جريدة الحرة بيروت
خاص ـ اجتمع القادة الأوروبيون في قبرص لمناقشة المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي بشأن الدفاع المشترك، في ظل تراجع التزام الولايات المتحدة تجاه حلف الناتو في عهد الرئيس دونالد ترامب. فبينما تعزز الاعتماد على الذات الأوروبي، أثارت مخاوف من أنها قد تُضعف دور الناتو وتزيد من عزلة واشنطن
. فمع تراجع التزام الولايات المتحدة تجاه حلف الناتو في عهد الرئيس دونالد ترامب، اجتمع القادة الأوروبيون في قبرص في 24 أبريل 2026 لمناقشة المادة 42.7 من ميثاق الاتحاد الأوروبي بشأن الدفاع المشترك، إلا أن هذه المادة قد تُثبت أنها سلاح ذو حدين.
المادة 42.7 لا يمكنها منافسة حلف الناتو أو استبداله
في حين أن تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يحسن الاكتفاء الذاتي، إلا أن بعض الدول الأعضاء تخشى أن يؤدي ذلك إلى طمس الخط الفاصل بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وزيادة عزلة ترامب.
أكدت الدول الأوروبية، ولا سيما دول الشرق التي تواجه أكبر تهديد من روسيا، أن المادة 42.7 لا يمكنها منافسة حلف الناتو أو استبداله، بل يجب أن تُكمّله. صرح وزير الدفاع اللاتفي أندريس سبرودس أن جهود الاتحاد الأوروبي للانخراط بشكل أكبر في الدفاع والأمن الأوروبي موضع ترحيب، لكن المادة 42.7 يجب أن تكون “متسقة مع المادة 5 من حلف الناتو ولكن لا تتنافس معها” وهي المادة التي تدعم مبدأ الدفاع الجماعي للحلف.
قبرص تقود الدعوات إلى دور أكبر للاتحاد الأوروبي في مجال الدفاع
لكن أعضاء الاتحاد الأوروبي مثل قبرص، التي ليست جزءا من حلف الناتو، يريدون توضيحات بشأن المادة 42.7 وتأكيدات من التكتل فيما يتعلق بأمنهم. قال الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس إن قادة الاتحاد الأوروبي اتفقوا في 23 ابريل من العام 2026 على ضرورة وضع “خطة عمل” لتفعيل المادة 42.7.
ففي الوضع الراهن، لا يوجد يقين بشأن كيفية استجابة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إذا ما لجأت دولة ما إلى المادة 42.7. وقد تم تفعيل بند الدفاع المشترك مرة واحدة فقط، في عام 2015 عندما طلبت فرنسا من حلفائها الأوروبيين تقديم الدعم في عملياتها ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم أن دولاً عديدة قدمت المساعدة، إلا أنها كانت متفرقة ولم تُنفذ عبر أي آلية مؤسسية معتمدة.
واستشهد كريستودوليدس بهذا المثال قائلا: “لنفترض أن فرنسا فعّلت المادة 42.7. ما هي الدول التي ستكون أول من يستجيب؟ ما هي احتياجات الدولة التي فعّلت المادة 42.7؟”.
احتلت قبرص مكانة مركزية في مناقشات الأمن الأوروبي بعد تعرضها لهجوم إيراني في مارس 2026. وبينما نشر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قوات عسكرية لدعم الجزيرة، وأرسلت المملكة المتحدة سفينة حربية لتعزيز قواتها الجوية المتمركزة هناك، إلا أن هذه التحركات كانت بدافع حسن النية لا عبر أي آلية رسمية.
الاتحاد الأوروبي يعتزم توسيع المادة 42.7 لتكملة اتفاقية حلف شمال الأطلسي
تنص المادة 42.7 على ما يلي: “إذا كانت دولة عضو ضحية عدوان مسلح على أراضيها، فإن الدول الأعضاء الأخرى ملزمة تجاهها بتقديم العون والمساعدة بكل الوسائل المتاحة لها، وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة”.
لا يحدد هذا البند الأدوار أو المسؤوليات، ولا يحدد طبيعة المساعدة التي سيتم تقديمها. ويرغب قادة الاتحاد الأوروبي في معالجة هذه الثغرات. كان من المتوقع أن تقدم وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إحاطة لقادة الاتحاد الأوروبي يوم الخميس بشأن المادة 42.7.
وذكر التقرير أن المناقشات التي جرت ستتبعها اجتماع في الرابع من مايو 2026 لإجراء تمرين محاكاة حول تفعيل المادة. وبحسب التقرير، سيقوم مبعوثون من الدول الأعضاء باختبار سيناريو هجوم هجين تقوم فيه دولتان، إحداهما في الجنوب والأخرى في الشرق، بتفعيل المادة 42.7.
ومن المتوقع أن يبحثوا عن طرق لتقديم المساعدة بموجب البند الذي يكمل حلف الناتو بدلا من استبداله. فمنذ حرب أوكرانيا، ركز الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد على الأمن والدفاع، حيث أطلق برنامجا رئيسيا لإعادة التسلح ووقع اتفاقيات دفاعية مع العديد من الدول.
تشير النقاشات المرتبطة بالمادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي إلى أن أوروبا تقف أمام مرحلة إعادة تعريف عميقة لهندسة أمنها الجماعي، في ظل تراجع نسبي في يقين الالتزام الأمريكي داخل حلف الناتو، خصوصا في سياق سياسات أكثر أحادية في عهد دونالد ترامب.
هذا التحول لا يعني بالضرورة انهيار المنظومة الأطلسية، لكنه يفتح الباب أمام نموذج أوروبي أكثر استقلالية، وإن كان محفوفا بالتعقيد المؤسسي والتباين السياسي بين الدول الأعضاء.
ستبقى المادة 42.7 إطارا سياسيا أكثر منها آلية تنفيذية واضحة. فغياب التحديد الدقيق لطبيعة الالتزام العسكري، وآليات الاستجابة، وسلسلة القيادة، يجعلها أداة رمزية تعكس التضامن الأوروبي أكثر مما تنتج قوة ردع فورية.
ومع ذلك، فإن تزايد الحديث عن “خطة عمل” وتفعيل آليات محاكاة يشير إلى بداية انتقال تدريجي من التضامن السياسي إلى هندسة تشغيلية أكثر وضوحا.
يمكن توقع أن تتجه أوروبا نحو تطوير بنية دفاعية مزدوجة الطبقات. الطبقة الأولى ستظل مرتبطة بحلف الناتو بوصفه الضامن العسكري الأساسي، خاصة في مواجهة التهديد الروسي المباشر.
أما الطبقة الثانية، فستتمثل في بناء قدرة أوروبية داخلية للاستجابة للأزمات الإقليمية والهجينة، سواء عبر الاتحاد الأوروبي أو تحالفات فرعية داخلية. هذا التداخل سيخلق نظاما أمنيا مركبا، يقوم على التكامل بدل الاستبدال، لكنه سيظل عرضة للاختبار عند أول أزمة حقيقية.
قد يؤدي تفعيل تدريجي للمادة 42.7 إلى إعادة تشكيل مفهوم “الرد الجماعي” داخل أوروبا. فبدلا من الاستجابة التلقائية، ستظهر نماذج استجابة مرنة تعتمد على التحالفات الطوعية، وقدرات الدول، وطبيعة التهديد.
هذا التحول قد يعزز الكفاءة في بعض الحالات، لكنه في الوقت نفسه يطرح إشكالية التفاوت بين الدول الأوروبية، خصوصا بين دول الشرق الأكثر اعتمادا على الناتو، ودول الجنوب التي تدفع باتجاه استقلالية أكبر.
كما أن الحوادث الأمنية، مثل التوترات في قبرص أو الهجمات الهجينة المحتملة، ستشكل مختبرا عمليا لهذه المادة. فكل أزمة ستكشف حدودها التنظيمية، وستدفع نحو تعديلات تدريجية في آليات التنفيذ.
ومع تزايد هذا المسار، قد يتبلور نوع من “العرف الأمني الأوروبي” غير المكتوب، يحدد كيفية الاستجابة دون الحاجة إلى تفعيل رسمي صارم في كل مرة.
على المستوى الاستراتيجي، يمثل هذا التطور إعادة توزيع دقيقة لمفهوم السيادة الأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة. فبينما تحافظ واشنطن على دورها في الردع النووي والعسكري الثقيل، تسعى أوروبا إلى بناء قدرة على إدارة الأزمات الإقليمية والدفاع السيبراني والهجين. هذا التقسيم غير المعلن قد يحد من عزلة الولايات المتحدة من جهة، لكنه في المقابل يمنح أوروبا مساحة أوسع لصياغة أمنها الذاتي.
لا تتجه المادة 42.7 إلى أن تكون بديلا عن الناتو، بل إلى أن تتحول إلى طبقة مكملة داخل منظومة أمنية متعددة المستويات. غير أن نجاح هذا النموذج سيعتمد على عاملين حاسمين: مستوى الثقة بين الدول الأوروبية، ومدى استعدادها لتحمل كلفة التحول من الاعتماد إلى المشاركة الفعلية في الدفاع المشترك.


