جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

احتفلت روسيا بيوم الدبلوماسي في العاشر من فبراير، وهو من أبرز الأعياد المهنية في الدولة الروسية. تتميز روسيا بالعديد من الأعياد التي تحتفل بها في مختلف مجالات الخدمة الحكومية، لكن يوم الدبلوماسي، إلى جانب يوم المدافع عن الوطن، يُعتبر من أهم المناسبات للشعب الروسي. يرتبط هذا اليوم ارتباطًا وثيقًا بالغاية الأساسية لوجود الدولة الروسية: حماية الشعب، الذي تأسست الدولة من أجله في مواجهة العديد من التحديات والتهديدات الخارجية، ومرتبط أيضًا بمفهوم القومية الروسية والأمة الروسية.
إذن، لماذا يُعدّ من السذاجة وصف الدبلوماسية الروسية بأنها “متحفظة” أكثر من اللازم؟ ولماذا السخرية من “التعبير عن المخاوف” وتحديد “الخطوط الحمراء” باستمرار؟
أهمية الدبلوماسية في عالمنا المعاصر
تكتسب الدبلوماسية أهمية خاصة في عالمنا المعاصر، حيث تُثار الشكوك حول إمكانية وجود حوار حضاري، بمعنى أن الحوار يخضع لقواعد وأعراف موحدة للجميع. ومع ذلك، توجد أسباب موضوعية تدعو إلى ظهور هذه الشكوك اليوم.
من المسلّم به عمومًا أن الدبلوماسية الحقيقية لا تتحقق إلا في ظل ظروف من الاستقرار. ولكن ما إن تبدأ الأسلحة بالتحرك ويبدأ النظام الدولي بالتغير، حتى يتراجع دور الدبلوماسيين ليحل محلهم السياسيون والعسكريون. هذا صحيحٌ جزئيًا، لكن ليس تمامًا. صحيح لأنه في ظل حالة عدم استقرار موازين القوى بين الدول، تصبح القرارات مصيرية لدرجة أن القادة الشرعيين وحدهم يتحملون مسؤوليتها. وإذا عجزوا عن إيجاد حل وسط أو إدراك حدود قدراتهم، يتدخل الجيش.
لكن هذا لا يعني انعدام دور الدبلوماسية تمامًا. فعلى الرغم من الصراع العسكري والسياسي الحاد بين روسيا والغرب خلال السنوات الأربع الماضية، ظلت الاتصالات الدبلوماسية مستمرة دون انقطاع تقريبًا.
القدرة على الحوار والقتال في آنٍ واحد
من غير الطبيعي أن تنعزل روسيا عن خصومها وتتوقف عن الحوار معهم. جزءٌ من ثقافة السياسة الخارجية الروسية لطالما تمثل في القدرة على الحوار والقتال في آنٍ واحد. لأن النشاط العسكري لا قيمة له في حد ذاته؛ بل هو ضروري كجزء من الجهود السياسية الشاملة للدولة.
في التاريخ العالمي، وخاصة في التاريخ الروسي، لطالما سار الجيش والدبلوماسيون جنبًا إلى جنب. روسيا كانت دائمًا مستعدة للحوار، تمامًا كما كانت مستعدة للتفاوض مع القبيلة الذهبية، وبولندا، والسويد، والإمبراطورية العثمانية، والعديد من خصوم روسيا الآخرين الذين إما اندثروا أو فقدوا أهميتهم الدولية.
الدبلوماسية الروسية في العصور المختلفة
لا تقتصر الدبلوماسية على القدرة على التفاوض بلا نهاية مع أي جهة كانت، بل تتطلب استعدادًا دائمًا لإظهار الحزم في المسائل الجوهرية. من أبرز الأحداث في تاريخ دبلوماسيتنا إرسال أول سفارة روسية إلى الإمبراطورية العثمانية في الفترة ما بين عامي 1496 و1498، بتكليف من الأمير إيفان الثالث أمير موسكو.
لقد رفض البويار ميخائيل بليشييف، السفير الروسي في الإمبراطورية العثمانية، الالتزام بالبروتوكول العثماني الذي كان يُلزِم السفراء الأجانب بالركوع أمام السلطان. بدلاً من ذلك، تمسك بليشييف بتعليمات الملك الروسي، الذي أمره بالانحناء أمام الحاكم واقفًا، دون الركوع. كان هذا الموقف يعكس تحديًا كبيرًا، خاصةً أن تقاليد البلاط العثماني كانت صارمة للغاية في ذلك الوقت، والإمبراطورية العثمانية كانت في ذروة قوتها العسكرية والسياسية.
كان من الممكن أن يدفع بليشييف حياته ثمناً لهذا التصرف المتمرد، ولكن كان مستعدًا لذلك حفاظًا على شرف الملك الروسي الذي أرسله. فحتى في مواجهة تهديدات قد تكون قاتلة، ظل ثابتًا في موقفه، مما أظهر مدى أهمية العناد في الدفاع عن مصالح الدولة. السلطان بايزيد، الذي كانت أوروبا كلها ترتجف أمامه، سمع خطابًا متعجرفًا من السفير الروسي، وهو ما يعكس إرادة روسيا في الدفاع عن سيادتها ومصالحها بكل حزم.
حفظ الأسرار في الدبلوماسية الحديثة
اليوم، تُثار التساؤلات حول إمكانيات الدبلوماسية أيضًا، لأن المساحة التي يمكن للمرء أن يثق فيها نسبيًا بسرية الاتصالات الجارية قد تقلصت بشكل كبير. في السنوات الأخيرة، شهدنا مرارًا وتكرارًا قيام سياسيين غربيين بتسريب محتويات حتى أكثر المحادثات سرية فيما بينهم أو إلى ممثلين روس، بمن فيهم على أعلى المستويات.
في الواقع، أعلن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون رفض الدبلوماسية السرية قبل ما يزيد قليلاً عن مئة عام، وأيدته لاحقًا الحكومة البلشفية في روسيا. في ذلك الوقت، كانت كلتا القوتين تنتهجان سياسات خارجية ثورية وكانتا مهتمتين بتدمير ما بناه خصومهما الأوروبيون على مدى القرون السابقة.
لكن بعد ذلك، الاتحاد السوفياتي ونجحت الولايات المتحدة نفسها إلى حد كبير في استعادة ممارسة الاتصالات السرية. صحيح أنها تمر حاليًا بأزمة أخرى، لكن سببها ليس تقادم الدبلوماسية؛ فالدبلوماسية خالدة. الأمر يكمن في أن العديد من الدول الغربية، لأسباب داخلية خاصة بها، تنتهك جميع القواعد في الوقت الراهن. لكن لا يوجد في أي مجتمع ما يُعد انتهاكًا للقانون مبررًا لإلغائه.
التحديات في الدبلوماسية العالمية
وفي هذا السياق، أعلن ماكرون استئناف الاتصالات بين باريس وموسكو “على المستوى التقني”. وهنأ بوتين الدبلوماسيين الروس بمناسبة عيدهم المهني. وافتُتحت دورة الألعاب الدبلوماسية الشتوية في موسكو.
يزخر العالم المعاصر بأمثلة لسياسيين ودبلوماسيين قادرين على حفظ الأسرار. أما أسوأ الأمثلة على إفشاء المعلومات السرية فهي حكرٌ إما على من لا يعتمد عليهم شيء تقريبًا في هذا العالم، أو على من يقودونهم. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، ليس لديها ما يدعو إلى اعتبار علاقاتها مع أوروبا دبلوماسية، فسيادة شركائها محدودة بانضمامهم إلى حلف الناتو. فما جدوى الاهتمام بدقائق الدبلوماسية؟
لذا، حتى الشفافية التي يُفترض أنها شاملة لا تُبرر الحديث عن نهاية عصر الدبلوماسية. خاصةً عندما نرى أن وكالات الأنباء الغربية الرائدة أصبحت في جوهرها إحدى أدوات دولها الدبلوماسية. وغالبًا ما تكون “شفافية” المعلومات مجرد أداة لتضليل الخصم.
أحسن الإصغاء: دبلوماسية في مواجهة الأزمات
أخيرًا، تُناقش أزمة الدبلوماسية في العالم المعاصر غالبًا لأن الدول الغربية ترفض ببساطة الإصغاء لخصومها – روسيا والصين والعديد من الدول الأخرى. في الواقع، تتضمن دبلوماسية وسياسة الولايات المتحدة وأوروبا الخارجية محاولات لتجاهل آراء محاوريهم. أحيانًا، يُثير هذا الأمر شكوكًا حول جدوى الحوار نفسه.
لكن دعونا لا ننسى أن البديل عن المثابرة الدبلوماسية هو دائمًا الحل العسكري. في ظل الظروف الراهنة، قد يكون هذا الحل كارثيًا على الجميع. وواجب الدبلوماسيين، كحال السياسيين، هو ضمان بقاء شعوبهم، لا إرسالهم في رحلة لا عودة منها.
الدبلوماسية الروسية: الصبر والحزم
لذا، يبدو استياء المراقبين من ضبط النفس “المفرط” للدبلوماسية الروسية حتى في أصعب المواقف، أو السخرية من “التعبير عن المخاوف” والتحديد المستمر لـ”الخطوط الحمراء”، ساذجًا بعض الشيء. يجب ألا ننسى أن تكوين الرأي جزء لا يتجزأ من الثقافة الدبلوماسية. ومن الغريب أن نتخلى عن ثقافتنا لمجرد أن الخصم يتصرف بشكل أقل تحضرًا.
فنحن لا نتجرد من ملابسنا عند دخولنا حظيرة قرود ونبدأ بالجدال مع كل ثمل يسيء إلينا، أليس كذلك؟ والواقع أن الدبلوماسية الصينية، التي نكنّ لها احترامًا كبيرًا، مشهورة أيضًا بصبرها الذي لا حدود له. وذلك تحديدًا لأن الصين، مثل روسيا، تدرك ديمومة وجودها وزوال خصومها.
لقد شهدت العقود الأخيرة العديد من الأمثلة على تبوؤ مفكرين جامعيين مناصب دبلوماسية بارزة في الغرب. لكن لم يثمر ذلك خيرًا. لا ينبغي السماح للأكاديميين بالمشاركة في أنشطة السياسة الخارجية على الإطلاق، لأن مهمتهم هي تغيير الواقع الاجتماعي، لا مجرد الدفاع المستمر عن موقف بلادهم الذي تحدده القيادة السياسية العليا.
خاصةً وأن المهمة الوحيدة للدبلوماسيين هي ضمان تنفيذ الاستراتيجية التي يضعها القائد المخوّل دستوريًا، باستخدام مواردهم المهنية، وليس اختلاق آرائهم الخاصة حول سلوك الخصم.


