الأكثر قراءة

الحضور اللبناني في الإدارة الأميركية الجديدة وفرصة إعادة تثبيت الدولة اللبنانية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يشهد الحضور الأميركي من أصول لبنانية في دوائر صنع القرار والدبلوماسية الأميركية حضورًا لافتًا في المرحلة الحالية، ولا سيما في إدارة الرئيس دونالد ترامب. ويبرز في هذا السياق عدد من الشخصيات ذات الجذور اللبنانية التي تشغل مواقع مؤثرة في دوائر السياسة الخارجية الأميركية، بما يعكس حضورًا لبنانيًا بات قادرًا على إيصال وجهة نظر أكثر مباشرة حول لبنان وقضايا المنطقة إلى دوائر القرار في واشنطن.

ولا تقتصر أهمية هذا الحضور على المواقع الرسمية التي يشغلها بعض الأميركيين من أصول لبنانية، بل تتجاوزها إلى شبكة أوسع من الناشطين والسياسيين ورجال الأعمال والمنظمات اللبنانية ـ الأميركية التي تعمل على إبقاء لبنان حاضرًا في النقاش السياسي الأميركي.

أبرز الشخصيات اللبنانية في الإدارة الأميركية

ينشط العنصر اللبناني في الإدارة الأميركية، ولا سيما في البيئة السياسية للحزب الجمهوري، بدور مميز ولافت في إطار الدبلوماسية والسياسة الخارجية. وتضم إدارة الرئيس دونالد ترامب عددًا من الشخصيات ذات الأصول اللبنانية التي برزت في مواقع سياسية ودبلوماسية مؤثرة، وفي مقدمتها الدكتور وليد فارس، الذي يُعد من الشخصيات الناشطة في دوائر السياسة الأميركية والكونغرس، وتوم برّاك، الذي اضطلع بدور بارز في ملفات سوريا والعراق، ومسعد بولس، الذي يتولى أدوارًا في ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا، إضافة إلى السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، وتوم حرب، الناشط في دوائر السياسة الأميركية والشرق الأوسط.

وإلى جانب هذه الشخصيات، يبرز أيضًا وجود شخصيات من أصول لبنانية في الدائرة الأوسع المحيطة بالرئيس ترامب، بما في ذلك أفراد من عائلته، وهو ما يضيف بُعدًا لبنانيًا لافتًا إلى البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة بالإدارة الأميركية.

وتكتسب هذه الأسماء أهمية خاصة بالنظر إلى حضورها في دوائر القرار والنقاش السياسي الأميركي، وما يمكن أن تؤديه من دور في إبقاء الملف اللبناني حاضرًا أمام الإدارة الأميركية والبيت الأبيض، والدفع باتجاه مقاربة تقوم على دعم لبنان، وتثبيت الاستقرار فيه، وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وشرعيتها، وتجنب انزلاق البلاد مجددًا إلى ويلات الحروب والأزمات الإقليمية.

وتتقاطع هذه الطروحات مع الجهود التي يبذلها الناشطون والسياسيون الأميركيون من أصول لبنانية، ومع نشاط اللوبي اللبناني في الولايات المتحدة، الذي يعمل على إبقاء لبنان حاضرًا في دوائر القرار الأميركي، وإعطاء صورة أكثر توازنًا عن لبنان ومصالحه الوطنية، تختلف عن الصورة التي كانت تُنقل في مراحل سابقة إلى الإدارات الأميركية.

ففي مراحل تاريخية سابقة، جرى التعامل مع لبنان في كثير من الأحيان من خلال نفوذ القوى الإقليمية الفاعلة فيه، سواء عبر التسليم بالدور السوري في إدارة الشأن اللبناني خلال مرحلة الوصاية، أو لاحقًا من خلال التعامل مع النفوذ الإيراني وحلفائه باعتباره أحد العوامل الأساسية في إدارة الورقة اللبنانية، بما كان يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأجندات الإقليمية المرتبطة بإيران.

دور اللوبي اللبناني في أميركا

لا يمكن فصل الحضور اللبناني في المؤسسات الأميركية عن النشاط المتواصل للبنانيين الأميركيين والناشطين السياسيين والاقتصاديين في الولايات المتحدة، الذين يعملون على إبقاء لبنان حاضرًا في النقاش السياسي الأميركي، وعلى تقديم قراءة مختلفة للواقع اللبناني عن تلك التي سادت في مراحل سابقة. فلبنان، خلال عقود، كان يُقرأ في واشنطن في كثير من الأحيان من خلال الصراعات الإقليمية المحيطة به، ومن خلال أدوار القوى الخارجية المؤثرة في ساحته. وفي مراحل مختلفة، جرى التعامل معه ضمن معادلات النفوذ السوري أو الإيراني، أو باعتباره جزءًا من ملفات أوسع تتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي أو الأمن الإقليمي.

أما اليوم، فإن النشاط اللبناني ـ الأميركي يحاول الدفع باتجاه مقاربة مختلفة، تقوم على تقديم لبنان باعتباره دولة ذات سيادة ومؤسسات وشعب، وليس مجرد ساحة تتقاطع فيها مشاريع القوى الإقليمية. ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ”اللوبي اللبناني” في الولايات المتحدة، مع التأكيد على أنه ليس جهة سياسية واحدة متجانسة، بل شبكة متعددة الاتجاهات من الشخصيات والمنظمات والناشطين الأميركيين من أصل لبناني.

وتسعى هذه الشبكة، بدرجات مختلفة، إلى التأثير في النقاش الأميركي حول لبنان، والدفاع عن استقرار الدولة ومؤسساتها، ودعم الجيش اللبناني، وتشجيع الولايات المتحدة على تبني سياسة تحافظ على سيادة لبنان واستقلال قراره، وتساعده على تجاوز أزماته الاقتصادية والسياسية والأمنية. أما اليوم، فإن الحضور اللبناني المتزايد في واشنطن، إلى جانب نشاط اللوبي اللبناني والشخصيات السياسية والدبلوماسية من أصول لبنانية، يتيح فرصة لإعادة تقديم لبنان إلى دوائر القرار الأميركية من زاوية مختلفة؛ لبنان الدولة والمؤسسات والسيادة، وليس لبنان الساحة أو الورقة التي تستخدمها القوى الإقليمية في صراعاتها.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الحضور في هذه المرحلة، ليس فقط لجهة وجود شخصيات من أصول لبنانية في مواقع مؤثرة، وإنما لجهة قدرتها، بالتعاون مع المجتمع اللبناني ـ الأميركي، على إيصال صوت لبنان ومصالحه إلى واشنطن، والدفع باتجاه سياسة أميركية تساعد على حماية استقرار لبنان، ودعم شرعية الدولة ومؤسساتها، ومنع تحويل الأراضي اللبنانية مجددًا إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.

تبدّل المشهد الجيوسياسي الأميركي في المنطقة

تأتي هذه الدينامية اللبنانية في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية عميقة. فالمقاربة الأميركية تجاه الشرق الأوسط لم تعد تتحرك فقط ضمن معادلة إدارة الأزمات القائمة، وإنما تتداخل فيها مسألة إعادة رسم التوازنات الإقليمية، ومواجهة النفوذ الإيراني، وتعزيز دور الدول والمؤسسات الرسمية في مواجهة القوى المسلحة غير التابعة للدولة.وهذا التحول ينعكس بصورة مباشرة على لبنان.

فمع تراجع قدرة القوى الإقليمية على إدارة الملفات اللبنانية بالطريقة التي كانت سائدة في مراحل سابقة، بات السؤال المطروح في واشنطن أكثر ارتباطًا بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها: هل يستطيع لبنان استعادة مؤسساته وسيادته وقراره الوطني، أم يبقى ساحة مفتوحة أمام الصراعات الإقليمية؟ وفي هذا السياق، تكتسب مسألة حصرية السلاح بيد الدولة أهمية خاصة في الخطاب الأميركي تجاه لبنان، إلى جانب دعم الجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية، باعتبار أن استقرار لبنان يرتبط بقدرة الدولة على ممارسة سلطتها على كامل أراضيها.كما أن التحرك الأميركي تجاه لبنان لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع مع النفوذ الإيراني في المنطقة، وعن الجهود الرامية إلى الحد من قدرة القوى المرتبطة بإيران على استخدام الدول العربية كساحات للصراع الإقليمي.

التحول الأميركي تجاه لبنان

يمكن قراءة التحول في المقاربة الأميركية تجاه لبنان من خلال عاملين أساسيين.

العامل الأول هو محاولة الولايات المتحدة إعادة تثبيت حضورها في الشرق الأوسط وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية.

وفي هذا الإطار، يبدو لبنان جزءًا من مسار أوسع يقوم على تعزيز الدولة الوطنية في مواجهة القوى المسلحة التي تعمل خارج مؤسساتها، وعلى الحد من قدرة الأطراف الإقليمية على استخدام الأراضي اللبنانية في صراعاتها. وهذا لا يعني أن السياسة الأميركية تجاه لبنان أصبحت منفصلة عن المصالح الإسرائيلية أو عن الصراع الأميركي ـ الإيراني، بل يعني أن مستقبل الدولة اللبنانية أصبح أكثر ارتباطًا بهذه التحولات الكبرى.

أما العامل الثاني فهو الدور العربي المتزايد في دعم استقرار لبنان.

وتبرز هنا بصورة خاصة المملكة العربية السعودية، إلى جانب دول عربية أخرى، باعتبار أن استقرار لبنان ووحدته وسيادته يمثل مصلحة عربية تتجاوز حدود التنافس الداخلي اللبناني. وهنا يمكن أن يلتقي المساران الأميركي والعربي عند نقطة أساسية: دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، والحفاظ على استقرار لبنان، ومنع تحوله إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية.

فرصة اللبنانيين الأميركيين

في ظل هذه التحولات، يملك اللبنانيون الأميركيون فرصة سياسية مهمة لإعادة تقديم القضية اللبنانية أمام واشنطن بصورة مختلفة. فالهدف لا ينبغي أن يكون دفع الولايات المتحدة إلى تبني «سياسة لبنانية» منفصلة عن مصالحها، وإنما العمل على جعل لبنان حاضرًا بصورة أكثر دقة في الحسابات الأميركية، وإبراز حقيقة أن استقرار لبنان يخدم أيضًا المصالح الأميركية والعربية في المنطقة.

ومن هنا تأتي أهمية الشخصيات الأميركية من أصول لبنانية الموجودة في مواقع سياسية ودبلوماسية مؤثرة، إلى جانب الناشطين والقيادات اللبنانية ـ الأميركية. فدور هؤلاء يمكن أن يكون في نقل صورة أكثر واقعية عن لبنان، وشرح تعقيداته للمؤسسات الأميركية، والدفع باتجاه سياسات تساعد على تقوية مؤسسات الدولة، ودعم الجيش اللبناني، وحماية الاستقرار، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي.

كما أن بإمكان هذا الحضور أن يساهم في تصحيح الصورة النمطية التي اختزلت لبنان طويلًا في أزماته أو في ارتباطاته الإقليمية، وإعادة تقديمه باعتباره دولة عربية متوسطية لها مصالحها الوطنية الخاصة، وشعبًا منتشرًا في العالم وقادرًا على لعب دور اقتصادي وسياسي مهم.

لبنان بين السطوتين الإقليمية والدولية

يبقى التحدي الأساسي ألّا يتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة تتصارع عليها القوى الإقليمية والدولية. فلبنان لا يحتاج إلى استبدال نفوذ إقليمي بنفوذ إقليمي آخر، ولا إلى الانتقال من وصاية إلى وصاية، بل يحتاج إلى استعادة القدرة على إدارة شؤونه من خلال مؤسساته الدستورية. ومن هنا تأتي أهمية أن يتأسس أي دعم أميركي أو عربي للبنان على مجموعة من المبادئ الواضحة: سيادة لبنان، حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، دعم المؤسسات الشرعية، حماية الحدود، وتعزيز قدرة الدولة على توفير الأمن والاستقرار لجميع اللبنانيين. وهذا المسار لا يعني تجاهل التهديدات الإسرائيلية أو النفوذ الإيراني، بل يعني أن حماية لبنان من تأثيراتهما لا تكون إلا من خلال دولة لبنانية قوية قادرة على اتخاذ قراراتها والدفاع عن مصالحها.

فرصة تاريخية ولكنها ليست مضمونة

إن التقاطع بين الاهتمام الأميركي المتزايد بلبنان، والدعم العربي لاستقراره، والنشاط السياسي للبنانيين الأميركيين، يمكن أن يشكل فرصة مهمة لإعادة وضع لبنان على أجندة السياسة الدولية باعتباره دولة تستحق الدعم والاستقرار، وليس مجرد ساحة مفتوحة أمام التنافس الإقليمي. لكن هذه الفرصة ليست مضمونة، ولا تتحول تلقائيًا إلى سياسة ناجحة.

فالمطلوب هو تحويل الاهتمام الدولي إلى نتائج ملموسة: تثبيت الاستقرار، دعم مؤسسات الدولة والجيش اللبناني، حماية السيادة اللبنانية، معالجة الأزمة الاقتصادية، تشجيع الاستثمار وإعادة الإعمار، ودفع الأطراف الإقليمية والدولية إلى احترام لبنان كدولة ذات سيادة وقرار مستقل. وفي هذه اللحظة تحديدًا، يستطيع اللبنانيون في الولايات المتحدة أن يؤدوا دورًا يتجاوز حدود الضغط السياسي التقليدي، من خلال بناء جسر حقيقي بين لبنان ودوائر القرار الأميركية، وإعادة تعريف القضية اللبنانية على أساس الدولة والسيادة والاستقرار.

فإذا نجح هذا المسار، قد لا يكون الحضور اللبناني المتزايد في واشنطن مجرد حضور لأشخاص من أصول لبنانية في مواقع مؤثرة، بل يتحول إلى فرصة لإعادة إدخال لبنان نفسه إلى صلب المعادلة الدولية، باعتباره دولة ينبغي أن تستعيد قرارها ودورها ومكانتها، لا ساحة ينبغي أن يتنافس الآخرون على النفوذ فيها.

https://hura7.com/?p=84854

الأكثر قراءة