جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تتزايد في العواصم الأوروبية التحركات لإعادة النظر في الاعتماد على التكنولوجيا الدفاعية الأميركية لا سيما شركة بالانتير، وسط جدل واسع حول دورها في مجالات الدفاع والبيانات والذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا النقاش في ظل مخاوف تتعلق بالسيادة الرقمية، والخصوصية، والتبعية التكنولوجية، بالتوازي مع توسع استخدام الشركة في قطاعات حكومية حساسة.
الحكومات الأوروبية تتجه إلى تقليل اعتمادها على شركة بالانتير
تتجه الحكومات الأوروبية إلى تقليل اعتمادها على شركة بالانتير، وهي شركة تحليلات بيانات مقرها الولايات المتحدة، والتي تعمل منصاتها كعمود فقري للبيانات والذكاء الاصطناعي للجيوش في جميع أنحاء العالم.
يقول ديرك بوسويك، وزير الدولة الهولندي للدفاع، في مجلس النواب خلال يونيو من العام 2026 إنه يجب توفير “بديل كامل” لشركة بالانتير في غضون عامين. تابع بوسويك إن هولندا تستخدم شركة بالانتير منذ عام 2010 على نطاق “محدود للغاية، ومجزأ، وصغير”. ومع ذلك، أكد أن الحكومة الهولندية تعمل على “سياسة ذات مسارين لتقليل الاعتماد” على الشركة حتى تتمكن من العمل بشكل مستقل “في أقرب وقت ممكن”.
تشير الوثائق المقدمة إلى البرلمان الهولندي إلى أنهم يبحثون عن بديل أوروبي، يُعد الهولنديون أحدث الدول الأوروبية التي ترغب في الابتعاد عن استخدام تقنيات شركة بالانتير في عقودها. ذكر تقرير حديث صادر عن البرلمان البريطاني أن برامج الشركة تُشكّل “نقطة ضعف غير مقبولة” لحكومتهم الوطنية. وقد رفضت سويسرا عروض شركة بالانتير 9 مرات على الأقل بسبب مخاوف أمنية، كما تسعى الدنمارك كذلك إلى إيجاد بدائل محلية لبرمجيات بالانتير.
لماذا تُعتبر شركة بالانتير مثيرة للجدل؟
أكدت شركة بالانتير إنها تعمل مع كميات كبيرة من البيانات لإنشاء “أفضل تجربة مستخدم في العالم للعمل مع البيانات، وهي تجربة تمكن الناس من طرح أسئلة معقدة والإجابة عليها”. يوصف أحد منتجاتها، وهو برنامج Gotham لاتخاذ القرارات لأنظمة الأسلحة، بأنه يدعم الجنود بـ “سلسلة قتل مدعومة بالذكاء الاصطناعي” لتحديد الأهداف. لقد كانت الشركة نفسها ورؤساؤها، المؤسس المشارك ورئيس مجلس الإدارة بيتر ثيل والرئيس التنفيذي أليكس كارب، في قلب الجدل على جانبي المحيط الأطلسي لبعض الوقت.
مخاطر تتعلق بالخصوصية والشفافية
يقول كارب في مكالمة مع المستثمرين إنه يعتقد أن البرنامج الذي طورته شركة بالانتير مصمم ليستخدم كسلاح فتاك، فشركة بالانتير موجودة هنا لإحداث اضطراب وعندما يكون ذلك ضروريًا، لإخافة أعدائنا، وفي بعض الأحيان، قتلهم”. وبحسب ما ورد قال كارب للمستثمرين في مكالمة أخرى إن جعل جرائم الحرب دستورية سيكون أمرًا جيدًا للأعمال بعد أن ضربت الولايات المتحدة سفنًا في منطقة البحر الكاريبي.
يؤكد منتقدو شركة بالانتير، مثل منظمة العفو الدولية، بأن تعامل الشركة مع هذه الكميات الكبيرة من البيانات يخلق مخاطر تتعلق بالخصوصية والشفافية وإعادة بيع البيانات الصحية في الصفقة المبرمة مع حكومة المملكة المتحدة لمنصة الرعاية الصحية الخاصة بها، وهي خدمة الصحة الوطنية (NHS).
مخاوف من جمع معلومات سرية
أكدت منظمة العفو الدولية أن منح شركة “بالانتير” إمكانية الوصول غير المسبوقة إلى سجلات البيانات الصحية العامة خلال فترة الوباء من خلال عقود التكنولوجيا الكبيرة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية يمثل مشكلة. وبحسب ما ورد، فقد استخدم البنتاغون الأمريكي تقنية بالانتير لجمع معلومات سرية واستخدامها في تحديد الأهداف في الضربات الصاروخية الأخيرة ضد أهداف إيرانية.
وقعت الشركة صفقة مع جيش الدفاع الإسرائيلي في عام 2024 لتنفيذ “مهام متعلقة بالحرب” لدعم عملياتها العسكرية في غزة، وتستخدم برامجها لتحديد مواقع عائلات المهاجرين في الولايات المتحدة لصالح عمليات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية.
ما هي الحكومات الأوروبية التي أبرمت صفقات مع شركة بالانتير؟
تستخدم العديد من الحكومات الأوروبية حاليًا تقنيات بالانتير في أجزاء من قطاعها العام، لا سيما في الدفاع والشرطة والاستخبارات، لكن نطاق التبني يختلف اختلافًا كبيرًا حسب البلد. وقعت المملكة المتحدة عقدًا مع شركة بالانتير كمورد رئيسي لهيئة الخدمات الصحية الوطنية، على الرغم من أن تقريرًا حديثًا للجنة إلى البرلمان يطالب بإنهاء هذه العلاقة في عام 2027 عندما ينتهي العقد والبحث عن مورد محلي بدلًا من ذلك.
وقعت شركة بالانتير عقدًا لمدة ثلاث سنوات بقيمة 240 مليون جنيه إسترليني (276 مليون يورو) مع وزارة الدفاع البريطانية لتوفير “صنع القرار الاستراتيجي والتكتيكي والعملياتي المباشر عبر التصنيفات في جميع أنحاء الدفاع وقابلية التشغيل البيني مع أنظمة بالانتير التابعة لحلف الناتو والدول الحليفة الأخرى”.
على مستوى الولايات، قال الجيش الألماني إنه لن يتعاقد مع أي شركات أمريكية، بما في ذلك شركة بالانتير، لتنفيذ عقوده، وفقًا لرويترز.
صرح توماس داوم، رئيس الدفاع السيبراني الألماني، في يونيو من العام 2026 “على الرغم من اهتمامنا الكبير بوظائف قاعدة البيانات الخاصة بنا، إلا أنه من غير المتصور في الوقت الحالي منح موظفي الصناعة إمكانية الوصول إلى قاعدة البيانات الوطنية”. وبدلًا من ذلك، تقوم الحكومة باختيار بدائل أوروبية، بما في ذلك شركة ChapsVision الفرنسية، لتلبية احتياجاتها من البرامج.
وقّعت الدنمارك سابقًا اتفاقية لمدة سبع سنوات مع شركة بالانتير لتزويدها بمنصات المراقبة وتحليل البيانات، وهما مافن سمارت سيستم و فاوندري. إلا أنها أعلنت مؤخرًا أنها ستسعى إلى إيجاد حلول محلية بديلة لبرمجيات بالانتير. بعد أن وقّعت الحكومة الإسبانية عقدًا بقيمة 16.5 مليون يورو مع شركة بالانتير عام 2023، باتت أكثر من 40 شركة تستخدم برامج الشركة، وفقًا لتقارير محلية.
لم يُسجّل حتى الآن أي اعتراض شعبي يُذكر في إسبانيا على استخدام الشركة في العقود. لا يزال هناك اهتمام في أوروبا من الشركات الخاصة باستخدام حلول بالانتير، حيث قام أكثر من 100 بنك أوروبي رئيسي ومدير أصول وصناديق تقاعد بضخ المزيد من الأموال في حصص الشركة في العام 2025، وفقًا لتحقيق أجرته منظمة “Follow the Money”.


