الطاقم”. لطالما كانت الدول الأوروبية رائدة في مجال إزالة الألغام. ووفقًا لتصنيف أجرته مؤسسة “غلوبال فاير باور”، فإن خمس دول أوروبية (بولندا، وفرنسا، وفنلندا، وبلغاريا، وألمانيا) تصنف ضمن أقوى عشر أساطيل حرب الألغام في العالم، وإن كانت تأتي خلف روسيا والصين.
واشنطن تحتاج إلى دعم أوروبي
تحتل الولايات المتحدة المرتبة 37 فقط، وهو أمر ليس مفاجئًا بالنسبة لغريكو، الذي وصف قدرات الولايات المتحدة في مكافحة الألغام بأنها “ضعيفة وغير مستثمر فيها بشكل كاف”. وقالت: “لم تستثمر الولايات المتحدة استثمارات كبيرة في هذا المجال، لا سيما منذ الحرب الباردة. أعتقد أن هذا الأمر بدأ يتغير الآن”.
ولهذا السبب ستحتاج الولايات المتحدة إلى دعم أوروبي للمساعدة في الجهود المبذولة في مضيق هرمز. أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن نحو اثنتي عشرة دولة أبدت استعدادها للمساهمة بمواردها في مهمة “دفاعية”، من بينها فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وألمانيا والمملكة المتحدة. ولا يزال من غير الواضح أي الدول الأخرى ستنضم وما هي القدرات التي ستنشرها.
تشير التطورات المرتبطة بالألغام البحرية إلى تحولًا متزايدًا في طبيعة الصراع البحري نحو أدوات منخفضة التكلفة وعالية التأثير الاستراتيجي. فمن المرجح أن يتوسع استخدام هذا النوع من السلاح في البيئات البحرية الحساسة خلال السنوات المقبلة، خصوصًا في الممرات ذات الأهمية الاقتصادية العالمية مثل مضيق هرمز والبحر الأسود.
يعكس هذا الاتجاه انتقالًا من الحروب التقليدية إلى أنماط حرب غير متكافئة تعتمد على تعطيل البنية التحتية للملاحة بدلًا من السيطرة المباشرة على الأرض. وتعد الألغام البحرية من أكثر الوسائل ملاءمة لهذا النمط، نظرًا لقدرتها على فرض تأثير ردع واسع دون الحاجة إلى انتشار عسكري كبير.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن يتزايد الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة في عمليات زرع الألغام وكشفها وإزالتها. ويأتي ذلك نتيجة الحاجة إلى تقليل الخسائر البشرية وخفض التكاليف التشغيلية. كما ستلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي دورًا متصاعدًا في تحسين دقة الكشف والتصنيف، ما قد يغير جذريًا من طبيعة عمليات مكافحة الألغام.
على المستوى الاستراتيجي، ستظل الممرات البحرية عرضة للاضطراب حتى في حال عدم الاستخدام الفعلي للألغام، إذ إن مجرد التهديد بوجودها كفيل بإحداث تأثير اقتصادي عالمي عبر رفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة. وهذا يجعل الألغام أداة تأثير نفسي واقتصادي بقدر ما هي أداة عسكرية.
من المرجح أن يدفع هذا التهديد الدول الكبرى إلى إعادة تقييم قدراتها في مجال الحرب البحرية، خصوصًا تلك المتعلقة بإزالة الألغام، بعد عقود من تراجع الاستثمار فيها. وقد يؤدي ذلك إلى سباق تكنولوجي جديد يركز على تطوير سفن وأنظمة أكثر سرعة ومرونة وأقل عرضة للخطر.
يبدو أن الألغام البحرية ستستمر في لعب دور محوري في إعادة تشكيل التوازنات البحرية، ليس فقط كسلاح ميداني، بل كأداة ضغط استراتيجية تؤثر في الاقتصاد العالمي واستقرار طرق التجارة الدولية.


