الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الدستور اللبناني للعام 1926 في مئويته الأولى: بين الدولة الدستورية والاستباحة السياسية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

في مئويته الأولى، لا يبدو الدستور اللبناني للعام 1926 مجرد نصّ قانوني رافق نشوء دولة حديثة، بل مرآة لمسار لبنان السياسي نفسه، بما حمله من طموحات وإخفاقات، ومن محاولات لبناء دولة دستورية سرعان ما اصطدمت بالطائفية والتدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية والسلاح الخارج عن الدولة. فالدستور الذي وُلد في ظل الانتداب الفرنسي حاملًا مبادئ الدولة الحديثة والفصل بين السلطات والحريات العامة، تحوّل تدريجيًا، عبر قرن كامل، إلى ساحة صراع بين النصّ وموازين القوى، وبين الشرعية الدستورية والشرعيات الطائفية والسياسية والعسكرية. ولذلك، فإن قراءة قرن من الحياة الدستورية اللبنانية ليست فقط قراءة لتطور النصوص، بل أيضًا لمسار طويل من الاستباحة السياسية التدريجية للدولة والمؤسسات والسيادة.

ومن هنا، يحاول هذا المقال تتبع أبرز محطات هذا المسار، منذ الانتداب الفرنسي، مرورًا بأزمات الاستقلال واتفاق القاهرة والحرب اللبنانية والوصاية السورية والطائف، وصولًا إلى مرحلة الدولة المعلّقة بعد 2005، حيث باتت التسويات والأعراف والسلاح والمحاور الإقليمية تتقدم، في كثير من الأحيان، على الدستور نفسه.

أولًا: الدستور بين النظرية والممارسة الانتدابية

نشأت فكرة الانتداب، نظريًا، بعد الحرب العالمية الأولى، على قاعدة أن الشعوب الخارجة من السلطنة العثمانية تحتاج إلى مرحلة انتقالية من الرعاية السياسية والإدارية تساعدها على بناء مؤسسات حديثة، وترسيخ ثقافة دستورية، والتدرّب على الحكم الرشيد وصولًا إلى الاستقلال. لكن فرنسا تعاملت مع لبنان في كثير من الأحيان بمنطق الوصاية السياسية وإدارة التوازنات الطائفية، لا بمنطق بناء دولة مواطنين ومؤسسات مستقلة. وهكذا، وُلد الدستور اللبناني لعام 1926 حاملًا طموح الدولة الدستورية الحديثة، لكنه وُضع منذ البداية تحت سلطة انتدابية أعطت لنفسها حق تعطيله أو تقييده كلما تعارض مع مصالحها أو مع تصوّرها لطبيعة الكيان اللبناني.

وليس الدستور في الدول الحديثة مجرد مجموعة مواد قانونية، بل الإطار الناظم للعلاقة بين السلطات والمجتمع، والضامن لاستمرارية الدولة ووحدة مؤسساتها وحقوق مواطنيها. وتقوم قيمة الدساتير على سموّها فوق المصالح الظرفية والأكثرية السياسية العابرة، بحيث تتحول إلى مرجعية عليا يحتكم إليها الجميع في إدارة الخلافات والأزمات، من دون أن يعني ذلك عدم اختبارها وتعديلها وفقًا لحاجات الدولة والمجتمع. غير أن التجربة اللبنانية كشفت، على مدى قرن تقريبًا، أن أزمة النظام لم تكن دائمًا في نقص النصوص الدستورية أو ضعفها، بل في التلاعب بها، أو تعليقها، أو الالتفاف عليها، أو إخضاعها لموازين القوى الطائفية والإقليمية والدولية. وهكذا، بدا الدستور اللبناني في كثير من المحطّات وكأنه نصّ قابل للتكييف السياسي أكثر منه عقدًا وطنيًا ثابتًا يحكم الدولة والمجتمع.

ثانيًا: الدستور تحت وصاية الانتداب الفرنسي (1926-1943)

بين صدور الدستور اللبناني في 1926 وتعليق المفوض السامي الفرنسي العمل به وحلّ مجلس النواب في العام 1932، لم تظهر انتهاكات دستورية داخلية صارخة كالتي عرفها لبنان لاحقًا، لأن النظام كان لا يزال في بداياته وتحت هيمنة الانتداب الفرنسي. لكن سلطات الانتداب مارست تدخلات اعتبرها مؤرخون ورجال قانون خروجًا على روح الدستور، كتدخل المفوض السامي في تشكيل الحكومات، وفي القرار الفعلي لرئاسات الجمهورية والحكومات، وربط الحياة السياسية اللبنانية بإرادة الانتداب أكثر من ارتباطها بالمؤسسات الدستورية نفسها.

غير أن أزمة ترشيح رئيس مجلس النواب الشيخ محمد الجسر لرئاسة الجمهورية في العام 1932 شكّلت أول صدام دستوري كبير ومكشوف بين الإرادة النيابية اللبنانية وسلطة الانتداب. فعندما بدا أن الجسر قد يصل إلى الرئاسة بأصوات مسيحيين، علّقت فرنسا العمل بالدستور وحلّت مجلس النواب لمنع انتخابه. ولم يكن ذلك مجرد إجراء إداري، بل تدخلًا سياسيًا مباشرًا لحماية تصوّرها للتوازنات اللبنانية، انطلاقًا من حسابات استعمارية، وهواجس التوازن الطائفي، وطبيعة الكيان اللبناني الناشئ، أكثر منها موقفًا دينيًا عقائديًا مباشرًا. لذا، تعاملت باريس، بالرغم من علمانيتها الداخلية، مع لبنان بمنطق إدارة الطوائف، ورأت في الموارنة الحليف التاريخي الموثوق والأقرب إليها، وخشيت أن يؤدي وصول مسلم إلى الرئاسة الأولى إلى إضعاف “الطابع المسيحي” للبنان الكبير. كما وقفت البطريركية المارونية، وخصوصًا البطريرك أنطون عريضة، ضد انتخاب الجسر، بينما أيد بعض النواب المسيحيين ترشيحه انطلاقًا من رغبة في تعزيز اللحمة الوطنية وتخفيف الاحتقان الإسلامي تجاه الانتداب ولبنان الكيان الجديد. وقد رأى باحثون، ككمال الصليبي ووجيه كوثراني وإدمون رباط وإدمون نعيم وأنطوان مسرّة وغيرهم، في هذا الحدث خرقًا للإرادة الدستورية الوطنية الوليدة.

وقبيل الاستقلال، انفجرت أزمة المرسومين 49 و50 في عهد الرئيس المؤقت أيوب ثابت، عندما جرى رفع عدد النواب من 42 إلى 54، بحيث يكون 32 نائبًا للمسيحيين و22 للمسلمين، مع فتح الباب أمام مهاجرين لبنانيين يحملون جنسيات أجنبية لاستعادة الجنسية اللبنانية والمشاركة في الانتخابات، في خطوة اعتبرها معارضوها محاولة لإعادة هندسة التوازن الديموغرافي والسياسي لمصلحة المسيحيين. ولم يكتسب المرسومان بعدًا دستوريًا لأنهما أعادا رسم الهيئة الناخبة والتمثيل النيابي بقرار صادر تحت سلطة الانتداب، لا عبر مسار برلماني طبيعي. فأثار ذلك احتجاجات واسعة من “الكتلة الإسلامية” وتدخلًا عربيًا انتهى بتسوية على قاعدة 30 نائبًا للمسيحيين و25 للمسلمين. وهذه المسألة أعادت طرح ما إذا كان الدستور هو المرجعية العليا، أم أن الانتداب يبقى فوقه سياسيًا ودستوريًا.

وعشية الاستقلال في العام 1943، رفض الانتداب التعديلات الدستورية التي أقرها المجلس النيابي لتكريس استقلال لبنان وتقليص صلاحيات المفوض السامي، فلجأت فرنسا إلى اعتقال رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح وعدد من الوزراء في قلعة راشيا. وشكّل ذلك ذروة الصدام بين الشرعية الدستورية اللبنانية وسلطة الانتداب، وكشف أن الدستور بقي، حتى عشية الاستقلال، خاضعًا في نهاية المطاف لإرادة القوة الخارجية.

ثالثًا: من الدولة الدستورية إلى دولة الزعامات (1943-1969)

مع الاستقلال في العام 1943، بدا أن لبنان يدخل مرحلة الدولة الدستورية الحرة، بعدما تخلص رسميًا من سلطة الانتداب. غير أن السنوات التالية أظهرت تدريجيًا انتقال الخلل من الوصاية الخارجية المباشرة إلى الداخل اللبناني نفسه، حيث بدأت الطائفية السياسية والزعامات والمصالح الشخصية تتقدم على منطق الدولة والمؤسسات. وهكذا، لم يعد الخرق الدستوري مرتبطًا فقط بالمفوض السامي الفرنسي، بل تطور ليصبح جزءًا من الثقافة السياسية المحلية.

وقد ظهرت أولى تلك الأزمات الكبرى بين العامين 1947 و1949، عندما سعى الرئيس بشارة الخوري إلى تعديل المادة 49 من الدستور لتجديد ولايته، بعدما كانت الانتخابات النيابية للعام 1947 قد وُجهت إليها اتهامات واسعة بالتزوير والتدخل لمصلحة العهد بهدف تأمين أكثرية نيابية موالية له. وكان الدستور اللبناني يمنع إعادة انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة بعد انتهاء ولايته، إذ يشترط مرور ست سنوات قبل إمكان إعادة الانتخاب.

وفي هذا السياق، ظهرت عريضة وقّعها أكثر من أربعين نائبًا لتعديل الدستور، ما أثار ردود فعل سياسية وفكرية واسعة. لكن المفارقة أن أبرز المعترضين على التعديل كان ميشال شيحا نفسه، أحد أبرز واضعي فلسفة النظام اللبناني وصهر الرئيس بشارة الخوري. وقد رفض شيحا تعديل الدستور لأجل شخص، مهما كانت مكانته، معتبرًا أن ذلك يحوّل الدستور إلى أداة بيد السلطة بدل من أن يبقى مرجعية فوقها. واكتسب موقفه بعدًا أخلاقيًا ودستوريًا بالغ الأهمية، لأنه كشف مبكرًا هشاشة الثقافة الدستورية في لبنان، واستعداد القوى السياسية لتطويع النصوص خدمةً للمصالح والسلطة.

ومع تصاعد الصراع الإقليمي في الخمسينيات، دخل لبنان تدريجيًا في مرحلة جديدة من اهتزاز الميثاق الوطني نفسه. ففي ظل الأحلاف الغربية، كمشروع حلف بغداد ومبدأ أيزنهاور، وصعود الناصرية بعد حرب السويس في العام 1956، انقسم اللبنانيون بين محورين متناقضين. فبينما اقترب الرئيس كميل شمعون والأوساط المارونية المؤيدة له من الغرب، انجذب كثير من المسلمين إلى جمال عبد الناصر ومشاريع الوحدة العربية. وفي الحالتين، جرى تجاوز فلسفة الميثاق الوطني القائمة على تحييد لبنان عن صراعات المحاور، والتي كان رياض الصلح قد لخّصها بمقولته الشهيرة: “لا شرق ولا غرب”.

وقد تحولت الأزمة إلى مواجهة مفتوحة صيف العام 1958، وسط اتهامات المعارضة للسلطة بتزوير الانتخابات النيابية، ومحاولة الرئيس شمعون تجديد ولايته بصورة غير مباشرة، ما أدى إلى اندلاع حرب قصيرة انتهت بتسوية أميركية-مصرية أتت بقائد الجيش فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية. وأظهرت تلك الأزمة أن النصّ الدستوري والميثاق الوطني لم يعودا كافيين وحدهما لضبط التوازنات اللبنانية، وأن التدخلات الخارجية والانقسامات الطائفية باتت أقوى من المؤسسات نفسها.

وفي النصف الثاني من الستينيات، بدأت تظهر تحولات أكثر خطورة مع تصاعد العمل الفدائي الفلسطيني انطلاقًا من الأردن، ثم انتقاله إلى لبنان في العامين 1970 و1971، بعد الصدامات الدموية بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية التي حاولت إقامة دولة لها داخل المملكة. وقد فتح النظام السوري أراضيه أمام عبور الفدائيين الفلسطينيين إلى لبنان، لخلق الظروف المناسبة التي ستمكنه لاحقًا من التدخل في لبنان. وقد لقي التموضع الفلسطيني المقاوم في لبنان تعاطف واسع داخل البيئة الإسلامية، في مقابل تنامي القلق المسيحي من تحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة مع إسرائيل. وكان ذلك تمهيدًا لمرحلة جديدة انتقلت فيها الأزمة من مستوى الصراع السياسي والطائفي إلى مستوى المساس المباشر بسيادة الدولة واحتكارها للسلاح.

رابعًا: سقوط السيادة الدستورية (1969-1990)

على إثر الاشتباكات بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية المتطاولة على السيادة اللبنانية، عُقد “اتفاق القاهرة” بين ياسر عرفات وقائد الجيش اللبناني العماد إميل بستاني خريف العام 1969، في خطوة شكّلت نقطة تحول مفصلية في مسار الدولة اللبنانية، لأنها نقلت الأزمة من إطار الخلافات السياسية والطائفية إلى مستوى السيادة الدستورية نفسها. أما لماذا تلكأ رئيس الحكومة المعتكف رشيد كرامي عن ممارسة دوره، فهذا يعود ربما إلى خشيته من التوقيع على تنازل خطير عن السيادة اللبنانية لمصلحة قوى ميليشياوية غريبة. فتولى قائد الجيش عمليًا تفاوضًا سياسيًا-أمنيًا مصيريًا. وقد نص الاتفاق، الذي وُقّع بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية برعاية مصرية، على تنظيم العمل الفدائي الفلسطيني داخل لبنان، ومنح الفلسطينيين هامشًا واسعًا للتحرك العسكري داخل المخيمات وفي مناطق جنوبية، ولا سيما في منطقة العرقوب.

غير أن الاتفاق أثار منذ البداية جدلًا دستوريًا وسياديًا واسعًا. فمجلس النواب اللبناني لم يصادق عليه كنصّ مستقلّ وفقًا للأصول الدستورية الخاصة بالمعاهدات، بل اكتفى بأخذ العلم به خلال جلسات الثقة بحكومة رشيد كرامي أواخر العام 1969، من دون أن يُعرض نصّ الاتفاق مسبقًا على النواب لإبرامه أو التصويت عليه بصورة مستقلة. وقد اشتكى بعض النواب آنذاك من أنهم لم يطّلعوا على الاتفاق، واعتبر بعضهم أنه “معاهدة” كان يفترض عرضها على المجلس النيابي قبل إبرامها.

وقد رأى معارضو الاتفاق أنه لم يشكل فقط تجاوزًا للأصول الدستورية، بل مسًّا مباشرًا بسيادة الدولة اللبنانية ووحدة سلطتها على أراضيها، لأنه شرعن وجود قوة عسكرية غير لبنانية خارج إطار الدولة، وقيّد سلطة الجيش داخل بعض المخيمات، وسمح باستخدام الأراضي اللبنانية منطلقًا للعمل العسكري ضد إسرائيل. واعتبر هؤلاء أن الاتفاق أوجد واقعًا أمنيًا استثنائيًا داخل أجزاء من الأراضي اللبنانية، ما شكّل انتقاصًا من مبدأ احتكار الدولة للسلاح والقوة العسكرية. كما رأوا أنه ناقض اتفاق الهدنة اللبناني-الإسرائيلي للعام 1949، عبر تحويل أجزاء من لبنان إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.

ومع اندلاع الحرب اللبنانية في العام 1975، دخل لبنان عمليًا مرحلة انهيار الدولة الدستورية. فقد تراجعت سلطة المؤسسات أمام منطق الميليشيات والسلاح، وتحولت التسويات العسكرية والطائفية إلى بديل من الدستور. وفي هذا السياق، دخل الجيش السوري إلى لبنان بين أواخر العام 1975 وبداية العام التالي، بتفاهمات محلية وإقليمية ودولية، ومن دون معاهدة رسمية بين بيروت ودمشق، أو تصديق دستوري واضح من مجلس النواب اللبناني. وبالرغم من أن بعض القوى اللبنانية، وخصوصًا في البيئة المسيحية، رأت في التدخل السوري آنذاك وسيلة لحمايتها من انهيار موازين القوى، فإن وجود جيش أجنبي طويل الأمد على الأراضي اللبنانية من دون إطار دستوري واضح شكّل سابقة خطيرة في الحياة السياسية اللبنانية، سرعان ما أدركها الموارنة بعد قليل.

وفي ظل حرب لبنان، تمددت الخروق الدستورية بصورة غير مسبوقة. فقد مُدّدت ولاية المجالس النيابية لنفسها مرارًا، وتعطلت الانتخابات الطبيعية، وجرى التعامل مع قضايا مصيرية عبر الاتفاقات السياسية والميدانية لا عبر المؤسسات. كما شهدت بدايات تلك المرحلة ما عُرف بـ”الوثيقة الدستورية” في العام 1976، التي أعلنها الرئيس سليمان فرنجية بالتنسيق مع سورية، من دون تفويض دستوري واضح يسمح بإعادة صياغة التوازنات السياسية بهذا الشكل.

وشكّل “اتفاق 17 أيار” في العام 1983 مفارقة دستورية وسياسية لافتة في تاريخ لبنان المعاصر. فعلى خلاف اتفاقات وتسويات أخرى جرى التوصل إليها خارج المؤسسات، سلك الاتفاق مع إسرائيل مسارًا دستوريًا رسميًا، إذ وافقت عليه الحكومة اللبنانية وصادق عليه مجلس النواب وفق الأصول. غير أن الاتفاق سقط عمليًا تحت ضغط سورية وحلفائها في الداخل، قبل أن يُلغى رسميًا لاحقًا. وقد كشف ذلك أن الشرعية الدستورية نفسها باتت عاجزة عن فرض نتائجها عندما تتعارض مع موازين القوى الإقليمية والعسكرية، وأن القرار الفعلي في لبنان لم يعد محصورًا بالمؤسسات الدستورية وحدها. ثم جاء “الاتفاق الثلاثي” في العام 1985 بين حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية برعاية سورية، ليعكس انتقال السلطة الفعلية من الدولة إلى الميليشيات المسلحة، بدلًا من المؤسسات الدستورية.

وهكذا، لم تعد الأزمة اللبنانية في تلك المرحلة مجرد أزمة نصوص أو ثغرات دستورية، بل أزمة انهيار لفكرة الدولة نفسها. فقد تراجعت المرجعية الدستورية أمام منطق القوة والسلاح والتدخلات الخارجية، وتحول لبنان تدريجيًا من دولة ذات مؤسسات إلى ساحة تديرها التوازنات العسكرية والطائفية والإقليمية.

خامسًا: الطائف بين الإصلاح والتعطيل (1990-2005)

شكّل “اتفاق الطائف” في العام 1989 محطّة مفصلية في التاريخ اللبناني المعاصر. فقد نجح في إنهاء الحرب الداخلية وإعادة توحيد المؤسسات رسميًا، كما أعاد توزيع الصلاحيات بين الرئاسات والمناصفة بين الطوائف بصورة هدفت إلى تخفيف الاحتقان التاريخي بين المسيحيين والمسلمين. غير أن الطائف، بالرغم من أهميته في وقف الحرب، لم ينجح في بناء دولة دستورية مستقرة، بل أسّس، في جوانب كثيرة، لنظام قابل للتعطيل والتأويل المستمر.

فقد نقل الاتفاق جزءًا كبيرًا من صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، لكن من دون وضع آليات حاسمة وواضحة لاتخاذ القرار عند الأزمات الكبرى، أو عند تعارض الإرادات الطائفية داخل الحكومة. وبرعاية الاحتلال السوري، تحولت السلطة التنفيذية تدريجيًا إلى ساحة منازعات بين القوى السياسية والطائفية، بدل أن تكون مركزًا موحدًا لإدارة الدولة.

كما بقيت بنود أساسية من الطائف خارج التنفيذ، وفي مقدمها: إلغاء الطائفية السياسية تدريجيًا، وإنشاء مجلس شيوخ، وانتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي، وتطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة. وقد رأى كثير من الباحثين أن الوصاية السورية أدّت دورًا أساسيًا في تعطيل هذه البنود، لأنها كانت تفضّل الإبقاء على نظام طائفي هش يسهل التحكم بتوازناته الداخلية. فإلغاء النظام الطائفي كان سيُسقط عاملًا مهمًا من عوامل عدم الاستقرار السياسي والمجتمعي، ويوحّد اللبنانيين على أساس مواطنين لا أبناء طوائف.

وفي هذا السياق، تحولت الحياة الدستورية اللبنانية تدريجيًا إلى جزء من منظومة النفوذ السوري في لبنان. فجرى التلاعب بقوانين الانتخابات والدوائر الانتخابية بصورة تخدم القوى التابعة لدمشق، وتمنع وصول معارضين فعليين إلى مجلس النواب. كما أُعيد رسم بعض الدوائر وفق اعتبارات سياسية مباشرة، كما حصل في الجبل لتأمين التوازنات التي تناسب السلطة السورية والحليف الجنبلاطي.

ومنذ العام 1990، حُصرت صلاحية تفسير الدستور بمجلس النواب بدلا من المجلس الدستوري، ما جعل السلطة السياسية نفسها المرجع النهائي في تفسير النصوص الدستورية المتعلقة بصلاحياتها ونزاعاتها. وقد اعتبر عدد من رجال القانون أن هذا الأمر جرّد القضاء الدستوري من أحد أهم أدواره، وأبقى النظام اللبناني أسير التفسيرات السياسية المتبدلة. كذلك، تحولت المراسيم الاشتراعية تدريجيًا من أداة استثنائية تقنية إلى وسيلة سياسية تُستخدم وفق موازين القوى، في ظل تراجع الدور التشريعي الطبيعي لمجلس النواب. وفي أحيان كثيرة، خضعت عملية التشريع نفسها للاعتبارات السياسية والإقليمية أكثر من خضوعها لمنطق المؤسسات الدستورية.

وشهدت مرحلة الاحتلال السوري أيضًا واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، تمثلت في فرض مرسومي التجنيس والإعلام الصادرين في العام 1994. فقد مُنحت الجنسية اللبنانية لعشرات آلاف الأشخاص، كان نحو ثلثيهم من المسلمين، بينهم عدد كبير من السوريين والفلسطينيين وغيرهم. وقد أثار المرسوم اعتراضات سياسية وقانونية واسعة، لأن منتقديه رأوا فيه عملية تجنيس ذات خلفيات سياسية وديموغرافية تهدف إلى إعادة تشكيل بعض التوازنات الانتخابية والطائفية على حساب المسيحيين بما يخدم النفوذ السوري وحلفاءه في الداخل اللبناني. واعتبر معارضو المرسوم أن استعمال قانون الجنسية بهذا الشكل حوّل أداة سيادية يفترض أن ترتبط بالمصلحة الوطنية العليا إلى وسيلة سياسية مرتبطة بموازين القوى الإقليمية والانتخابية. أما قانون الإعلام المرئي والمسموع، فصدر كذلك في ظل موازين القوى السورية، ما اعتبره منتقدون محاولة لتنظيم المجال الإعلامي بما يحدّ من الأصوات المعارضة ويكرّس النفوذ السياسي القائم.

وشهدت المرحلة أيضًا تمديد ولاية الرئيس إلياس الهراوي في العام 1995، ثم تعديل الدستور مجددًا في العام 2004 للتمديد للرئيس إميل لحود، تحت ضغط سوري واضح، ما أعاد تكريس فكرة أن النصّ الدستوري قابل للتعديل كلما تعارض مع مصالح السلطة الفعلية. كما جرى تجاوز روحية الدستور عبر إيصال موظفين كبار إلى الرئاستين الأولى والثالثة قبل انقضاء المهلة الدستورية المفترضة لابتعادهم عن الوظيفة العامة. في المقابل، أبقى الاحتلال السوري رئاسة مجلس النواب حكرًا على نبيه برّي منذ العام 1992.

كما جرى عمليًا إفراغ “المناصفة” التي نص عليها اتفاق الطائف من بعدها الوطني التوافقي، وتحويلها تدريجيًا إلى أداة محاصصة سياسية وطائفية داخل مؤسسات الدولة والإدارات والوزارات. ومع الوقت، ظهرت أعراف سياسية غير منصوص عليها في الدستور، تمثلت في احتكار طوائف أو قوى معينة لوزارات محددة واعتبارها “حقوقًا مكتسبة”، ما عمّق الطابع الطائفي للنظام بدل أن يدفع نحو بناء دولة المواطنة التي نص عليها الطائف نظريًا. ولا ننسى بدعة حصول الرؤساء الثلاثة على وزراء لهم في الحكومات.

وهكذا، بدا لبنان في مرحلة ما بعد الطائف وكأنه خرج من الحرب عسكريًا، لكنه لم يدخل بالكامل في دولة المؤسسات. فقد بقي الدستور محكومًا بالتوازنات السورية-اللبنانية وبالأعراف الطائفية، أكثر من خضوعه لمنطق الدولة الحديثة وسيادة القانون.

سادسًا: ما بعد 2005 — الدولة المعلّقة

مع خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بدا وكأن البلاد تدخل مرحلة استعادة السيادة والدولة الدستورية. غير أن السنوات التالية أظهرت أن الأزمة اللبنانية كانت أعمق من مجرد وجود عسكري سوري، وأن ثقافة التعطيل والتسويات فوق الدستور أصبحت جزءًا من الثقافة السياسية وبنية النظام نفسه.

ففي مرحلة ما بعد 2005، انتقل لبنان تدريجيًا من الوصاية السورية المباشرة إلى واقع جديد يقوم على ازدواجية الدولة وسلاح حزب الله، وعلى تعطيل المؤسسات كلما تعارضت نتائجها مع موازين القوى الداخلية. وقد برز ذلك بصورة واضحة مع تصاعد نفوذ الثنائي الشيعي، ولا سيما حزب الله، الذي امتلك قوة عسكرية وتنظيمية تفوق قدرات الدولة نفسها، واحتفظ عمليًا بقرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية.

وقد شهد لبنان بين العامين 2006 و2016 واحدة من أخطر مراحل تعطيل المؤسسات الدستورية في تاريخه المعاصر. فاستقالة الوزراء الشيعة من حكومة فؤاد السنيورة في العام 2006، ثم الاعتصام الطويل في وسط بيروت، أدخلا البلاد في جدل حول “الميثاقية” وشرعية الحكومة، وقد تحولت الميثاقية تدريجيًا من مبدأ دستوري لحماية العيش المشترك إلى أداة لتعطيل المؤسسات الدستورية وإسقاطها أو شلّها سياسيًا.

ثم جاءت أحداث 7 أيار 2008 لتكرّس بصورة أوضح انتقال جزء من القرار السياسي من الدولة إلى موازين القوة العسكرية. وبعدها وُلد “اتفاق الدوحة” بوصفه تسوية سياسية جرى التوصل إليها خارج المؤسسات اللبنانية، ثم تُرجمت لاحقًا داخلها عبر انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة واعتماد قانون انتخاب. وقد عكس الاتفاق نمطًا بات متكررًا في الحياة اللبنانية: تسويات كبرى تُصاغ خارج المؤسسات، ثم يُطلب من المؤسسات الدستورية المصادقة عليها أو تنفيذها لاحقًا.

وبالرغم من أن مفهوم “الثلث الضامن” الذي اعتمد بعد “اتفاق الدوحة” لم يكن منصوصًا عليه في الدستور، فإن مؤيديه اعتبروه منسجمًا مع روح النظام التوافقي الذي كرّسه الطائف، بوصفه ضمانة للشراكة ومنعًا لهيمنة أكثرية سياسية على القرار الوطني. غير أن خصومه رأوا فيه عرفًا سياسيًا تحوّل عمليًا إلى أداة تعطيل للمؤسسات وشلّ عمل حكومات 14 آذار.

وفي مشهد شديد الدلالة على تراجع المرجعية الدستورية اللبنانية، عُقد أواخر تموز 2010 اجتماع في دمشق ضم الرئيس السوري بشار الأسد والعاهل السعودي الملك عبد الله والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، في ظل تغييب رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان عن اجتماع بحث عمليًا في مصير الأزمة اللبنانية والتوازنات الداخلية. وقد رأى كثير من خصوم حزب الله في هذا المشهد تجاوزًا خطيرًا للأصول الدستورية والسيادية، لأن طرفًا لبنانيًا غير رسمي شارك في إدارة ملفات سيادية تخص الدولة اللبنانية خارج مؤسساتها الدستورية، وفي موقع موازٍ أو متقدم على رئاسة الجمهورية نفسها.

وفي سابقة أثارت جدلًا دستوريًا وسياسيًا واسعًا، أعلن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، عقب إسقاط حكومة سعد الحريري في العام 2011، دعمه الصريح لتسمية نجيب ميقاتي رئيسًا للحكومة، مستبقًا الاستشارات النيابية الملزمة. ورأى خصوم الحزب في ذلك تجاوزًا لروح الدستور، لأن تسمية رئيس الحكومة يفترض أن تنتج من استشارات يجريها رئيس الجمهورية مع الكتل النيابية، لا عن إعلان مسبق من قوة سياسية تمتلك نفوذًا عسكريًا كبيرًا. وقد عكس ذلك، في نظر معارضيه، حجم التحول الذي أصاب النظام اللبناني، حيث باتت موازين القوى السياسية والأمنية تتقدم أحيانًا على الآليات الدستورية الطبيعية.

وفي السنوات بين 2006 و2016، تكررت ظاهرة تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية وكذلك الاستشارات التي تسبق تعيين رئيس لمجلس الوزراء، ما جعل الموقعين شاغرين، خصوصًا موقع الرئاسة الأولى، بسبب تعطيل جلسات الانتخاب عبر سلاح النصاب. وهكذا، تحولت آليات دستورية وُجدت لضمان التوافق إلى وسائل لتعطيل النظام نفسه.

لكن التحول الأخطر تمثل في ترسخ معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” في البيانات الوزارية منذ العام 2008، وداخل الحياة السياسية اللبنانية، بالرغم من أن الدستور اللبناني لا ينصّ على وجود قوة عسكرية موازية للجيش اللبناني أو شريكة له في قرار الحرب والسلم. كما أن حصول حزب الله على التمويل والسلاح من إيران خارج مؤسسات الدولة شكّل، في نظر خصومه، مخالفة قانونية جوهرية لمبدأ سيادة الدولة ووحدتها العسكرية والأمنية.

ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر يقتصر على وجود سلاح خارج إطار الدولة، بل تعدّاه إلى ربط لبنان علنًا بالمحور الإيراني الإقليمي. فمشاركة حزب الله في الحرب السورية، ثم انخراطه في ما سُمّي لاحقًا “إسناد غزة” منذ حرب 2023، وأخيرًا “إسناد إيران” في العام 2026، عكست، في نظر معارضيه، ذروة الخروج على الدولة الدستورية، لأن قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والسياسة الخارجية والأمن القومي باتت تُتخذ خارج مجلس الوزراء والمؤسسات الدستورية اللبنانية. وقد زاد الجدل بعد تصريحات للأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أوحت باستعداد الحزب للانخراط في أي مواجهة كبرى تخوضها إيران، الأمر الذي اعتبره خصوم الحزب تجاوزًا غير مسبوق لمفهوم الدولة الدستورية واحتكارها قرار الحرب والسلم. كما كشف غياب أي مساءلة قضائية أو دستورية فعلية لهذه المواقف حجم التراجع الذي أصاب مؤسسات الدولة الرقابية والقضائية أمام موازين القوى السياسية والعسكرية.

سابعًا: الاستنتاج

هكذا، لم تعد الأزمة اللبنانية في العقود الأخيرة مجرد خلافات حول تفسير بعض المواد الدستورية أو توزيع الصلاحيات بين الطوائف، بل تحولت تدريجيًا إلى أزمة سيادة ومرجعية واحتكار للقرار الوطني نفسه. فكلما ضعفت الدولة، تقدمت التسويات والأعراف والسلاح والمحاور الإقليمية على حساب النصوص والمؤسسات، إلى أن بات الدستور في كثير من الأحيان عاجزًا عن تنظيم الحياة السياسية وضمان الحقوق، أو فرض سلطته على القوى الفعلية في البلاد. ومن هنا، فإن خطورة التجربة اللبنانية لا تكمن فقط في تكرار خرق الدستور، بل في اعتياد الطبقة السياسية والقوى النافذة على التعامل معه كنصّ قابل للتعليق أو الالتفاف أو التأويل تبعًا لموازين القوى، لا كمرجعية عليا ثابتة للدولة والمجتمع.

فالدستور اللبناني لم يسقط دفعة واحدة، بل جرى تقييده تدريجيًا عبر الوصايات والتسويات والحروب والأعراف والسلاح، حتى أصبحت المرجعية الفعلية في كثير من المحطات لموازين القوى لا للنصوص الدستورية. ومن هنا، فإن استعادة الدولة اللبنانية لا تبدأ فقط بإصلاح بعض المواد أو تعديل بعض البنود، بل بإعادة بناء ثقافة سياسية تؤمن بأن الدستور هو المرجعية العليا للدولة، لا مجرد نص يُستدعى عند الحاجة ويُعطّل عند تبدّل الموازين.

https://hura7.com/?p=79503

الأكثر قراءة