جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تقف التوازنات الإقليمية والدولية عند محطة مفصلية ترسم معالم المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، حيث يتلاقى الحراك الدبلوماسي المكثف في العواصم الكبرى مع دقة الحسابات الميدانية الجارية في جنوب نهر الليطاني. ويأتي سريان قرار تجديد وقف إطلاق النار ليضع القوى الفاعلة أمام اختبار دقيق لقياس مدى القدرة على صياغة ترتيبات مستدامة، تسهم في بسط سلطة الدولة اللبنانية الكاملة على أراضيها وتأمين عودة مواطنيها، وسط مناخ يفرض أعلى درجات الحذر والترقب والالتزام بالضوابط الأمنية الصارمة.
يتصدر ملف عودة النازحين واجهة المشهد اللوجستي والسياسي، إذ يخضع هذا الملف لتقييمات ميدانية دقيقة تعوق العودة الفورية الشاملة إلى بلدات الحافة الأمامية. وتتمثل العقبة الأساسية في استمرار التموضع العسكري للعدو الإسرائيلي في بعض النقاط الحدودية، إلى جانب الانتشار الكثيف للألغام والذخائر غير المنفجرة، مما دفع بالمؤسسات العسكرية الرسمية والقوات الدولية إلى التحذير من التسرع في دخول تلك المناطق قبل إتمام عمليات التطهير والتمشيط. وفي المقابل، تبرز ملامح حركية تدريجية في المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، بالتزامن مع استعدادات حكومية لتقييم الأضرار وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية من مياه وكهرباء واتصالات، بدعم من الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب، ريثما تتدفق المساعدات الدولية الموعودة لإعادة الإعمار.
وعلى المسار التفاوضي، تشكل جولة المحادثات في العاصمة الأميركية واشنطن ركيزة المساعي الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت الهدنة. ويتركز الموقف اللبناني الرسمي على ثوابت وطنية واضحة، في مقدمتها صياغة جدول زمني محدد لانسحاب قوات العدو الإسرائيلي بالكامل باعتباره الممر الإلزامي لعودة الاستقرار، ورفض أي طروحات تمنح الجانب الإسرائيلي حرية الحركة أو تكرس صيغة “المنطقة الأمنية” داخل الحدود. وتدور النقاشات الفنية حول آلية التقدّم المتوازي للجيش اللبناني ليتولى المسؤولية الأمنية الحصرية في مناطق تجريبية محددة بجنوب الليطاني، كخطوة أولى نحو بسط سلطة الدولة بضمانات دولية.
هذا الحراك التفاوضي لا ينفصل عن المظلة الإستراتيجية الأوسع التي تشكلت جراء المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران في سويسرا، والتي أنتجت تفاهماً مبدئياً على خارطة طريق تمتد لستين يوماً. وقد أثمرت هذه الوساطة الدولية عن تأسيس “خلية لفض الاشتباك” تهدف إلى ضبط الميدان ومنع التصعيد العسكري، مما يعكس ترابطاً وثيقاً بين استقرار الجبهة اللبنانية والتسويات الإقليمية الأشمل المعروضة على طاولة البحث الدولي.
وانطلاقاً من هذه المعطيات الراهنة، تتجه صياغة المشهد المستقبلي نحو ثلاثة سيناريوهات محتملة تحكمها التوازنات الميدانية والدبلوماسية:
■ السيناريو الأول: التثبيت التدريجي للتسوية: ويرتكز هذا المسار على نجاح صيغة “المناطق التجريبية”، بحيث يؤدي انتشار الوحدات العسكرية اللبنانية إلى انسحاب موازٍ من قبل العدو الإسرائيلي، مما يسمح بعودة تدريجية مشروطة للأهالي تحت سلطة الدولة وبغطاء دولي مستدام.
■ السيناريو الثاني: الاستعصاء والهدنة المعلقة: ويتمثل في تحول جنوب نهر الليطاني إلى خطوط تماس باردة تديرها خلية فض الاشتباك الدولية، بحيث تتوقف العمليات الهجومية المتبادلة دون إحراز تقدم سياسي حاسم، مع احتفاظ كل طرف بأوراقه الميدانية بانتظار نضوج التسوية الإقليمية الكبرى.
■ السيناريو الثالث: عودة مجددة نحو التصعيد: ويظل هذا الاحتمال قائماً في حال اصطدام المفاوضات بالشروط المتصلبة المتعلقة بالترتيبات الأمنية الدائمة، أو حدوث خروقات ميدانية واسعة تؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار الهش وانزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية أشد عمقاً وتدميراً مع العدو الإسرائيلي.


