جريدة الحرة بيروت

بقلم : د.محمد مراد: باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية..
يرصد هذا البحث تعرّجات المسار التاريخي للبنان الحديث والمعاصر بدءا من مشروع الدولة الحديثة، الذي تحوّل إلى محطة تاريخية مفصلية ليس في لبنان وحده، وإنّما في سائر بلدان المشرق العربي، الذي كان يشهد حراكاً مكثّفا في لحظة خروجه من مرحلة عثمانية طويلة، إلى مرحلة السيطرة الانكلو-فرنسية كاحدى النتائج الحاسمة للحرب العالمية الأولى.
وهذا الأمر يعني لبنانيا أن نشأة الدولة الحديثة لم يكن قرارا إراديا لبنانيا صرفا، بقدر ما كان مخططا في استراتيجية الدولتين الحليفتين المنتصرتين في الحرب العالمية الأولى، واللتين توافقتا على تقاسم النفوذ في المشرق العربي، وإلحاقه باسواقهما الرأسمالية القائمة على المراكمة والتوسّع في المصالح. من هذه اللحظة التاريخية التي ظهرت معها دولة لبنان الكبير عام ١٩٢٠، تقاطعت مصلحة الرأسمال الفرنسي مع مصلحة رأسمالية نامية في جبل لبنان هي رأسمالية الحرير بعنصرها المسيحي – الماروني الغالب.
إذن، جاء هذا التقاطع المصلحي الفرنسي – الماروني ليجد ترجمته العملية في قيام جغرافية سياسية هي جغرافية الدولة اللبنانية، دولة لبنان الكبير تحت سلطة مركزية هي المفوضية الفرنسية العليا، التي استمرّت طيلة المرحلة الانتدابية، لتنتقل بعدها إلى سلطة مركزية لبنانية ظهرت بعد نيل الإستقلال الذي توافقت عليه قوى مارونية وسنيّة بصورة أساسية، وانخرطت في ظله سائر الطوائف اللبنانية الأخرى.
ثمّة عوامل داخلية وخارجية عربية وإقليمية، كانت لها تأثيراتها المباشرة على الخطاب السياسي والطائفي، الذي كان يعكس مصالح القوى السياسية والطائفية من توازنات السلطة الحاكمة للدولة ولنظامها السياسي في توزيعاته على قاعدة المحاصصة في الوزارة والنيابة والوظائف العامة.
ثلاثة عوامل كانت الأساس في طروحات الفدرالية صعودا وهبوطا على مدى تاريخ الدولة الحديثة على مدى قرن ونيّف من الزمن :
الأول، الديمغرافيا التاريخية:
شهدت هذه الديمغرافيا تغيّرات كميّة في أحجام الطوائف اللبنانية، بدأت باكثرية مارونية واضحة فاقت سائر الطوائف الأخرى من مسيحية وإسلامية في لبنان، وقد ترك هذا الواقع الديمغرافي أثره المباشر على تمسّك الموارنة بمركزية الدولة، حتى كانت نتائج الحرب الطويلة ١٩٧٥- ١٩٩٠، التي شهدت دخولا لدول عربية ومن ثم لإيران بعد الثورة الخمينية وقيام نظام ولاية الفقيه في العام ١٩٧٩.
في هذه المرحلة جاءت نتائج الحرب على حساب موقع الطائفة المارونية في السلطة الحاكمة للدولة، مقابل صعود قوى سنّية مدعومة عربياً (دول مجلس التعاون الخليجي)، وقوى شيعية تحت يافطة الثنائي ” أمل – حزب الله” المستند إلى ولاء للخارج السوري والإيراني من جهة، والى الحجم الطائفي للشيعة من جهة ثانية، والى تعاظم القوة العسكرية لمقاومة إسرائيل، وبدعم سوري- ايراني من جهة ثالثة.
هنا ، أدركت النخب المارونية أنها باتت تفقد دورها كفاعل أساسي تاريخي في قيادة الدولة المركزية، الأمر الذي جعل طروحات كثيرة تعلو حول اعادة النظر في طبيعة الدولة بين المركزية واللامركزية الإدارية الموسّعة والفيدرالية. طروحات فدرلة الدولة هنا تعكس الشعور بتراجع مواقع الموارنة من طائفة قائدة للدولة منذ نشأتها في العام ٢٩٢٠، إلى طائفة متراجعة أو مفروض عليها التراجع تحت تأثير متغيرات الديمغرافيا والولاء للخارج والسلاح الذي تحوّلت معه قوى شيعية مسلحة إلى دويلة موازية للدولة المركزية..
العامل الثاني، هي المشكلة في العلاقة المفهومية بين السلطة والدولة، علاقة جعلت السلطة هي الدولة، وهذا أمر كان له الدور الأكبر في مصادرة الدولة لما هي مؤسسات عامة دستورية وقضاىية وعسكرية وتربوية إلى سلطات محسوبة على الطوائف وزعاماتها، التي استمرّت تعيد إنتاج نفسها في كل مرة كان يجري فيها توزّعات جديدة لأنصبة السلطة الحاكمة للدولة محاصصة بين الطوائفوالمذاهب.
العامل الثالث، غياب النخب الوطنية عن عملية صناعة القرار الوطني، الأمر الذي ترك المشهد السياسي اللبناني لنخب الطوائف، التي احتكرت الوظائف العامة كوظائف حقوقية لطائفة دون غيرها.
في الخلاصة الاستنتاجية، الفيدرالية التي يرفعها الموارنة صعوداً وهبوطاً، هي على علاقة بشعورهم التراجعي من قوًة تأسيسية للدولة المركزية منذ بداية ظهورها، إلى قوّة مهمّشة بفعل عوامل الديمغرافيا، والولاء المسلح للخارج، وغياب الدولة المركزية التي لم تتحول يوماً إلى دولة مركزية سيادية، بل استمرت تمثل الحلقة الأضعف بين تجاذبات الداخل والخارج الإقليمي والدولي.
أما الفدرالية في لبنان فهي أصعب من المستحيل بحكم التداخل بين الديمغرافية والجغرافية اللبنانية القائمة.


