جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في عالمنا المعاصر، نسمع كثيرًا عن مصطلحات مثل “الدولة المتخلفة”، “الدولة النامية”، و”الدولة الفاشلة”، وهذه جميعها تشير إلى حالات معينة من الضعف أو القصور في الأداء السياسي والاقتصادي. لكن في الحالة السورية، نكون أمام مفهوم جديد ومبتكر يمكن إضافته إلى تصنيفات الدول في مجال علم الاجتماع والسياسة، وهو مفهوم “الدولة التافهة”. هذا المصطلح يعبّر عن واقع فريد نراه في سوريا حيث تتخذ السلطات نهجًا يركز على شؤون تافهة، مع إبقاء الأزمات الحقيقية والملحة بعيدًا عن دائرة الاهتمام. فبدلًا من التركيز على الحلول العملية للمشكلات الأساسية التي تواجه المواطنين، نجد أن الدولة تنشغل بتصعيد قضايا ثانوية وشكليات تلهي الناس عن القضايا الجوهرية التي تتعلق ببقاء الإنسان نفسه.
الركود في معالجة القضايا الحقيقية
ما يميز “الدولة التافهة” هو العجز عن التعامل مع المشاكل الوجودية التي تؤثر في حياة المواطنين بشكل مباشر. فعندما يواجه المواطن السوري تحديات يومية لتأمين الحد الأدنى من احتياجاته الأساسية مثل الطعام، المسكن، والملبس، فإن مشكلات مثل قضايا المشروبات الروحية، المكياج، أو حتى اللباس، تصبح أمورًا لا تعني له شيئًا. كل هذه القضايا تظل هامشية أمام جوعه واحتياجه الملح للعيش بكرامة. في هذا السياق، نرى أن السلطات في مثل هذه الدول تحاول صرف انتباه الناس عن القضايا الأساسية التي تشكل جوهر معاناتهم عبر اختلاق مشكلات ثانوية تثير الجدل، أو تمسك بها لتشغل الناس وتشتيت انتباههم عن الأزمات الكبرى.
مفهوم “الدولة التافهة” في سياق كتاب “عالم التفاهات“
كتاب “عالم التفاهات“ للكاتب إريك فروم يُعد من الأعمال التي تتناول ظاهرة تفشي القيم التافهة في العصر الحديث، وكيف أن المجتمعات المعاصرة قد انزاحت بشكل تدريجي نحو قضايا وهمية وغير ذات قيمة حقيقية. ويُعتبر هذا الكتاب من الأدوات الفكرية التي تتيح لنا تفسير وتحليل كيف يمكن أن تتطور الدولة لتصبح “دولة تافهة”، حيث تتحول اهتماماتها إلى قضايا سطحية تلهي المجتمع عن القضايا الأساسية التي تؤثر على بقائه وكرامته.
التحولات الثقافية والاقتصادية: الطريق نحو “عالم التفاهات“
في البداية، يتناول إريك فروم كيف أن التقدم التكنولوجي والاقتصادي قد أسهم بشكل كبير في تشكيل “عالم التفاهات“، من خلال تسريع عملية استهلاك القيم المادية على حساب القيم الإنسانية. هذا التحول أدى إلى تقليل الوعي الجماعي بأهمية القضايا الكبرى مثل العدالة الاجتماعية، التعليم، الصحة، أو حتى قضايا الحفاظ على البيئة. بدلاً من ذلك، أصبح العالم مليئًا بالقضايا الهامشية التي لا تمت للواقع المعيشي بصلة، مثل معايير الجمال الاستهلاكية، المظاهر الخارجية، أو الإعلانات التجارية التي تروج لأشياء لا تحمل قيمة حقيقية في تحسين حياة الإنسان.
يُعد هذا الإطار الفكري خلفية لفهم كيف يمكن لدولة معينة، مثل سوريا في الحالة المعاصرة، أن تصبح “دولة تافهة”. في هذه الحالة، تتجنب الحكومة معالجة القضايا الأساسية المتعلقة بحقوق الإنسان أو احتياجات المواطنين الضرورية مثل التعليم، الصحة، وسبل العيش الكريمة، بينما تروج لقضايا تافهة تثير الجدل لتشتيت الانتباه عن المشاكل الحقيقية.
الفصل بين الإنسان والواقع: “التافه” بديلاً عن الواقع
أحد المفاهيم الرئيسية التي يناقشها فروم في كتابه هو أن العالم الحديث، في سياق “عالم التفاهات“، يُظهر فصلًا متزايدًا بين الإنسان وواقعه المعيش. هذا الفصل قد يتجسد في الافتقار إلى الوعي الجماعي والفردي بما يحدث في المجتمع. في “الدولة التافهة“، لا يشعر المواطن بأهمية القضايا الحقيقية، بل يُشغل بأمور هامشية لا تساهم في تحسين ظروف حياته أو مساعدته في تحسين وضعه المعيشي.
في السياق السوري، هذا يشمل التركيز على قضايا مثل ما يُسمح أو لا يُسمح به في مجال اللباس أو “الاختلاط”، في حين يعاني المواطنون من قلة الغذاء، الخدمات الصحية المتدهورة، والأزمات الاقتصادية الحادة. تُخلق هذه القضايا التفصيلية في سياق سياسي، بغية الهاء الناس عن المشاكل الحقيقية التي تواجههم، بينما يعجز المجتمع عن التفكير في الأولويات الأساسية التي تتعلق بحياتهم وحقوقهم.
الدولة التافهة: الإلهاء والتشتيت
الجانب الذي يربط بين “الدولة التافهة” وكتاب “عالم التفاهات” هو تقنية الإلهاء التي تستخدمها السلطات للابتعاد عن المسائل الحساسة. فمن خلال خلق أزمة من القضايا التافهة، تُشغل الدولة مواطنيها بأمور لا تشكل تهديدًا فعليًا لحياتهم، لكنها في المقابل تشوش على التفكير العقلاني وتحجب الانتباه عن الأزمات المعيشية الحقيقية.
فروم يوضح في كتابه كيف أن هذا التسطيح الفكري يؤدي إلى “التفكير السطحي“ في المجتمعات. ما كان يُعتبر في الماضي قضايا جوهرية تتعلق بتأمين الحقوق الأساسية وتحقيق العدالة، أصبح في “عالم التفاهات” مجرد مواضيع تُطرح في الإعلام لمناقشات بلا جدوى. حتى في “الدولة التافهة“، يتحول الخطاب العام إلى مجموعة من التوافه التي تحرف الناس عن التفكير في أهمية تحصيل حقوقهم الإنسانية الأساسية.
التطور التاريخي “للدولة التافهة“
في إطار تحليله لثقافة الاستهلاك، يرى إريك فروم أن التركيز على الاستهلاك المادي، بدلاً من التفكير النقدي، ساهم في ظهور مجتمع يهتم أكثر بمظهره الخارجي وحصوله على الأشياء الفارغة، بدلاً من الاهتمام بالجوهر. هذا السياق يجد انعكاسًا مباشرًا في الدول التي تمر بحالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي، مثل سوريا، حيث يتحول الخطاب السياسي إلى قضايا هامشية يمكن أن تُروج على وسائل الإعلام لتشتيت الرأي العام، بينما تبقى القضايا الأهم غير محسومة.
وكمثال على ذلك، قد تتجه وسائل الإعلام الرسمية في “الدولة التافهة“ إلى تسليط الضوء على مواضيع مثل الأزياء، سلوكيات اجتماعية لا علاقة لها بالأزمات اليومية، بينما يواجه الشعب قضايا تتعلق بمعدلات الفقر، البطالة، أو حتى انعدام الأمن الشخصي.
إدراك النقص الحقيقي: لماذا تصبح “الدولة التافهة” خطيرة؟
يكمن خطر “الدولة التافهة” في أنها تُعمّق الانفصال بين الدولة والمجتمع. عندما يركز الخطاب العام على قضايا تفصيلية في حياة الفرد (مثل قضايا اللباس أو المواقف الاجتماعية الصغيرة)، يُفقد المواطن القدرة على إدراك الأولويات الحقيقية. ففي هذا الوضع، يصبح من الصعب على الناس أن يتفقوا على مطالبهم الأساسية ويشعروا بالضغط الكافي على الحكومة لمواجهة القضايا الحقيقية.
هذا النقص في الوعي الجماعي يجعل التحركات السياسية والمجتمعية أكثر صعوبة، مما يعزز البُعد بين الشعب والحكومة، ويزيد من احتمال حدوث احتجاجات اجتماعية ذات طابع عاطفي لا تُفضي إلى تغييرات حقيقية.
الشرعية والانشغال بالتوافه
تتبع بعض الحكومات هذا المسار كوسيلة لصرف الأنظار عن الفشل في تقديم الخدمات الأساسية أو تلبية احتياجات المواطنين. فبدلًا من اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة البطالة، الفقر، أو قلة الرعاية الصحية، تنغمس هذه الحكومات في قضايا لا تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس. وتستفيد السلطات من هذا التشتيت في محاولة لتهدئة النفوس المقهورة والحد من الضغط الشعبي من خلال إلهائهم بمسائل تافهة.
التوازن بين أولويات المجتمع وحياة الإنسان
الواقع في الدول التي تسعى لتشغيل الناس بالتوافه هو أنها تحاول الهروب من المسؤولية الحقيقية في تحسين أوضاع المواطنين. مع ذلك، يبقى أن مفهوم “الدولة التافهة“ ينطوي على خطر حقيقي في استنزاف طاقات المجتمع وهدرها في أمور غير مجدية، مما يؤدي إلى تفاقم المعاناة اليومية التي يعيشها المواطن.
في النهاية، يتضح أن التعامل مع التحديات الكبرى، مثل تأمين حياة كريمة للمواطن، يجب أن يكون في صلب أي سياسة أو استراتيجية حكومية. وعلى السلطات أن تدرك أن القضايا “التافهة“ قد تساهم فقط في إشغال الناس عن همومهم الحقيقية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً حقيقيًا عن معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياتهم بشكل مباشر.
فهم “الدولة التافهة” عبر عدسة “عالم التفاهات“
باستخدام “عالم التفاهات“ كإطار فكري لفهم الدولة التافهة، يصبح من الواضح أن هذه الحالة تمثل تحديًا كبيرًا في النهوض بالمجتمعات المتضررة. كما يشير إريك فروم في كتابه، فإن التغاضي عن الأولويات الأساسية في المجتمع يتسبب في تبديد الطاقة الاجتماعية والسياسية في القضايا غير الهامة، ويُثني المجتمعات عن التوجه نحو التغيير الحقيقي. في سوريا، كما في غيرها من الدول المتعثرة، تصبح الدولة التافهة بيئة خصبة لتفشي الجمود السياسي والاقتصادي الذي يستمر في تأجيل الحلول الضرورية للأزمات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
إذا استمر هذا النموذج، فسيبقى المواطن السوري، وغيرهم من مواطني الدول المتأثرة بهذه الظاهرة، في دوامة من التفاهات التي تشتت انتباههم عن الواقع المرير الذي يعانون منه يوميًا. قد تظل هذه الحكومات تروج لأيديولوجيات هزيلة أو قضايا سطحية تغذي الإعلام والجماهير لتشغلهم عن قضايا أساسية، مثل تحسين مستوى المعيشة، التوظيف، والرعاية الصحية. في حين أن هذه القضايا تظل حاضرة بقوة في الوعي الجمعي للمجتمعات التي تتسم “بالتفاهة“، فإن النتيجة النهائية ستكون المزيد من الإحباط الشعبي والتمسك بأوهام حل الأزمات المعلقة.
أثر الدولة التافهة على الوعي السياسي والاجتماعي
إن استمرار “الدولة التافهة“ يشكل تهديدًا كبيرًا للوعي السياسي والاجتماعي للشعوب المتأثرة. ففي حال تركز كل اهتمام الدولة والمجتمع على قضايا سطحية أو تافهة، فإن الوعي الجماعي بشأن القضايا الجوهرية يمكن أن يتضاءل، مما يجعل من الصعب أن يشعر المواطنون بحافز للعمل على تحسين أوضاعهم. إذ يُصبح المواطن في الدولة التافهة أكثر انشغالًا بما يُعرض عليه من قضايا ثانوية – مثل شكليات الحياة اليومية – بدلًا من المطالبة بالحقوق الأساسية مثل العدالة الاجتماعية والتعليم الجيد أو الرعاية الصحية.
فروم يرى أن هذه اللامبالاة المتعمدة تجاه القضايا الأساسية ستؤدي إلى التهالك الفكري وتعميق الفجوة بين الحكومة والشعب. يصبح المواطن في هذه الحالة مجرد مستهلك سلبي يسعى فقط لتلبية حاجاته الأساسية التي تتفاقم يومًا بعد يوم، بينما تبقى القضايا الأكبر التي تؤثر على المجتمع بأسره بعيدة عن اهتمامات السياسة العامة. وعندما يفتقر المجتمع إلى الوعي الجماعي، يصبح من الصعب حدوث تحولات حقيقية نحو تغيير النظام السياسي أو تحسين الأوضاع الاقتصادية.
تداعيات “الدولة التافهة” على الأجيال القادمة
الأجيال القادمة التي نشأت في بيئة “الدولة التافهة“ قد تجد نفسها عاجزة عن التفاعل مع القضايا المصيرية التي تؤثر في حياتهم. في سياق سوريا على سبيل المثال، فإن الأجيال الشابة قد تكون محاصرة في دائرة من التفاهات التي تفتقر إلى الأبعاد الاجتماعية والسياسية العميقة. في بيئة كهذه، قد يعاني هؤلاء الأفراد من فقدان الانتماء والهوية الوطنية، وقد تتضاءل لديهم فكرة المشاركة الفاعلة في تحسين مستقبل بلادهم.
إذا استمرت الدولة التافهة في الحكم، فإن الأجيال القادمة ستستمر في مواجهة تحديات تفكير سطحية تحجب عنهم الفرص الحقيقية لتحقيق تطورهم الشخصي والجماعي. وبالتالي، يزداد خطر تكريس الجهل السياسي والاجتماعي وعدم الاهتمام بالقضايا الكبرى التي تشكل مستقبل الأمة.
إن معالجة “الدولة التافهة“ تتطلب إعادة تعريف أولويات الدولة والمجتمع على حد سواء. بدلاً من الاستمرار في الانشغال بالقضايا غير الهامة، يجب على الحكومات التركيز على القضايا الحقيقية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. يتعين على القيادات السياسية تبني منهجيات جديدة تتسم بالواقعية والجدية في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية. وأيضًا، يجب على المواطنين أن يتخذوا موقفًا أكثر قوة في المطالبة بحقوقهم الأساسية والعمل على تغيير النظام الذي يلهيهم عن الاهتمام بتلك الحقوق.
إن الدولة التافهة هي تحدٍ ليس فقط في المجال السياسي، بل في الثقافة الاجتماعية أيضًا. وإذا استمرت الدول في السماح بتفاقم هذا الواقع، فإن الخسارة ستكون شاملة، وسيتم تفويت الفرص لتحقيق التقدم والازدهار الحقيقي. في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن المجتمعات المتأثرة من استعادة الأولويات الحقيقية أم سيظل “عالم التفاهات“ هو الإطار المسيطر في المستقبل؟


