الأكثر قراءة

الخارجية الروسية توضح خلفيات استدعاء السفير الألماني

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ أفادت الخارجية الروسية في بيان لها، يوم الاثنين، بأنه تم استدعاء السفير الألماني لدى موسكو، ألكسندر لامبسدورف، إلى مقر الوزارة يوم 13 يوليو. وأشار البيان إلى أنه تم إبلاغ السفير بعدم جواز الدعم المتزايد الذي تقدمه بلاده لنظام كييف.

وقال البيان: “تم إبلاغ السفير بأن روسيا لا تقبل بتاتا الدعم المتزايد الذي تقدمه ألمانيا لنظام كييف، بما في ذلك إبرام اتفاقيات ذات طابع عسكري وعسكري-تقني، والإمدادات المباشرة من الأسلحة، وتنظيم عمل الشركات المشتركة لإنشاء وسائل وقوات هجومية ضد المنشآت السلمية في روسيا، بما في ذلك الطائرات المسيرة الاستطلاعية والهجومية، والصواريخ المضادة للطائرات، والذخائر الصاروخية التي تُستخدم لشن هجمات على البنية التحتية المدنية”.

وأشار بيان الوزارة إلى أنه تم إبلاغ السفير بعدم قبول المحاولات الألمانية “لإملاء التوجيهات على دول ثالثة، بمن فيهم الممثلون الرسميون لجمهورية الصين الشعبية، حول كيفية وشكل بناء علاقاتهم مع روسيا”. وتم إبلاغ السفير خلال اللقاء بأن “انزلاق العمل في مجال الإعلام والاتصالات لماكينة الدعاية الألمانية إلى أسلوب أسوأ من ممارسات الدعاية النازية هو أمر غير أخلاقي، ويثير الرفض والاستياء المبررين تاريخيا لدى أوسع فئات السكان في بلدنا”.

وأضافت الخارجية الروسية في ختام بيانها: “وفي الوقت نفسه، علمنا وليس بدون رضا (بنوع من الارتياح) أن سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية سيعود إلى وطنه في المستقبل القريب بسيارته بسبب انتهاء مهمته الرسمية. وأشرنا إلى أن هذا الأمر يفند المنشور الوقح الذي ظهر سابقاً عن الخدمة الصحفية للسفارة الألمانية بشأن وضع الوقود في العاصمة الروسية”.

أبعاد المواجهة الدبلوماسية: موسكو تضع خطوطاً حمراء جديدة لبرلين

يمثل استدعاء الخارجية الروسية للسفير الألماني خطوة تصعيدية تترجم عمق الفجوة بين موسكو وبرلين، حيث تسعى روسيا من خلال هذا الإجراء إلى توجيه رسالة حاسمة بشأن الدعم العسكري المتنامي لكييف. يتجاوز هذا الاحتجاج حدود الاستنكار التقليدي ليصل إلى إدانة مباشرة للشراكات العسكرية والتقنية التي تسهم في تطوير صناعات دفاعية وهجومية تستهدف العمق الروسي. تبدو موسكو حريصة على رسم حدود واضحة تعتبر فيها أي تسهيلات لوجستية أو تصنيعية ألمانية بمثابة مشاركة مباشرة في العداء، مما ينقل الصراع الدبلوماسي إلى مرحلة أكثر تعقيداً وجدية.

يمتد التوتر الدبلوماسي ليشمل أبعاداً جيوسياسية وتاريخية بالغة الحساسية، تظهر بوضوح في رفض موسكو القاطع لمحاولات برلين فرض وصايتها على علاقات دول ثالثة كالصين مع روسيا. يبرز هذا الموقف رغبة روسية في كسر العزل الدولي والتأكيد على سيادة العلاقات الثنائية بعيداً عن الإملاءات الغربية. يضاف إلى ذلك الهجوم الحاد على وسائل الإعلام الألمانية وتشبيهها بآلة الدعاية النازية، وهو توظيف رمزي للتاريخ يحمل دلالات وجدانية عميقة لدى الشعب الروسي، ويهدف إلى تجريد السلوك الألماني الحالي من أي مشروعية أخلاقية أو سياسية.

تأتي الخاتمة الساخرة لبيان الخارجية الروسية حول مغادرة السفير الألماني بسيارته لتضفي طابعاً من الحرب النفسية والدبلوماسية الرمزية على المشهد. يمثل هذا التعليق، المقترن بالارتياح المغلف بالتهكم، محاولة لتفنيد الروايات الدبلوماسية السابقة لبرلين حول الأوضاع المعيشية والخدمية داخل العاصمة الروسية، خاصة ما يتعلق بأزمة الوقود المزعومة. تؤكد هذه التفاصيل الدقيقة كون المعركة بين الطرفين لم تعد تقتصر على الملفات العسكرية الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل صراع الصور الذهنية وإثبات السيادة والتفوق في تفاصيل الحياة اليومية.

البعد الجيوسياسي وتصدع “السياسة الشرقية” التاريخية

يحمل هذا التصادم الدبلوماسي في طياته مؤشراً راسخاً على الانهيار النهائي لإرث “السياسة الشرقية” (Ostpolitik) التي طالما شكلت أساس العلاقات الألمانية الروسية لعقود من الزمن. يتضح الآن أن لغة المصالح الاقتصادية المشتركة وشبكات إمداد الطاقة المعقدة التي ربطت البلدين سابقاً قد تلاشت تماماً لصالح اصطفاف استراتيجي جديد وأكثر راديكالية. تجد برلين نفسها مدفوعة بتبني عقيدة أمنية جديدة تضعها في مواجهة مباشرة ومستمرة مع موسكو، بينما تنظر الأخيرة إلى التحول الألماني كخيانة جيوسياسية تستوجب إعادة صياغة كاملة لخرائط النفوذ والأمن في القارة الأوروبية، مما يمهد لحقبة طويلة من الجفاء الهيكلي الذي يصعب ترميمه في المدى المنظور.

https://hura7.com/?p=81574

الأكثر قراءة