الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الخلايا الإيرانية النائمة في الخليج العربي وتأثيرها على لبنان

 

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في ظل الحرب الإيرانية الأمريكية، وما صاحبها من تصعيدات وتوترات إقليمية، تبرز أزمة جديدة في العلاقات بين لبنان والكويت، تتجلى في اعتقال وزارة الداخلية الكويتية بتاريخ 18-19 آذار 2026 لـ 16 عنصراً من الجنسية المحلية، بينهم اثنان لبنانيان، بتهمة التخطيط لزعزعة الأمن الداخلي الكويتي. هذه الحادثة تفتح ملفًا حساسًا للغاية، وتضع لبنان في موقف ضعيف على المستوى الدبلوماسي، خاصة في ظل الأجواء السياسية الراهنة التي يعاني منها البلد.

على الرغم من الإدانة الرسمية من قبل الدولة اللبنانية لهذه الحادثة، إلا أن موقف لبنان يظل هشًا، إذ إن الإدانة لا تكفي لتوضيح الموقف بشكل جدي أو لكسب ثقة الدول الخليجية. الأهم من الإدانة هو أن تقوم الدولة اللبنانية بفتح تحقيق قانوني رسمي على المستوى المحلي، لضمان محاسبة كل من له علاقة بهذا الحادث، بالإضافة إلى اتخاذ خطوات عملية لدعم التعاون الأمني مع الكويت والدول الخليجية الأخرى.

الدولة ومادرتها  في كبح الجنون

إزاء هذه الحادثة، يبقى السؤال المركزي: هل ستبادر الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ إجراءات قانونية وأمنية واضحة تعكس التزام لبنان بمبادئ السيادة واحترام القوانين الدولية، أم أن الوضع سيظل عائمًا، مما يزيد من تعقيد علاقاته مع دول الخليج ويفتح الباب أمام المزيد من التصعيدات التي قد تؤثر على استقرار لبنان السياسي والاقتصادي؟ الحقيقة أن الموقف اللبناني يحتاج إلى استراتيجية واضحة وأكثر فعالية على الصعيدين الداخلي والخارجي، لضمان حماية مصالح البلاد وتفادي الإضرار بالعلاقات مع الدول العربية الشقيقة.

بعد يوم بتاريخ 19 آذار 2026 من حادثة اعتقال الخلية الإرهابية في الكويت، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة عن القبض على خلية إرهابية أخرى تضم لبنانيين وإيرانيين وجنسيات أخرى، “فعناصر الشبكة كانوا يعملون داخل الدولة تحت غطاء تجاري وهمي”، وفقا لوكالة الأنباء الإماراتية وكان هدفها إنشاء شبكات مالية لتهريب الأموال والالتفاف على القوانين المحلية والدولية بهدف تأمين الدعم للأنشطة الإرهابية. هذه الخلية التي تم اكتشافها في الإمارات تثير قلقًا بالغًا على صعيد الأمن الخليجي، إذ أن اللبنانيين الموجودين في داخلها يشكلون تحديًا آخر أمام الحكومة اللبنانية.

المشكلة تكمن في أن لبنان اليوم يجد نفسه في قلب هذه التوترات الإقليمية، خصوصًا في ظل الصراع المستمر بين الخليج وإيران. فوجود لبنانيين ضمن هذه الشبكات الإرهابية يعقد الوضع السياسي للبنان ويزيد من هشاشة موقفه في علاقاته مع دول الخليج، خصوصًا في الوقت الذي تتصاعد فيه الصراعات العسكرية في المنطقة. لبنان يجد نفسه متورطًا بشكل غير مباشر في حرب بالوكالة، حيث تتشابك مصالحه مع إيران، وفي الوقت نفسه يواجه ضغوطًا من دول الخليج ليتخذ موقفًا أكثر وضوحًا وشفافية تجاه هذه القضايا.

بالرغم من بيانات حزب الله التي تنفي العلاقة بهذه الحوادث ولا يوجد لها أي اتصال بخلايا نائمة متواجدة في الخليج، يجب على الدولة اللبنانية أن تتخذ خطوات عملية وعاجلة، بدءًا من فتح تحقيقات قانونية جادة وعلنية في هذه القضية. يجب أن يكون هناك محاسبة حقيقية للأشخاص المتورطين، ليس فقط على الصعيد الأمني ولكن أيضًا على الصعيد السياسي. في هذا الإطار، يُتوقع من لبنان أن يُظهر التزامًا حقيقيًا في محاربة الإرهاب وأن يُنفذ التعاون الأمني مع دول الخليج في هذه المحنة.

الرابط بين الخليتين والصراع الحالي

الربط بين الخلايا الإرهابية في الخليج والصراع الإيراني الخليجي يضع لبنان في موقف حساس للغاية، مما يستدعي اتخاذ موقف قانوني علني يعكس التزام لبنان بمحاربة هذه الأنشطة الإرهابية. وفي هذه اللحظة التاريخية، يجب أن يقف لبنان بجانب دول الخليج، ليس فقط لمصلحته الوطنية، ولكن أيضًا كمشاركة في دفع ديون كبيرة للدول الخليجية تجاه لبنان. من جهة أخرى، لبنان هو بلد عربي، ومن واجبه الوقوف مع أشقائه في الخليج في هذه المحنة العصيبة التي تمر بها المنطقة.

لبنان، كدولة تقع في صلب العالم العربي، يجب أن يتخذ موقفًا يوضح بجلاء استعداده لدعم استقرار المنطقة ودولها الشقيقة في ظل هذه التحديات. هذا الموقف سيعزز من موقف لبنان على الساحة الدولية ويساهم في استعادة ثقة الدول الخليجية في لبنان.

ما بين الخليتين، اللبنانيون اليوم في موقف بالغ التعقيد، إذ يقع لبنان ضحية للتوجهات الإقليمية والسياسات التي يصر الحرس الثوري الإيراني على فرضها، حيث يحاول ربط مصير لبنان مباشرة بمصير إيران في سياق الصراع المستمر في المنطقة. الحرس الثوري يرى في لبنان جزءًا من معركة مصيره، مما يضع لبنان في وسط دوامة من الصراعات الإقليمية، ما بين التهديدات الإسرائيلية من جهة، والتوترات مع دول الخليج من جهة أخرى.

لبنان في مرمى العاصفة

التهديدات التي وجهها وزير الحرب الإسرائيلي إلى لبنان، والتي تتعلق بتحمل لبنان “ثمن أفعال حزب الله” إذا لم يكبح الحزب قدراته العسكرية ودوره في الصراعات الإقليمية، تؤكد حجم الخطر الذي يواجهه لبنان. هذا التهديد الإسرائيلي يُعقد الوضع بشكل كبير، خاصة وأنه يرتبط بما يعتبره البعض تهديدًا مباشرًا لاستقرار لبنان، وتوجيه ضغوط دولية ومحلية عليه لتقييد دور حزب الله. في ظل هذا الوضع، يصبح لبنان بين مطرقة التهديدات الإسرائيلية وسندان التوترات الخليجية.

في الوقت نفسه، يدخل لبنان في مواجهة مع دول الخليج التي تجد نفسها أمام خطر مباشر من خلال تركيب خلايا إرهابية، يكون العنصر اللبناني جزءًا أساسيًا فيها. هذه الخلايا التي تعمل على تقويض الأمن الخليجي وتهديد استقراره، من شأنها أن ترفع من منسوب التوتر بين لبنان وهذه الدول، وتضع الجالية اللبنانية في الخليج، والتي تعد من أكبر الجاليات العربية في المنطقة، في موقف خطر. هذا الوضع يعرض العلاقات الدبلوماسية اللبنانية-الخليجية إلى خطر حقيقي بعدما قدمت هذه الدول الكثير من الدعم والخدمات للبنان في فترات سابقة، سواء على المستوى المالي أو الاجتماعي أو السياسي.

ما يزيد الأمور تعقيدًا هو أن لبنان، الذي يعتبر جزءًا من العالم العربي ويستفيد من روابطه التاريخية والاقتصادية مع دول الخليج، يواجه تحديًا مزدوجًا: من جهة، عليه التوازن في علاقاته مع إيران وحزب الله، ومن جهة أخرى، عليه التصدي لتوترات متصاعدة مع دول الخليج، التي طالما كانت حاضنة للبنان في محافلها الدولية.

لبنان وضرورة التشدد

لبنان اليوم بحاجة ماسة إلى اتخاذ موقف قانوني وسياسي واضح يضمن عدم تورطه في هذه الصراعات ويعيد بناء علاقاته مع دول الخليج. من خلال تفعيل التحقيقات القانونية في القضايا المتعلقة بالإرهاب والتهريب، واتخاذ خطوات ملموسة لمكافحة هذه الأنشطة، يمكن للبنان أن يثبت جديته في التزامه بسيادة دول الخليج وأمنها، وبالتالي تقليص فرص التصعيد مع هذه الدول.

من هنا، نرى أن موقف إيران يعكس تباينًا كبيرًا بين الجناحين السياسي والعسكري. ففي الوقت الذي نجد فيه رئيس الجمهورية الإيرانية يقدم الاعتذار والتعهد لدول الخليج، محاولًا تهدئة التوترات، يظهر الجناح الآخر المتمثل في الحرس الثوري الإيراني، الذي يصر على الفتك بدول الخليج باستخدام “الحمم النارية” كما يصفها، باعتباره يقود معركة مصيرية. هذا التباين بين موقف الرئيس الإيراني والموقف العسكري يعكس طبيعة الصراع الداخلي في إيران، الذي يضع لبنان في قلب هذه المواجهة كجزء من الساحة المرتبطة بالحرس الثوري.

القيادة الإيرانية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، ترى أن لبنان هو جزء من معركتها الاستراتيجية في المنطقة، حيث يعتبر الحرس الثوري وحزب الله في لبنان أدوات أساسية في تنفيذ هذه المعركة التي يعتبرونها مصيرية لبقاء النظام الإيراني بهيكله الحالي. وبالتالي، لبنان يُعتبر ساحةً مفتوحة ضمن هذا الصراع الإقليمي الكبير، وهو ما يضعه في موقع حساس جدًا.

في هذه الظروف، يتعين على الدولة اللبنانية أن تَفصل نفسها تمامًا عن مصير حزب الله، وأن تسعى جاهدًا لتحديد هويتها الوطنية بعيدًا عن محاور الصراع الإقليمي. الطريق الذي يسلكه الرئيس ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، قد يكون الطريق الأكثر حكمة للحفاظ على استقلال لبنان وسيادته، بما يتماشى مع مصالحه الوطنية.

فصل لبنان عن الصراع الايراني الاسرائيلي

إن عدم السماح لإسرائيل بتنفيذ تهديداتها، وكذلك منع إيران من استخدام لبنان كساحة حروب، يتطلب من الدولة اللبنانية اتخاذ موقف واضح وصارم. يجب أن يكون الخطاب الرسمي اللبناني أكثر تحديدًا في مواقفه تجاه الأحداث في الخليج العربي، وليس الاكتفاء بالتنديد أو الإدانة. بل يجب على لبنان أن يقدم توجهات صارمة ومواقف قانونية تتماشى مع التزامات لبنان الدولية والعربية، وأن يضع حدودًا واضحة لهذه التدخلات.

من هنا، إذا أراد لبنان أن يحافظ على استقراره الداخلي، وأن يُبقي على علاقاته المتوازنة مع دول الخليج والعالم العربي، عليه أن يكون واضحًا في رفضه لأي دور يورط البلاد في الصراعات الإقليمية أو في دعم أي طرف يستخدم لبنان كساحة لتحقيق أهدافه. يجب أن تتسم السياسة اللبنانية بالحياد البناء، وأن تعمل على تحييد لبنان عن هذه الحروب الدائرة، مع التأكيد على سيادته واستقلاله في اتخاذ قراراته دون تدخلات خارجية.

في النهاية، يجب أن يدرك لبنان أن الحفاظ على استقراره الداخلي وعلى علاقاته المتوازنة مع دول الخليج والعالم العربي يتطلب اتخاذ مواقف قانونية وسياسية صارمة وشفافة. إذا كان لبنان يهدف إلى الحفاظ على علاقاته مع الدول الخليجية، يجب أن يتحرك بسرعة لضمان عدم تورطه في الصراعات الإقليمية أو في دعم أي أطراف تستخدم لبنان لتحقيق أهدافها الخاصة. السياسة اللبنانية يجب أن تركز على تعزيز الأمن الوطني من خلال التعاون الأمني مع دول الخليج، وأيضًا على التأكيد على استقلال لبنان وحياده في مواجهة التحديات الإقليمية المعقدة.

هذا هو الطريق الذي يجب أن يسلكه لبنان للخروج من هذه الأزمة، مع الحفاظ على مصالحه الوطنية في ظل التوترات الإقليمية الحالية.

https://hura7.com/?p=76503

الأكثر قراءة