جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

سيسجل التاريخ أن الخليج العربي نجح في إفشال المخطط الإيراني ونجح في ضبط النفس في مواجهة العدوان. منذ اندلاع الصراع في منطقة الشرق الأوسط وتصاعد التوترات بين القوى الكبرى وإيران، كان الخليج العربي أمام تحديات ضخمة، ليس فقط في الدفاع عن أمنه واستقراره، بل أيضًا في الحفاظ على استقلالية قراراته ورفض الانجرار وراء المحاور العسكرية التي قد تؤدي إلى عواقب وخيمة. وسط هذه الظروف المتوترة، أثبت الخليج قدرته الفائقة على ضبط النفس، متمسكًا بمبادئه الأخلاقية والسياسية في مواجهة أزمات متلاحقة، شملت تهديدات عسكرية مباشرة ومحاولات دفعه للانخراط في معسكرات حرب تقودها قوى كإسرائيل والولايات المتحدة.
الخليج العربي بين تحديات العدوان الإيراني والتحكم في مسار المواجهة
رغم تمتعه بترسانة عسكرية تفوق قوة إيران بعشر مرات، ورغم القوة العسكرية الضاربة التي يمتلكها، اختار الخليج العربي عدم الانجرار نحو صراع مفتوح مع إيران. كان بإمكانه، بالقدرات العسكرية التي يملكها، توجيه ضربات مدمرة للأهداف الإيرانية، لكن القرار السياسي الخليجي كان حاسمًا في تجنب التورط في حرب مكلفة قد تسحب المنطقة إلى آتون صراع طويل لا طائل منه.
إيران، التي تشهد حربًا بالوكالة على العديد من جبهات المنطقة، بما في ذلك في سوريا والعراق واليمن، كانت تسعى جاهدة لخلق حلفاء وداعمين في الخليج. ومع تصاعد التهديدات التي أطلقها النظام الإيراني ردًا على الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على منشآتها النووية والعسكرية، كانت إيران تأمل أن تجد في دول الخليج العربي قوة حليفة قد تقف إلى جانبها في المعركة ضد إسرائيل والولايات المتحدة. لكن الخليج كان له موقف آخر، موقف يختلف عن الحسابات الإيرانية.
تجنب الانجرار خلف إيران أو الولايات المتحدة: موقف أخلاقي ثابت
لقد أدركت دول الخليج أن الدخول في هذا الصراع يعني أن تصبح طرفًا في مواجهة مفتوحة مع إيران، وقد يؤدي ذلك إلى استنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، بل ويعرض استقرارها الداخلي للخطر. كانت النوايا الإيرانية واضحة في محاولة تحويل الخليج إلى ساحة حرب بالوكالة، ولكن الخليج، رغم الضغوط، قرر عدم الاستجابة لهذه الدعوات ورفض فتح جبهة جديدة ضد إيران. فهو ليس بحاجة إلى أن يكون جزءًا من معركة تفرضها القوى الكبرى عليه، ولا يرغب في أن يُسحب إلى الصراع الذي قد يؤدي إلى دمار غير مبرر.
لقد حملت منطقة الخليج العربي جراحًا اقتصادية واجتماعية نتيجة لتصاعد التوترات، ورغم ذلك، استطاعت دول الخليج أن تتحمل التحديات العسكرية والاقتصادية التي فرضها العدوان، ولكنها رفضت في الوقت نفسه أن تكون مجرد أداة في يد أي طرف إقليمي أو دولي. وبذلك، أثبت الخليج العربي أنه لا يسعى إلى الانجرار وراء مصالح قوى خارجية قد تضعه في مواجهة مع جيرانه.
الموقف الحاسم في مواجهة الهيمنة الإسرائيلية: حفاظ على الهوية والمبادئ
في خطوة تكتيكية وواقعية، رفض الخليج السماح للطائرات الإسرائيلية باستخدام مجاله الجوي أو نقاط عبوره العسكرية. بينما كان الجميع يتوقع أن تستمر إسرائيل في تنفيذ ضربات جوية ضد إيران، كان من الواضح أن الخليج العربي رفض فتح آفاق جديدة للعدوان الإسرائيلي في المنطقة. فالخليج الذي عانى على مدار عقود من النزاعات والحروب، ومن أزمات فلسطينية معقدة، أدرك تمامًا أنه لا يمكن أن يكون في نفس الجبهة مع دولة إسرائيل التي تقتل العرب يومًا بعد يوم، وتقمع الفلسطينيين بشكل مستمر، ولا تعترف بحقوقهم المشروعة في إقامة دولة مستقلة.
رفضت دول الخليج أن تكون جزءًا من أي تحركات عسكرية تقودها إسرائيل أو تشارك فيها، في خطوة سياسية واضحة لحماية سمعتها الأخلاقية. في الوقت الذي كانت فيه بعض الأطراف العالمية تتسابق نحو توجيه ضربات ضد إيران، أصر الخليج على عدم الانجرار نحو ذلك، محافظًا على موقفه الثابت في دعم القضية الفلسطينية. كانت تلك اللحظة بالنسبة للخليج بمثابة اختبار لمواقفه السياسية والثابتة في الدفاع عن قضايا الأمة العربية والإسلامية.
تحت الضغط: تحمّل الجراح الاقتصادية والاجتماعية
لم يكن قرار الخليج العربي سهلاً أو خاليًا من المخاطر. فقد تحملت دول الخليج تداعيات اقتصادية هائلة نتيجة للحصار المالي والتجاري المفروض عليها من جانب القوى الكبرى، بالإضافة إلى التهديدات العسكرية المتزايدة. وقد ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الخليجي، مما زاد من الأعباء على المجتمعات المحلية. ورغم ذلك، اختارت دول الخليج أن تتحمل هذه الجراح على أمل أن يتجاوز الوضع الحالي، وأن تتمكن المنطقة من الحفاظ على استقرارها الداخلي والابتعاد عن الأجندات الخارجية.
ورغم أن الحروب الإقليمية كانت لتوفر فرصًا للرد العسكري السريع على العدوان، إلا أن حكام الخليج تعاملوا مع الأمر بحذر. وبدلاً من اتخاذ قرار عسكري بالرد المباشر، قررت دول الخليج أن تلتزم بضبط النفس، وأن تركز على بناء استراتيجيات سياسية طويلة المدى تهدف إلى إحلال السلام في المنطقة، وضمان عدم تصعيد الأزمات إلى نقطة اللاعودة.
الخلاصة: موقف استراتيجي ثابت أمام الأطماع الإقليمية والدولية
لقد سُجل في التاريخ أن الخليج العربي لم ينجرف خلف أي أطماع إيرانية أو أمريكية، بل حافظ على موقفه الثابت تجاه جميع الأطراف. رفض الدخول في حرب تكون إسرائيل طرفًا فيها، وحافظ على قوته العسكرية مع احترام استراتيجيته السياسية. لم يكن هذا القرار مجرد مسألة دفاعية عسكرية، بل كان موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا يعكس اهتمام دول الخليج بالحفاظ على أمنها واستقرارها بعيدًا عن التأثيرات الخارجية.
وها هو الخليج العربي يسجل في سطور التاريخ أنه رغم ما يواجهه من تحديات، فإن موقفه الثابت لم يكن سوى انعكاسًا للقيم والمبادئ التي يؤمن بها، وأنه لن يكون أبدًا أداة في يد قوى خارجية تتسابق على دماء المنطقة لتحقيق مصالحها.


