جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تكشف التطورات الأخيرة في العلاقة الأميركية مع سلطنة عُمان عن جانب آخر من الدبلوماسية الأميركية المعاصرة، يتمثل في تداخل الدبلوماسية مع أدوات الضغط والتهديد بالقوة. ففي 17 أغسطس/آب 2026، كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديده بقصف عُمان إذا تدخلت في ما وصفها بالجهود الأميركية المتعلقة بمضيق هرمز، وذلك بالتزامن مع انتهاء مهلة الستين يوماً للمفاوضات الأميركية–الإيرانية من دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي في سياق صراع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وفي وقت كانت فيه عُمان تؤدي دوراً في الوساطة والاتصالات المتعلقة بإيران ومضيق هرمز. ومن ثم، فإن هذه الحالة توضح أن الدبلوماسية الأميركية لا تقوم دائماً على التفاوض والحوار، وإنما يمكن أن تتداخل فيها الدبلوماسية التقليدية مع الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري والقوة التكنولوجية والمعلوماتية.
وبذلك، فإن الدبلوماسية الأميركية الحديثة تبدو كمنظومة متعددة الأدوات، تستخدم فيها واشنطن التفاوض والإقناع من جهة، والضغط والردع والتهديد بالقوة من جهة أخرى، بما يخدم أهدافها الاستراتيجية ومصالحها في النظام الدولي المتغير.
أهمية عُمان في التعاون العربي
عُمان دولة عربية مسلمة، وقد حاولت منذ بداية الأزمة بين إيران والولايات المتحدة أن تؤدي دور الوسيط، من خلال فتح قنوات الاتصال بين الطرفين والعمل على نزع فتيل الأزمة وتخفيف التصعيد الذي يهدد أمن المنطقة واستقرارها. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل ارتباط أمن الخليج العربي بأمن مضيق هرمز، الأمر الذي يجعل استمرار التصعيد بين واشنطن وطهران مصدر قلق مباشر لجميع دول المنطقة.
ومن هنا، يمكن أن نضم صوتنا إلى أصوات الكثير من المثقفين والباحثين الرافضين لهذا التهديد الذي يوجّهه ترامب، والمتمثل في تهديده بقصف سلطنة عُمان إذا سمحت لإيران بالسيطرة على مضيق هرمز. فهذا التهديد مرفوض رفضاً تاماً، وينبغي أن يُدان من جميع دول الخليج العربي، وأن يصدر بشأنه موقف صريح من الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبأشد العبارات، لأن عُمان خط أحمر، ولا سيما أن هذا التهديد يأتي للمرة الثانية من النوع نفسه.
ويُعدّ مثل هذا الخطاب، إذا ثبت صدوره، تصعيداً خطيراً في لغة العلاقات الدولية، لما يحمله من تهديد مباشر لسيادة دولة خليجية وللاستقرار الإقليمي. كما أنه يطرح تساؤلات أوسع حول حدود استخدام القوة في الدبلوماسية الأميركية، ومدى انسجام سياسة التهديد والضغط مع مبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول.
عُمان تؤدي دور الوساطة بين الطرفين
لقد واصلت مسقط أداء دور الوساطة، من خلال فتح قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران والعمل على نزع فتيل الأزمة وتخفيف التصعيد، فيما كانت تعمل بالتوازي مع إيران على ترتيبات تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، يمكن فهم إصرار عُمان على تقديم نفسها منصةً للحوار والوساطة، باعتبار ذلك محاولة للحفاظ على دورها الدبلوماسي وتجنب اتساع دائرة الصراع.
ويأتي التهديد الأميركي الأخير لعُمان ليضعها أمام معادلة شديدة الخطورة، فهي تقع بين طرفين متصارعين، إيران من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. وبذلك، تبدو عُمان في موقف بالغ الحساسية: فهي تسعى إلى أن تكون جسراً دبلوماسياً بين واشنطن وطهران، لا طرفاً في الصراع، لكن استمرار التصعيد قد يجعلها عرضة لضغوط وتهديدات من الطرفين.
ومن منظور العلاقات الدولية، تكشف هذه الحالة حدود الدبلوماسية عندما تتحول الوساطة نفسها إلى موضع صراع، وتوضح كيف يمكن للدولة الوسيطة أن تجد نفسها تحت ضغط القوى المتنافسة، رغم محاولتها الحفاظ على الحياد وفتح قنوات الحوار. كما تكشف أن الدبلوماسية المعاصرة لم تعد منفصلة عن أدوات القوة، بل أصبحت تتحرك في مساحة متداخلة بين التفاوض والوساطة والضغط والردع والتهديد.


