الأكثر قراءة

الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية ـ الصين تتقدم وأوروبا تبحث عن موقعها

جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد

تتحول مراكز البيانات المدارية تدريجيًا من مفهوم تقني مستقبلي إلى مجال تنافسي ذي أبعاد استراتيجية، مع تزايد الاهتمام باستخدام الفضاء لمعالجة البيانات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية. وفي هذا السياق، تبدو الصين أكثر اندفاعًا نحو تطوير هذه التكنولوجيا، بينما لا تزال أوروبا في مرحلة بناء الرؤية والسياسات اللازمة للحاق بهذا المسار. ولا يعني ذلك أن سباقًا محسومًا قد بدأ، لكنه يكشف عن تفاوت في سرعة التحرك والاستثمار يستحق التوقف عنده.

تنبع أهمية مراكز البيانات المدارية من قدرتها المحتملة على معالجة كميات ضخمة من البيانات في الفضاء بدلًا من نقلها بالكامل إلى مراكز أرضية. ويمكن لهذا النموذج أن يدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد والاتصالات، فضلًا عن تعزيز القدرة على إدارة البيانات الفضائية بصورة أكثر استقلالية. لذلك، فإن القضية لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل ترتبط كذلك بالسيادة الرقمية والقدرة على التحكم في البنية التحتية للبيانات.

تبدو الصين في وضع متقدم نسبيًا بسبب الجمع بين التخطيط الحكومي والحوافز المحلية ومشاركة الشركات والمؤسسات البحثية. فقد ظهرت بالفعل مشروعات ومنظومات تجريبية للحوسبة الفضائية، إلى جانب خطط لنشر أعداد كبيرة من الأقمار الصناعية المخصصة للحوسبة. كما تسعى بكين إلى تطوير مراكز للابتكار وربط الشركات الخاصة والمملوكة للدولة ضمن منظومة واحدة. ويمنح هذا النهج الصين ميزة تتمثل في القدرة على تحويل الأولويات السياسية إلى مشروعات تجريبية بوتيرة سريعة.

في المقابل، لا تبدأ أوروبا من نقطة الصفر. فقد دعمت مؤسسات أوروبية مشروعات بحثية تستكشف إمكانات مراكز البيانات المدارية، كما طورت وكالة الفضاء الأوروبية شراكات تتضمن قدرات للذكاء الاصطناعي على متن الأقمار الصناعية. وتوجد كذلك شركات أوروبية تبحث في تطوير مراكز بيانات مدارية قابلة للتجميع الآلي. لكن التحدي يتمثل في محدودية نطاق هذه الجهود مقارنة بالوتيرة التي تشهدها الصين والولايات المتحدة.

من منظور أوروبي، قد يكون الخطر الحقيقي ليس فقدان سباق تقني مفترض، بل الاعتماد مستقبلًا على أطراف خارجية لمعالجة البيانات الفضائية الأوروبية. فإذا أصبحت الحوسبة المدارية جزءًا أساسيًا من البنية التحتية الرقمية، فإن التأخر في بناء القدرات المحلية قد يحد من استقلال أوروبا في إدارة بياناتها الاستراتيجية.

مع ذلك، فإن تسريع الاستثمار لا ينبغي أن يتحول إلى سباق غير منضبط. فالتكنولوجيا لا تزال في مرحلة مبكرة، وهناك أسئلة تتعلق بالتكلفة والطاقة والموثوقية وإدارة الحطام الفضائي والأمن السيبراني وتنظيم البيانات. كما أن الادعاءات المرتبطة ببعض المشروعات الصينية تحتاج إلى تقييم مستقل، خصوصًا عندما تستند إلى بيانات لم تُنشر وثائقها الرسمية بصورة كاملة.

لذلك، تبدو الأولوية الأوروبية الأكثر واقعية في بناء إطار منسق يجمع التمويل والبحث العلمي والمعايير التنظيمية والشراكات الدولية. وقد يكون إدراج مراكز البيانات المدارية ضمن أولويات برامج البحث والابتكار الأوروبية خطوة مهمة، لكن نجاحها سيعتمد على تحويل الخطط إلى مشروعات قابلة للتوسع.

لا يتعلق الأمر فقط بمن يصل أولًا إلى المدار، بل بمن يمتلك القدرة على بناء منظومة مستدامة وآمنة وموثوقة لمعالجة البيانات الفضائية. وإذا تمكنت أوروبا من تسريع جهودها دون تجاهل المخاطر التقنية والتنظيمية، فقد لا تكون الفجوة مع الصين قدرًا محتومًا، بل تحديًا يمكن التعامل معه عبر استراتيجية أوروبية أكثر وضوحًا وتنسيقًا.

https://hura7.com/?p=83080

الأكثر قراءة