جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد
لم يعد الذكاء الاصطناعي في الحرب الأوكرانية مجرد تقنية تجريبية أو أداة مساندة بعيدة عن خطوط المواجهة، بل أصبح جزءًا من منظومة العمليات العسكرية اليومية. ومع تطور الطائرات المسيّرة وأنظمة تحليل البيانات، تتراجع المدة الفاصلة بين اكتشاف الهدف واتخاذ القرار، فيما يظل السؤال الأهم مرتبطًا بحدود الدور الذي ينبغي أن تمنحه الجيوش للآلة في القرارات العسكرية.
أظهرت الحرب في أوكرانيا تحولًا واضحًا في طبيعة استخدام الذكاء الاصطناعي. فقد أصبحت الطائرات المسيّرة المزودة بتقنيات “الرؤية الآلية” قادرة على التعرف على الأهداف وتتبعها ومواصلة المهمة حتى عند فقدان الاتصال بالمشغل. ولا يعني ذلك بالضرورة أن السلاح أصبح مستقلًا بصورة كاملة، إذ لا يزال الإنسان في العديد من الحالات صاحب القرار النهائي بشأن تنفيذ الهجوم.
وتكتسب هذه التقنية أهمية خاصة في بيئة تتسم بكثافة استخدام الحرب الإلكترونية. فتعرض الطائرات المسيّرة للتشويش أو فقدان الاتصال قد يؤدي إلى فشل المهمة، بينما تمنح أنظمة الرؤية الآلية الطائرة قدرة أكبر على الاستمرار في التعرف على الهدف والتعامل معه. وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لتحليل المعلومات إلى عنصر مؤثر في تنفيذ العمليات التكتيكية.
ولا يقتصر الاستخدام على الطائرات المسيّرة. فقد دخل الذكاء الاصطناعي أيضًا إلى أنظمة الدفاع الثابتة، بما في ذلك أبراج المدفعية الروبوتية القادرة على اكتشاف الأهداف المحتملة واختيارها للمشغل البشري. وتكشف هذه التطبيقات عن نموذج تدريجي للأتمتة، لا يلغي الإنسان بالضرورة، لكنه يعيد توزيع الأدوار بينه وبين النظام الآلي.
وعلى المستوى العملياتي، تبدو أهمية الذكاء الاصطناعي أكثر ارتباطًا بإدارة المعلومات. فمنصات مثل “دلتا” تجمع بيانات الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وإحداثيات المعدات العسكرية في بيئة واحدة، ثم تتيح تحليلها بصورة أسرع لاستخلاص صورة أكثر تكاملًا عن ساحة المعركة. وهنا لا يتخذ الذكاء الاصطناعي القرار العسكري مباشرة، لكنه يختصر الوقت اللازم للوصول إليه، وهو عامل بالغ الأهمية في حرب تتغير فيها مواقع القوات والأهداف بسرعة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فتزداد الصورة تعقيدًا. فالهجمات التي تستهدف منشآت عسكرية أو بنى تحتية عميقة داخل الأراضي الروسية تعتمد على قدرات متقدمة في جمع المعلومات ومعالجة الصور وتحديد الأهداف. ومن الصعب تحديد حجم الدور الذي يؤديه الذكاء الاصطناعي في هذه العمليات بسبب محدودية المعلومات الرسمية، لكن الاتجاه العام يشير إلى تزايد الاعتماد على التقنيات الآلية في دعم هذه المهام.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عاملًا حاسمًا منفردًا في مسار الحرب. ففعاليته تعتمد على جودة البيانات، وقدرة الأنظمة على العمل في ظروف التشويش، ومدى دقة الخوارزميات، إضافة إلى الخبرة البشرية التي تفسر النتائج وتتخذ القرارات.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا يتجاوز الحرب الأوكرانية: هل يؤدي تسارع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى جعل الحروب أكثر دقة، أم أنه قد يقلل الوقت المتاح للتقييم البشري ويرفع مخاطر سوء التقدير؟ وبينما تبدو الأتمتة قادرة على إنقاذ أرواح وتقليل زمن الاستجابة، فإن استمرار الإنسان في التحكم بالقرارات الحساسة يظل عنصرًا أساسيًا لضمان المساءلة والحد من مخاطر الاستخدام غير المحسوب للتقنيات العسكرية.


