جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أعلن القضاء السوري، في 11 آب/أغسطس 2026، أحكامًا وقرارات مهمة بحق عدد من الشخصيات الرئيسية في النظام السابق، بعد تحقيقات استمرت أكثر من عام في واحدة من أبرز القضايا التي تتعلق بمسؤولي المرحلة السابقة. وجاء الحكم بحق بشار الأسد وعدد من المتهمين في سياق قضائي وسياسي شديد الحساسية، الأمر الذي يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز البعد القضائي المباشر إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي تدخلها سوريا وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
وبحسب التقارير المنشورة، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكمًا بالإعدام بحق بشار الأسد، إلى جانب اخوه ماهر الاسد وعاطف نجيب و عدد من المسؤولين السابقين، في حين لا يزال الملف القضائي يشمل متهمين آخرين وإجراءات مرتبطة بالقضية. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الحكم على الأسد بوصفه رسالة سياسية موجهة، بصورة غير مباشرة، إلى موسكو أيضًا، بالنظر إلى أن روسيا استضافت الأسد وعائلته بعد سقوط نظامه. ومن هنا تبرز العلاقة بين التطورات القضائية الجديدة وبين التحولات التي تشهدها العلاقات السورية–الروسية.
من العلاقة الاستراتيجية إلى إعادة تعريف الوجود الروسي
يأتي الحكم في توقيت يتزامن مع إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وموسكو، ولا سيما فيما يتعلق بالطبيعة المستقبلية للوجود الروسي في سوريا. فالاتجاه الجديد، وفق القراءة المطروحة، يقوم على تقليص بعض أوجه الاعتماد السوري على روسيا، بما في ذلك إعادة النظر في مصادر الطاقة والواردات النفطية، بالتوازي مع إعادة تعريف طبيعة الوجود العسكري الروسي في البلاد.
وتكتسب مسألة القواعد الروسية أهمية خاصة في هذا السياق. فبدل استمرارها بوصفها مناطق ذات وضع عسكري مستقل، تتجه الصيغة الجديدة إلى تحويل جزء من هذا الوجود إلى إطار تدريبي وعسكري مشترك، بما يضعه بصورة أكبر داخل منظومة الدولة السورية ويقلل من استقلاليته السابقة. وهذه الخطوة، إذا استمرت وتوسعت، قد تكون مقدمة لإعادة انتشار روسي تدريجي أو تقليص إضافي للوجود العسكري الروسي خلال المرحلة المقبلة، بدل أن يحدث الانسحاب بصورة مباشرة ومفاجئة.
الحكم على الأسد والرسالة إلى موسكو
من هذه الزاوية، لا يمكن فصل الحكم على الأسد عن السؤال المتعلق بمستقبل العلاقة السورية–الروسية. فروسيا لم تكن مجرد دولة حليفة للنظام السابق، بل كانت الطرف الدولي الذي وفر للأسد وعائلته ملاذًا بعد سقوط النظام. ولذلك فإن صدور حكم قضائي بالإعدام بحقه، حتى مع محدودية إمكانية تنفيذه في ظل وجوده خارج سوريا، يحمل في بعده السياسي رسالة واضحة بأن دمشق الجديدة لا تنظر إلى المرحلة السابقة باعتبارها امتدادًا سياسيًا يمكن التسوية معه، وإنما باعتبارها مرحلة تخضع للمساءلة القضائية.
وعليه، يمكن أن يُفهم الحكم، في أحد أبعاده السياسية، باعتباره نوعًا من الضغط على موسكو، أو على الأقل إعلانًا بأن حماية الأسد في روسيا لن تمنع الدولة السورية الجديدة من ملاحقته قضائيًا. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحكم صدر بناءً على تفاهم مباشر مع روسيا أو أنه جزء معلن من اتفاق سياسي معها؛ فهذا يبقى في إطار التحليل السياسي ما لم تظهر وثائق أو تصريحات رسمية تربط بين المسارين.
سوريا واتجاه جديد في مصادر الطاقة
ويترافق هذا التحول مع توجه دمشق، بحسب القراءة المطروحة، إلى خفض الاعتماد على الواردات النفطية الروسية واستبدال جزء منها بمصادر عربية. وإذا ثبت استمرار هذا الاتجاه، فإنه سيكون ذا دلالة تتجاوز الجانب الاقتصادي، لأن الطاقة لطالما كانت إحدى أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي بين الدول. وبالتالي، فإن تقليص الاعتماد على النفط الروسي، بالتزامن مع إعادة تنظيم القواعد العسكرية، يمكن أن يشكل جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد على موسكو من دون قطع العلاقات معها بصورة كاملة.
الوجود الأميركي والتوسع الإسرائيلي
وتزداد أهمية هذه التحولات في ظل استمرار الوجود الأميركي في أجزاء من سوريا، بالتزامن مع التطورات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري. ومن منظور هذه القراءة، فإن دمشق تتحرك داخل بيئة إقليمية جديدة تتعدد فيها مراكز النفوذ، ولا تعود فيها روسيا الطرف الخارجي الأكثر تأثيرًا في مستقبل سوريا كما كان الحال في السنوات السابقة.
وهنا يبرز خيار الانفتاح على الولايات المتحدة والدول العربية وتركيا بوصفه أحد المسارات التي يمكن أن تعتمدها القيادة السورية الجديدة لتحقيق توازن إقليمي مختلف. غير أن وصف هذا المسار بأنه انضمام نهائي إلى حلف أميركي–عربي تركي يبقى استنتاجًا سياسيًا يحتاج إلى أدلة إضافية، وليس حقيقة معلنة حتى الآن.
تركيا والسعودية وباكستان
وفي الإطار الإقليمي الأوسع، تظهر تركيا والسعودية وباكستان بوصفها ثلاث دول تعمل على تطوير آليات جديدة للتعاون الدفاعي والأمني. وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد تحدث في كانون الثاني 2026 عن محادثات بشأن اتفاق دفاعي محتمل مع السعودية وباكستان، مع التأكيد في ذلك الوقت على أن الاتفاق لم يكن قد وُقّع بعد.
كما استمرت الاجتماعات بين تركيا والسعودية وباكستان ومصر خلال عام 2026، بما يؤكد وجود مسار متنامٍ للتنسيق الإقليمي، وإن كان من المهم عدم الخلط بين هذا التنسيق وبين قيام تحالف عسكري موحد يضم سوريا بصورة تلقائية. ومن هنا يمكن فهم الحديث عن احتمال انضمام سوريا مستقبلًا إلى ترتيبات إقليمية أوسع باعتباره سيناريو سياسيًا محتملًا، وليس نتيجة محسومة.
مصر وقراءة التحولات الجديدة
وفي هذا المشهد، تبدو مصر معنية بصورة خاصة بمنع تحول إعادة ترتيب العلاقات السورية–الروسية إلى مواجهة مفتوحة بين دمشق وموسكو. فالقاهرة، بحكم علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، تستطيع أن تؤدي دورًا في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، خصوصًا إذا اتجهت سوريا إلى تقليص علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع روسيا تدريجيًا. ومن هنا، فإن خفض النفوذ الروسي لا يعني بالضرورة قطع العلاقات الروسية–السورية، بل قد يعني الانتقال من علاقة تقوم على الاعتماد الاستراتيجي إلى علاقة أكثر اعتيادية، تحكمها المصالح المتبادلة والحدود التي تضعها الدولة السورية الجديدة.
حكم سياسي أم حكم قضائي قابل للتنفيذ؟
وتبقى مسألة تنفيذ الحكم بحق بشار الأسد هي النقطة الأكثر تعقيدًا. فالحكم القضائي يمكن أن تكون له قيمة قانونية ورمزية وسياسية، لكن وجود الأسد خارج الأراضي السورية يجعل تنفيذه عمليًا مرتبطًا بتطورات سياسية وقانونية ودبلوماسية أخرى. ولهذا، فإن القيمة الفورية للحكم قد تكون أكبر على المستوى السياسي والإعلامي من المستوى التنفيذي، خصوصًا في ظل استمرار موسكو في استضافة الأسد. وبذلك يصبح الحكم جزءًا من عملية أوسع لإعادة تعريف الدولة السورية الجديدة لعلاقتها بالماضي، ولتحديد موقعها في شبكة العلاقات الدولية التي تحيط بها.
نحو سوريا جديدة؟
في المحصلة، يمكن النظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها حلقات متصلة في عملية إعادة تشكيل موقع سوريا الإقليمي. فمن جهة، هناك إعادة تعريف للعلاقة مع روسيا، تبدأ من تقليص بعض أشكال الاعتماد الاقتصادي والعسكري، وتمتد إلى إعادة تنظيم القواعد الروسية وتحويل طبيعة استخدامها. ومن جهة ثانية، هناك انفتاح متزايد على المحيط العربي وتركيا، بالتزامن مع استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة وتغير البيئة الأمنية في الجنوب السوري.
أما الحكم على بشار الأسد، فيحمل بعدًا إضافيًا، لأنه يعلن أن دمشق الجديدة تريد الفصل بين الدولة الحالية وبين النظام السابق، حتى لو كان الشخص المحكوم موجودًا خارج الأراضي السورية وتحت حماية دولة كانت الحليف الأبرز لذلك النظام. لكن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه الإجراءات تمثل فعلًا بداية انسحاب روسي تدريجي وإعادة تموضع كاملة لسوريا داخل منظومة إقليمية جديدة، أم أنها مجرد إعادة توازن للعلاقات بحيث تحتفظ دمشق بعلاقات مع موسكو، بالتوازي مع توسيع علاقاتها مع واشنطن وأنقرة والعواصم العربية.
وفي كل الأحوال، يبدو أن سوريا تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة لا يُقاس فيها نفوذ الدولة بعدد القواعد الأجنبية الموجودة على أراضيها، بل بقدرتها على تحديد شروط وجود هذه القوى وحدود نفوذها، واختيار تحالفاتها وفق مصالحها الجديدة.


