الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الحقد الإيراني على دول الخليج والشعب العربي…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

القضية التي تضعها إيران نصب أعينها، حسب التحليل المتاح، تبدو متمحورة حول إخراج القواعد الأمريكية والغربية من المنطقة، لكن واقع الضربات التي نفذتها إيران استهدف منشآت نفطية، ومطارات، وشوارع حيوية، وأماكن إقامة مدنية، ما يعكس أن الهدف الفعلي يتجاوز الجانب العسكري إلى محاولة إلحاق ضرر اقتصادي واسع بالدول الخليجية.

ويبدو أنّ هذا التصعيد يعكس حقدًا دفينًا من إيران تجاه الدول العربية، إذ تهدف إلى ضرب البنوك والأسواق المالية، وإضعاف حركة التجارة والاستثمار، والتأثير على الحركة العقارية، مما يؤدي إلى إبعاد رأس المال الأجنبي وتحقيق خسائر كبيرة للدول المستهدفة. في هذا السياق، يمكن القول إنّ هناك تواطؤًا استراتيجيًا ضمنياً بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في محاولة إدخال هذه الدول في صراعات استنزاف تؤدي إلى إضعافها لصالح الأطراف المتصارعة، لا سيما الإيراني والإسرائيلي.

أدوات إيران في المواجهة الإقليمية

تتمثل الوسائل الإيرانية في هذا الصراع بعدة محاور استراتيجية، وهي متنوعة وتشمل الأدوات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والإعلامية والسياسية. تهدف هذه الوسائل إلى التأثير على الاستقرار الداخلي لدول الخليج، وزعزعة الأمن الاقتصادي، وخلق حالة استنزاف طويل الأمد تؤثر على السياسات الإقليمية والدفاعية للدول المستهدفة. وفيما يلي أبرز هذه المحاور ، هي:

1-الهجمات الصاروخية والمسيرات: استهداف المنشآت الحيوية واستباحة السيادة الوطنية، بما يضرب الاقتصاد ويهز الاستقرار الداخلي.

2-الخلايا النائمة: توجيه أو تحفيز مجموعات داخلية لمحاولة القيام بأعمال إرهابية، كما كشفت دول الخليج عن عدد من هذه الخلايا في السنوات الماضية.

3-استهداف فردي لدول معينة: محاولة إضعاف كل دولة على حدة عبر ضرب الإمارات والبحرين والكويت والسعودية، وإلحاق خسائر مباشرة بها.

4-استخدام الجماعات المسلحة التابعة لإيران: مثل الحشد الشعبي في العراق، لإطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه السعودية وأربيل، مع احتمالية توسع التهديد لاحقًا ليشمل سوريا والأردن.

5-الضغط السياسي والإعلامي: استخدام الحملات الإعلامية والذرائع السياسية للتأثير على الرأي العام وإضعاف موقع دول الخليج على الصعيد الإقليمي والدولي.

في المجمل، توضح هذه الوقائع أنّ الأهداف الإيرانية ليست فقط سياسية أو عسكرية، بل اقتصادية واستراتيجية، وتستهدف زعزعة الاستقرار الخليجي بشكل شامل عبر أساليب متعددة ومتزامنة.

الامن الخليجي خط احمر

في المقابل، تؤكد إيران عادة أنّ تحركاتها تأتي في إطار الردع والدفاع عن مصالحها ومواجهة الوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، بينما ترى دول الخليج أنّ أمنها وسيادتها خط أحمر، وأن أي استهداف لأراضيها أو منشآتها يمثل اعتداءً مباشرًا عليها مهما كانت المبررات السياسية أو العسكرية المطروحة.

إنّ الرد الإيراني الذي يبرّر استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج العربي لم يكن مقنعًا للكثير من المتابعين، لأنّ هذه القواعد موجودة ضمن اتفاقيات رسمية بين الولايات المتحدة ودول خليجية ذات سيادة كاملة. فهذه الدول تُعدّ كيانات مستقلة تمتلك الحق الحصري في تحديد طبيعة تحالفاتها العسكرية والأمنية، ولا يمكن لأي دولة أخرى أن تفرض عليها قرارات تتعلق بسياستها الدفاعية أو بعلاقاتها الدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن مطالبة إيران لدول الخليج بإخراج القوات الأمريكية من أراضيها يُنظر إليه باعتباره تدخّلًا في الشؤون السيادية لهذه الدول، خصوصًا أن القانون الدولي يقوم على مبدأ احترام سيادة الدول وعدم فرض الإرادات السياسية أو العسكرية عليها بالقوة أو التهديد.

كما أنّ استهداف القواعد أو التهديد بضربها يضع دول الخليج في موقع المواجهة المباشرة رغم أنها تسعى، في كثير من الأحيان، إلى الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها الإقليمية والدولية. لذلك، فإنّ أي تصعيد عسكري ضد هذه الدول أو ضد المنشآت الموجودة على أراضيها قد يُفسَّر على أنه مساس مباشر بسيادتها وأمنها الوطني، وليس فقط ردًا على الوجود الأمريكي.

الردع الخليجي: استراتيجية مواجهة التهديدات الإيرانية

وهنا لا بد من التأكيد على ما يقوله الدبلوماسي والسياسي الإماراتي أنور قرقاش، والذي يرى أنّ السياسة الهجومية الإيرانية تجاه دول الخليج تهدف إلى تقويض قدراتها، وإلحاق خسائر اقتصادية وأمنية بها، وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية منشآته الحيوية واستقراره الداخلي. ولهذا السبب، باتت الحاجة ملحّة أمام دول الخليج لبناء استراتيجية دفاعية وأمنية موحدة، قادرة على مواجهة التحديات والضغوط والأطماع الإيرانية التي لا تتوقف، سواء عبر التهديدات العسكرية المباشرة أو من خلال أدوات النفوذ غير المباشر.

الاستهدافات الإيرانية للخليج العربي

تحاول إيران، بحسب هذا الطرح، ترسيخ فكرة أنّ الخليج أصبح منطقة قابلة للاختراق السياسي والعسكري، وأنه قد يتحول إلى ساحة نفوذ إيراني أوسع، خصوصًا إذا وصلت طهران إلى تفاهمات كبرى مع الولايات المتحدة حول ملفات المنطقة. وهذا ما يجعل الوضع مرشحًا للاستمرار على هذا النحو، طالما أنّ الدول العربية لم تنتقل بعد إلى مرحلة الردع الفعلي والمؤثر الذي يفرض معادلات جديدة في الإقليم.

ويستشهد البعض بتجارب إقليمية أظهرت ردودًا حازمة تجاه أي استهداف للأمن القومي، مثل ما قامت به باكستان بعد التوترات مع الحرس الثوري الإيراني على خلفية العمليات المرتبطة بالمسلحين البلوش، وكذلك الموقف التركي الحاسم تجاه أي تهديد صاروخي أو أمني يمس سيادتها. ويعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ إيران تستجيب أكثر لمنطق الردع وتوازن القوة، وأنّ سياسة رد الصاع بصاعين هي التي تمنع توسع التصعيد.

القرصنة الإيرانية وتبريراتها الواهية

كما يرى هؤلاء أنّ التبريرات الإيرانية المتعلقة باستهداف القواعد الأمريكية تبدو، من وجهة نظرهم، غير كافية، لأنّ الوجود العسكري الأمريكي لا يقتصر على الخليج فقط، بل يمتد إلى العديد من المناطق والدول المحيطة بإيران، ضمن ترتيبات وتحالفات عسكرية مختلفة في آسيا الوسطى والقوقاز ومناطق أخرى. ولذلك، فإن التركيز المستمر على دول الخليج يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الأهداف الحقيقية تتجاوز مسألة مواجهة الوجود الأمريكي إلى محاولة إعادة تشكيل موازين النفوذ والسيطرة في المنطقة.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو دول الخليج أمام تحدٍ استراتيجي كبير يتمثل في حماية أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي ومكانتها الدولية، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الدفاعية المشتركة ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.

جدول الاستهدافات الإيرانية للخليج العربي (2024–2026)

فيما يلي جدول تقريبي يستند إلى تقارير إعلامية وإحصاءات منشورة حول الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران أو الجماعات الحليفة لها باتجاه دول الخليج وإسرائيل بين 2024 و2026. الأرقام تختلف بين المصادر، وبعضها يشمل الهجمات المباشرة وغير المباشرة عبر الوكلاء الإقليميين.

إذا حاولنا تحليل المشهد بصورة أوسع، يمكن القول إنّ إيران تستهدف الدول الخليجية عبر أدواتها المباشرة وغير المباشرة، سواء من خلال أذرعها العسكرية أو عبر الجماعات الحليفة لها في المنطقة. وتشير المقاربة الأخيرة إلى أنّ عدد الصواريخ والمسيّرات التي أطلقتها إيران أو الجهات المرتبطة بها باتجاه إسرائيل ودول الخليج العربي تراوح، وفق تقديرات إعلامية متعددة، بين 4800 و5200 صاروخ ومسيّرة خلال الأعوام الأخيرة.

جدول الاستهدافات الإيرانية لدول الخليج العربي

وتوضح القراءة الرقمية لهذه الهجمات أنّ النسبة الأكبر من المقذوفات اتجهت نحو دول الخليج العربي، إذ تشير بعض التقديرات والتحليلات الإعلامية إلى أنّ ما يقارب 83% من هذه الهجمات استهدف دول الخليج، مقابل نحو 17% فقط باتجاه إسرائيل. وهذا الأمر يثير تساؤلات لدى كثير من المراقبين، خصوصًا أنّ إسرائيل تُعد الطرف الأكثر انخراطًا في المواجهة المباشرة مع إيران، سواء عبر العمليات الأمنية أو استهداف قيادات عسكرية وعلمية إيرانية بارزة.

وفي المقابل، تعرضت دول الخليج لسلسلة من الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية ومطارات وبنى تحتية اقتصادية ومواقع حيوية، الأمر الذي أدى إلى أضرار اقتصادية وأمنية كبيرة، وأثر على الاستثمارات وحركة التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي. ولهذا يرى البعض أنّ الهدف الإيراني لا يقتصر على الرد العسكري، بل يتعداه إلى ممارسة ضغوط استراتيجية على الكتلة الخليجية بسبب مكانتها السياسية والمالية والدبلوماسية المتنامية.

استراتيجية جرّ الخليج إلى الاستنزاف الإقليمي

كما يتهم مراقبون إيران باستخدام حشودها الولائية وأذرعها العسكرية في المنطقة لتنفيذ هذه السياسات، سواء عبر إطلاق الصواريخ والمسيّرات أو عبر الضغط الأمني والسياسي غير المباشر، بما يخلق حالة استنزاف طويلة الأمد لدول الخليج ويضع اقتصاداتها واستقرارها أمام تحديات مستمرة.

وفي المقابل، تؤكد إيران أنّ تحركاتها تأتي ضمن ما تسميه “محور الردع” ومواجهة الوجود الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، بينما ترى الدول الخليجية أنّ أمنها وسيادتها واستقرارها الاقتصادي تمثل خطوطًا حمراء لا يمكن القبول بتهديدها تحت أي مبرر سياسي أو عسكري.

في النهاية، تبدو الحاجة ملحّة أمام دول الخليج لاتخاذ قرار استراتيجي وحاسم بشأن كيفية التعامل مع إيران في المرحلة المقبلة، وعدم ترك مستقبل أمن المنطقة مرتبطًا فقط بنتائج المفاوضات الإيرانية–الأمريكية أو بالتفاهمات الدولية التي قد تُعقد بعيدًا عن العواصم الخليجية. فدول الخليج باتت طرفًا أساسيًا ومتأثرًا بشكل مباشر بأي تصعيد أو تفاهم إقليمي، وبالتالي لا يمكن أن تبقى خارج معادلة رسم شكل العلاقة القادمة مع طهران.

شروط التفاوض الإيراني–الخليجي المرتقب

ومن هنا، تبرز أهمية وجود مسار تفاوضي خليجي–إيراني موازٍ، يحدد طبيعة العلاقة المستقبلية وحدودها، ويضع أسسًا واضحة لاحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ووقف استهداف المنشآت الاقتصادية والمدنية وأمن الطاقة والملاحة. كما ينبغي أن يتناول هذا المسار ملفات الأمن الإقليمي، والصواريخ والمسيّرات، ودور الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة.

وقد يكون من الممكن الذهاب نحو صيغة شبيهة بـ”اتفاق بكين” الذي رعته الصين بين المملكة العربية السعودية وإيران، والذي شكّل محطة مهمة في إعادة فتح قنوات التواصل وخفض مستوى التوتر بين الطرفين. إلا أنّ أي اتفاق مستقبلي لن يكون كافيًا ما لم يقترن بضمانات عملية وآليات تنفيذ واضحة تمنع تكرار الهجمات والتصعيد، وتحفظ أمن واستقرار دول الخليج ومصالحها الاقتصادية والسياسية.

وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يبدو أن دول الخليج أمام خيارين: إما البقاء في دائرة الاستنزاف والتوترات المفتوحة، أو الانتقال إلى مرحلة بناء منظومة أمن إقليمي أكثر توازنًا، تقوم على الردع المشترك والحوار السياسي في آنٍ معًا، بما يضمن حماية السيادة الخليجية ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة صراع دائم بين القوى الدولية والإقليمية.

https://hura7.com/?p=79851

الأكثر قراءة