جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد
يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي العسكري تحولًا متسارعًا، لم يعد يقتصر على شركات الصناعات الدفاعية التقليدية، بل أصبح يشمل شركات التكنولوجيا الكبرى، ومطوري النماذج الأساسية، والشركات الناشئة المتخصصة في البرمجيات والبيانات. ويطرح هذا التطور سؤالًا مهمًا أمام صناع السياسات: من هم الفاعلون الذين ينبغي إشراكهم في صياغة قواعد الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري؟
تبدو مشاركة القطاع الخاص منطقية لسببين رئيسيين. أولهما امتلاك الشركات خبرات تقنية يصعب على المؤسسات الحكومية الاستغناء عنها عند تقييم قدرات الذكاء الاصطناعي ومخاطره. وثانيهما أن القرارات المتعلقة بتصميم الأنظمة وتطويرها يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في مدى توافق استخدامها العسكري مع القواعد القانونية والأخلاقية. ولذلك، فإن الحوار بين الحكومات والشركات يمكن أن يساعد في تحويل مبادئ الاستخدام المسؤول إلى معايير عملية.
غير أن مفهوم “صناعة الذكاء الاصطناعي العسكري” ليس واضحًا بالقدر الكافي. فالذكاء الاصطناعي ليس تقنية واحدة، وإنما منظومة واسعة من البرمجيات والأجهزة والبنية التحتية والخدمات. ويمكن النظر إلى هذه المنظومة باعتبارها “مكدسًا” تقنيًا يتكون من ثلاث طبقات رئيسية.
تأتي في القاعدة طبقة الأجهزة والبنية التحتية، وتشمل الرقائق الحاسوبية ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات والحوسبة السحابية. وفوقها توجد طبقة البرمجيات والنماذج الأساسية، التي توفر القدرات التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة. أما الطبقة الثالثة فهي طبقة التطبيقات، حيث يجري دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة عسكرية متخصصة، تشمل دعم اتخاذ القرار والقيادة والسيطرة واللوجستيات والصيانة، إلى جانب تطبيقات مرتبطة بالأسلحة.
تكشف هذه البنية أن الجيوش لا تعمل بالضرورة من خلال منظومة منفصلة بالكامل عن القطاع التجاري، بل تعتمد في كثير من الأحيان على أجزاء من البنية التكنولوجية التجارية وتخضع بعض مكوناتها لعمليات تخصيص وحوكمة تتناسب مع المتطلبات الأمنية. ويجعل ذلك الحدود بين التكنولوجيا المدنية والعسكرية أكثر تعقيدًا.
وعلى مستوى الشركات، يمكن التمييز بين أربع فئات رئيسية: شركات الدفاع الكبرى ذات الخبرة الطويلة في البرامج العسكرية؛ والشركات الناشئة وشركات الدفاع الجديدة التي تركز بدرجة أكبر على البرمجيات والبيانات والأنظمة الذاتية؛ وشركات التكنولوجيا الكبرى التي تمتلك البنية التحتية الرقمية والسحابية؛ وأخيرًا الشركات التي تطور النماذج الأساسية للذكاء الاصطناعي.
تختلف درجة تأثير هذه الفئات في القضايا المتعلقة بالحوكمة العسكرية. فالشركة التي تطور نموذجًا أساسيًا قد تؤثر في أمن وموثوقية مجموعة واسعة من التطبيقات، بينما تكون الشركة التي تدمج النموذج داخل نظام عسكري أكثر قربًا من طريقة استخدامه الفعلية. في المقابل، قد يكون تأثير الشركات التي توفر مكونات تقنية عامة، مثل وحدات معالجة الرسومات، أقل مباشرة في بعض النقاشات المتعلقة بالقرارات العسكرية واستخدام القوة.
لذلك، لا يبدو أن السؤال الأساسي يتمثل في إشراك الصناعة من عدمه، بل في تحديد الشركات الأكثر صلة بكل قضية. ويمكن أن تستند عملية الاختيار إلى معايير مثل قرب الشركة من قرارات استخدام القوة، ومدى تأثيرها في سلوك النظام، ودورها في الربط بين مختلف مكونات سلسلة التوريد.
ينبغي ألا يغيب البعد التجاري عن هذا النقاش. فالشركات ليست جهات محايدة بالكامل، وقد تسعى مشاركتها في صياغة المعايير والسياسات إلى حماية مصالحها التجارية أو تعزيز نماذج أعمال معينة. ومن ثم، فإن إشراك الصناعة يمكن أن يكون عنصرًا مهمًا في تطوير حوكمة مسؤولة للذكاء الاصطناعي العسكري، لكنه يحتاج إلى قواعد واضحة تضمن أن تظل الاعتبارات القانونية والأمنية والأخلاقية في مقدمة عملية صنع السياسات.


