الأكثر قراءة

الدولة الراهنة في الوطن العربي بين استمرارية الأزمات وغياب المرجعية الوطنية الجامعة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د.محمد مراد: باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية..

في إشكالية الدولة الوطنية :

بلغت الدولة الراهنة في الوطن العربي، وهي تقف اليوم، على عتبة الربع الثاني للقرن الحالي ( الحادي والعشرين)، مستوى مفصليا من تراكم الأزمات المتناسلة منذ نشأتها كدولة أو كمجموعة دول عربية حديثة. فالتعقيدات الأزماتية التي لازمت المسار التطوري لهذه الدولة، لم تعد موضع خلاف حول التعدديات المجتمعية، وشرعية النظم السياسية الحاكمة، والاغتراب في الهويّة والانتماء والمواطنة، وفي رسوخ العصبيات الأولية والولائية للخارج، وإنّما الإشكالية التي ما زالت حاملة للمخاطر الكبرى على مستقبل هذه الدولة في وجودها واستمرارها، هي الإشكالية الراهنة التي تتضمن السؤال المركزي التالي:

ما المرجعية التي تمنح الدولة، على مساحة الجغرافية السياسية للوطن العربي في الوقت الراهن، شرعيتها الوطنية وقدرتها على مواجهة التحدّيات الوجودية والمصيرية ؟.

على ضوء هذا التساؤل الاشكالي، تكتسب اللحظة التاريخية العربية الراهنة معناها الأعمق. فالأزمات المعادة الإنتاج والمتراكمة ليست مجرّد حكم وإدارة أو انكشاف وظيفي استراتيجي لدور الدولة، بل أزمات باتت مخزونة في بنية الدولة على كل مستوياتها، والتي هي على اتصال وثيق بغياب النضوج الوطني للدولة وارتقائها في سلّم البناء الوطني على ركائز المساحات المشتركة لوحدة الهويّة والمواطنة والانتماء في الاجتماع الوطني العام.

إنّ التحدّي الأكبر هنا، يكمن في تحديد المرجعية التي تمتلك القدرة على تحويل هذه الأسئلة الإشكالية، الى مشروع دولة يأخذ ترجمته الواقعية في التدرّج نحو الهدف الأعلى المنشود لتشييد صرح الوطنية للدولة المنتظرة. لقد أثبتت التجارب في غير دولة عربية حديثة أنّ التعددية المجتمعية ( إثنيات عرقية وطائفية وجهوية)، لا تتحوّل الى قوّة بنّاءة الاّ عندما تتحوّل الى ديناميات تفاعلية تفضي الى انتاج قيم جديدة في الروابط والهويّة والمواطنة والنظرة الى المستقبل تتعمّق باستمرار مع تواصل الإحلال الجيلي المتجدذد مع الأجيال المتتالية، وعليه فإنّ قوّة السياسة تكمن في تحويل التعددية الى عالم وطني مشترك، وليس في خروجها عن مجتمع الدولة، ونزوعها نحو التفكيك والتشظّي أو الفدرلة أو الكونفدرالية.

إنّ المأزق التاريخي للدولة القطرية العربية، لا يعود فقط الى ضعف المؤسّسات أو اختلالات العلاقة بين الدولة ومجتمعها أو في الالتباس في مفهوم العلاقة بين السلطة الحاكمة والدولة، بل الى غياب المشروع الوطني الحامل للمصلحة الوطنية العليا التي تجعل من الدولة إطارا مشتركا جامعا، ومن التعدّدية مصدر غنى وثروة، ومن التنافس السياسي وسيلة إغناء للبناء الوطني المستمر.

إنّ الهدف الأعلى من هذا البحث لا يناقش تفاصيل الأزمات الدولتية العربية، وهي تفاصيل تناولتها دراسات وأبحاث لا تحصى، بقدر ما يسعى الى الإجابة عن السؤال الكبير: كيف تتشكّل القواسم المشتركة للمصلحة الوطنية العليا؟ وكيف تتحوّل هذه المصلحة من فكرة نظرية الى مشروع وطني تحمله قوى نخبوية اجتماعية وفكرية وسياسية، وتكون قادرة على تحويله الى دولة وطنية تمتلك من الاستعداد الدائم لمواصلة التطور والنهضة.

ليست التعددية المجتمعية ظاهرة عربية خاصّة في التشكّل التاريخي للمجال الاجتماعي العربي، فهي حالة سائر المجتمعات في العالم، فهناك مجتمعات تعددية من حيث الأعراق ولأديان والألوان والثقافات والجهويات المختلفة، لكن المفارقة تكمن بين أن تتحوّل هذه التعدّدية الى قوّة بنّاءة في الاجتماع الوطني للدولة أم تبقى مشاريع أزماتية مفتوحة تضعف الدولة وتحول دون تقدمها وتجددها النهضوي.

كيف تتمكّن المجتمعات التعددية من تحويل الجماعات المختلفة الى قوّة بنّاءة لمباشرة ومواصلة النهوض الوطني؟، هذه أبرز الآليات المساعدة على هذا التحوّل:

1 – توسيع المساحات المشتركة للقيم والتفاعلات العميقة الكفيلة بتطوير ثقافة العيش المشترك بين الجماعات والانتقال الى ثقافة ” التكاؤن ” أي وحدة المتكوّن الثقافي والاجتماعي والفكري والسياسي ،أي المتكوّن الذي تتحوّل معه الدولة الى عقيدة فكرية وطنية تقوم على ثنائية ” الوعي والهويّة”.

 2 – التعدّدية ثروة وغني يمدّان الدولة بالتنوّع الذي يمثّل أحد أبرز عناصر القوّة لتماسك الدولة ومجتمعها، كما أنّه يمنح الاجتماع السياسي لهذه الدولة قوّة السياسة التي من شأنها ” تحويل التعدّدية الى عالم مشترك لا في إلغائها”( الباحثة حنّة أرندت “)، ورد في : د.علي العزّي: https:// 180 post.com/ archives / 65707

إنّ مشكلة الدولة لا تكمن فقط في ضعف المؤسّسات أو اختلال التوازنات أو سوء الإدارة، بل تكمن بصورة أكثر عمقا، في غياب تصوّر جامع للمصلحة الوطنية العليا، هي المصلحة العليا التي ” تجعل من الدولة إطارا للمصلحة المشتركة، ومن التعددية مصدر غنى، ومن التنافس السياسي وسيلة لبناء الوطن لا لاستنزافه”،ورد في: د. علي العزّي ، المصدر أعلاه.

 3 – انتاج هويّة وطنية جامعة:

يربط عالم الاجتماع ” إرنست غيلنر”، ” استقرار الدولة الحديثة بقدرتها على انتاج هويّة وطنية تتجاوز الانتماءات الأولية”، بينما يرى المفكر القومي ” بندكت أندرسون “: ” أنّ الأمّة تقوم على شعور مشترك بالانتماء يتخطّى الروابط المحلية والطائفية”. غير أنّ تجربة الدولة الحديثة في الوطن العربي جاءت فيها الدولة قبل اكتمال تشكّل الأمّة السياسي الجامع، فقد جاءت الدولة بفعل إرادة الخارج الاستعماري الأوروبي ، لذلك ، ظلّت الولاءات الأولية المحلية من عشائرية وطائفية ومذهبية وعرقية وجهوية، ظلّت راسخة في البنية المجتمعية للدولة الناشئة، واستمرت على تنازع مع الانتماء الوطني وتحويله الى موقع مرجعي بديل للمواقع المرجعية الأولية المشار اليها.

4 – دور النخب في التطوير نحو المصلحة الوطنية المشتركة الجامعة:

خلال المسار التطوري للدولة العربية الحديثة، ظهرت أفكار ون ومشاريع متعدّدة تناولت قضايا الدولة والمواطنة والإصلاح والتنمية والهويّة، لكن المشكلة ظلّت تكمن في عجز النخب عن تحويلها الى أرضية وطنية مشتركة، لأنّ هذه النخب نفسها بقيت أسيرة ومحكومة لحسابات فئوية وتوازنات الجماعات، وهكذا ” تحوّلت السياسة من ساحة لبناء التوافق الوطني الى ساحة لإدارة التنافس على النفوذ “.

5 – غياب فكرة العقد الاجتماعي:

هي الفكرة التي صاغها ” جان جاك روسو”، وطوّرها لاحقا ” جون رولز “. ومفادها أنّ استقرار الدول لا يقوم على اتفاق كامل بين مواطنيها، بل على توافق حول المبادئ الأساسية التي تنظّم اختلافاتهم، وعندما يغيب مثل هذا التوافق يمتدّ الخلاف الى معنى الدولة والمصلحة الوطنية نفسها.

أمثلة من تجارب دولية:

أ – المانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لم تستعد استقرارها بالازدهار الاقتصادي وحده، بل ببناء إجماع جديد حول الديمقراطية والدولة الدستورية.

ب– اليابان التي تعرّضت للقنبلة النووية (1945)، واحتلت عسكريا بصورة مباشرة من الجيش الأميركي، فلم تنهض فقط بالاقتصاد الذي راح ينافس الاقتصادات الكبرى في العالم، وإنّما باعتماد الديمقراطية التي كانت العامل الأفعل في توحيد الموقف الوطني عبر بناء الدولة وتطويرها ،( الحزب الديمقراطي الياباني الذي حكم الدولة لجأ الى اعتماد الديمقراطية التنافسية بين أجنحته داخل الحزب على أساس التنافس البرنامجي الذي يمكنه التطوير في الدولة، حيث كانت تسند الى الجناح المتفوق أكثر برنامجيا، استلام الحكم وإدارة الدولة).

 ج – في لبنان، حصلت توافقات كثيرة (الميثاق الوطني واستقلال لبنان 1943، تسوية 1958، اتفاق الطائف 1989، اتفاق الدوحة 2008 )، كل هذه التوافقات ظلّت مرتبطة بلحظاتها التاريخية وبظروفها الاستثنائية، من غير أن تتحوّل الى مرجعية مستقرّة تحظى بإجماع دائم حول أسس الدولة وغاياتها المشتركة .

 خلاصة استنتاجية:

لم تفشل النخب العربية في انتاج الأفكار بقدر ما فشلت في انتاج إجماع وطني حولها. المشكلة ليست نقصا في المشاريع، بل في غياب المرجعية المشتركة الجامعة القادرة على تحويلها الى مشروع وطني جامع.

لا يمكن اختصار أو اختزال المصلحة الوطنية العليا في  أيديولوجيا أو برنامج حزبي أو مصلحة فئة أو جماعة طائفية أو مذهبية، وكما أنّها ليست تسوية ظرفية تأتي بعد كل أزمة ، أو أنّها انعكاسا لموازين قوى مؤقّتة، إنّما هي ” الاطار الذي تلتقي داخله الجماعة الوطنية حول منظومة القيم الجامعة، والمسلّمات المؤسّسة للدولة، والأهداف الاستراتيجية المشتركة ” ( علي العزّي).

تقوم المصلحة الوطنية العليا على أكثر من مستوى أبرزها ثلاثة هي التالية:

(1)- القيم الوطنية الجامعة، وفي مقدّمتها المواطنة، والحرية، والعدالة، والمساواة، واحترام التنوّع، وتغليب المصلحة العامّة.

(2) – المسلمات المؤسّسة للدولة، وفي طليعتها : التماسك الوطني، سيادة القانون، احترام الدستور، حماية السيادة الوطنية، أولوية الدولة على كل ما عداها من ولاءات محلية أو خارجية، الأهداف الاستراتيجية المشتركة مثل قيام دولة قويّة وعادلة، وبناء مؤسّسات فعّالة، وتحقيق التنمية المستدامة، تكافوء الفرص، تطوير التعليم ، تحديث الإدارة والإنتاج، رفع مستوى حياة المواطنين.

(3) – الهويّة الوطنية الجامعة: الهويّة على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء دولة مستقرّة، لأنّ المجتمعات لا تتماسك بما تتفق عليه حول الماضي فحسب، بل بما تتوافق عله من غايات وأهداف ورؤى مشتركة للمستقبل. ولذلك، لا يكفي أن نتفق على من نكون، بل على ما الذي نريد بناءه معا.

(4) – الكتلة التاريخية : الكتلة التاريخية أو الكتلة الاستراتيجية للدولة الوطنية:

تقوم على التالي:

أ –  إدراك  وجود مصير وطني مشترك  (وعي وحدة المصير الوطني).

ب – ثقافة مشتركة حول قواعد الحياة السياسية.

ج – وجود نخب وقوى وفعاليات اجتماعية قادرة على انتاج رؤية جامعة، وتحقيق توازنات مستقرّة بين الوحدة والتعددية.

إنّ تحقيق مثل هذه المرتكزات البنائية للدولة الوطنية يضع هذه الأخيرة على سكّة الانتقال من حالة الفكرة أو مجموعة الأفكار نحو توفّر شروط ” الكتلة التاريخية “، التي تتقاطع عندها قوى تأثيرية اجتماعية وسياسية وثقافية وفكرية مختلفة حول رؤية مشتركة، وتحويلها الى قوّة فاعلة في تماسك البنيان الاجتماعي والسياسي للدولة الوطنية المنتظر قيامها.

وعليه ، يبدأ الحراك الشامل نحو بلوغ مستوى الوطنية بشرطيها الضروري والكافي لقيام الدولة المستقبلية  العربية بصورة عامّة، يبدأ من سؤال: ” ماهيّة دولة المستقبل الوطنية التي نريد أن نبنيها معا ؟، وكيف تستقيم التفاعلات الحّيّة بين ثنائي الوطن – الدولة ؟، وكيف يغدو الوطن عصبية حياة وجدانية مشتركة تضخّ الوجدانية والإيمانية على قاعدة حبّ الوطن من الإيمان؟.

https://hura7.com/?p=81396

الأكثر قراءة