جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد
تدخل الجاهزية الدفاعية الأوروبية مرحلة جديدة مع إصدار أول تقرير سنوي للاتحاد الأوروبي حول الجاهزية الدفاعية، والذي أعدته وكالة الدفاع الأوروبية بمساهمة من المفوضية الأوروبية ودائرة العمل الخارجي الأوروبي وهيئة الأركان العسكرية للاتحاد الأوروبي. ويأتي التقرير في سياق أمني متغير يفرض على الدول الأوروبية إعادة تقييم قدراتها الدفاعية، ليس فقط من حيث حجم الإنفاق، وإنما أيضًا من حيث سرعة تطوير القدرات والإنتاج الصناعي والتعاون بين الدول.
يشير التقرير إلى أن أوروبا حققت تقدمًا ملموسًا في زيادة الإنفاق الدفاعي خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ إنفاق الدول الأعضاء 418 مليار يورو في عام 2025، بما يعادل نحو 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، مع توقعات بارتفاعه إلى 547 مليار يورو بحلول عام 2029. وتعكس هذه الأرقام تحولًا واضحًا في مستوى الأولوية التي تحظى بها قضايا الدفاع داخل السياسات الأوروبية.
ومع ذلك، فإن ارتفاع الإنفاق لا يعني بالضرورة إغلاق فجوات القدرات. فالتحدي الذي تواجهه الدول الأعضاء يتمثل في تحويل الموارد المالية الإضافية إلى قدرات عسكرية فعلية وقابلة للاستخدام، بما يشمل المعدات والذخائر والبنية التحتية والجاهزية العملياتية. ومن هنا تبرز أهمية التركيز على كيفية توجيه الاستثمارات، وليس فقط على حجمها.
يقيّم التقرير الجاهزية الأوروبية عبر أربعة مجالات مترابطة: الإنفاق الدفاعي، والقدرات، والصناعة الدفاعية، والشراكات. وفي مجال القدرات، يجري العمل عبر تسعة مجالات ذات أولوية، مع تسجيل تقدم ملحوظ في قدرات الطائرات المسيّرة ومكافحتها، إلى جانب المجال البحري. غير أن استمرار بعض الفجوات يشير إلى أن تعزيز القدرات يحتاج إلى مسار طويل الأمد يتجاوز الزيادة في الموازنات.
أما قطاع الصناعات الدفاعية، فيواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في زيادة الطاقة الإنتاجية وضمان أمن سلاسل الإمداد. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل ارتفاع الطلب الأوروبي على المعدات والذخائر، والحاجة إلى تطوير التكنولوجيا والابتكار والحفاظ على قدر من المنافسة داخل السوق الدفاعية الأوروبية. وبالتالي، فإن الجاهزية لا ترتبط بالقدرة على شراء المعدات فحسب، بل أيضًا بامتلاك قاعدة صناعية قادرة على إنتاجها وصيانتها وتطويرها عند الحاجة.
تبرز الشراكات كذلك باعتبارها عنصرًا أساسيًا في التصور الأوروبي للجاهزية الدفاعية. ويظل التعاون بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو محورًا مهمًا، إلى جانب توسيع التعاون مع الشركاء الذين تتقاطع معهم المصالح الأمنية. وفي هذا السياق، تحظى أوكرانيا بمكانة خاصة نتيجة خبرتها العملياتية وتطور قدراتها التكنولوجية والصناعية الدفاعية خلال الحرب.
يكشف التقرير، في مجمله، أن الوصول إلى هدف الجاهزية الدفاعية الأوروبية بحلول عام 2030 لن يعتمد على مؤشر واحد. فزيادة الإنفاق تمثل خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى أن تترافق مع سد فجوات القدرات، وتوسيع الإنتاج الصناعي، وتعزيز الابتكار، وتحسين التعاون بين الدول الأوروبية والشركاء. ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة سيكون في مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل الالتزامات المالية والسياسية إلى جاهزية دفاعية قابلة للقياس والاستدامة.


