جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في خطابه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، فشل دونالد ترامب في تهدئة مخاوف حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين. رغم تأكيداته بأنه لن يستولي على غرينلاند بالقوة، ولن يحل حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو الأمم المتحدة، إلا أنه أصر على أن خطط الولايات المتحدة لضم الجزيرة الدنماركية لا تزال قائمة. وأوضح أن هذا الأمر كان من الممكن أن يؤدي إلى أزمة في حلف الناتو. كما وجه ترامب تذمره من أوروبا بشأن العديد من القضايا، من سياسة الطاقة إلى الهجرة. ويبدو أن دافوس كانت بداية جولة جديدة من محاولاته للمصالحة بين روسيا وأوكرانيا، رغم أنه لم يقدم أفكارًا جديدة لتحقيق ذلك.
الهجوم الأول: غرينلاند
خلال اليومين الأولين من المنتدى في دافوس، صُدم المشاركون الأوروبيون من سلسلة المبادرات التي أعلن عنها ترامب في يناير، والتي تضمنت المطالبة بضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، التهديد بحرب جمركية ضد الدول المعارضة لهذا القرار، بالإضافة إلى اقتراح إنشاء “مجلس سلام” كبديل للأمم المتحدة. هذه التصريحات، التي أشعلت جدلاً واسعًا، قوبلت بانتقادات لاذعة من جانب العديد من المشاركين في المنتدى.
وفي اليوم الثالث من المنتدى، ظهر ترامب ليُقدّم خطابه رغم تأخر وصوله بسبب عطل فني في طائرته. على الرغم من هذا التأخير، لم يمنع ترامب من الالتزام بالموعد المحدد لإلقاء خطابه. بدأ الرئيس الأمريكي كعادته بالإشادة المفرطة بنجاحاته الاقتصادية، واعتبر فترته الرئاسية قد حققت انتصارات غير مسبوقة.
غرينلاند في خطاب ترامب
وعندما بدأ ترامب حديثه عن غرينلاند، اعتبره من المواضيع التي لم يكن يخطط للحديث عنها في البداية، لكنه رأى أن من الضروري التطرق إليها لتوضيح موقفه. قال ترامب: “أكنّ احترامًا كبيرًا لشعبي غرينلاند والدنمارك، لكن لا توجد دولة تستطيع ضمان أمن غرينلاند أفضل من الولايات المتحدة”. وتابع حديثه بالتأكيد على الدور التاريخي للولايات المتحدة في حماية الدنمارك خلال الحرب العالمية الثانية. كما أشار إلى أن القوات الأمريكية احتلت غرينلاند بعد غزو النازيين للدنمارك عام 1940 لمنع القوات الألمانية من الوصول إلى الجزيرة.
وأضاف ترامب بنبرة حادة: “لقد أعدنا غرينلاند إلى الدنمارك بعد الحرب، وهذا كان خطأً منا، لكننا فعلنا ذلك، والآن لا نتلقى أي شكر مقابل ذلك”.
النقد لأوروبا والإعلام الأمريكي
بعد الحديث عن غرينلاند، انتقل ترامب لانتقاد أوروبا، مؤكدًا أن القارة “تسير في الاتجاه الخاطئ” في مجالي الطاقة والهجرة. كما لم يترك الإعلام الأمريكي دون انتقاد، قائلًا إنه يرفض الاعتراف بإنجازات إدارته. في الوقت نفسه، لم يفوّت ترامب الفرصة للهجوم على سلفه جو بايدن، الذي وصفه بـ “أسوأ رئيس في التاريخ”. كما وجه تحذيرًا إلى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قائلاً: “تذكروا أن كندا موجودة بفضل الولايات المتحدة، قبل أن تتفوهوا بأي شيء”.
الموقف الأمريكي من الصراع الروسي الأوكراني
وفي ما يتعلق بالصراع الروسي الأوكراني، كانت تصريحات ترامب تشير إلى محاولة أخرى للمصالحة بين موسكو وكييف. فقد أعلن عن لقائه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مؤكدًا أن كلاً من الرئيس الأوكراني وفلاديمير بوتين يرغبان في “التوصل إلى اتفاق” لإنهاء الصراع.
على هامش المنتدى، أجرى كيريل ديميترييف، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، محادثات مع الوفد الأمريكي، الذي شمل المبعوث ستيفن ويتكوف وصهر الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر. وأعلن ويتكوف عن زيارة مرتقبة لموسكو في 22 يناير/كانون الثاني، وهو ما أكده الكرملين، على الرغم من أن تفاصيل المقترحات التي سيقدمها لم تُكشف بعد.
رغم التوقعات التي أثيرت حول إمكانية عقد اجتماع بين ترامب وزيلينسكي في دافوس، إلا أن الرئيس الأوكراني أعلن سابقًا أنه لن يحضر المنتدى بسبب شكوكه حول نتائج محادثاته مع ترامب. كما كانت هناك تكهنات حول توقيع “خطة إنعاش أوكرانيا”، التي تشمل تمويلًا أمريكيًا، لكن رفض زيلينسكي الحضور استبعد هذه الفكرة.
خلال خطابه في دافوس، عاد ترامب مجددًا إلى موضوع غرينلاند، في محاولة لتقديم عبارة لا تُنسى تضمن له التغطية الإعلامية. وقال في ختام خطابه: “بإمكانكم أن تقولوا ‘نعم’ (لضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة)، وسنكون ممتنين. بإمكانكم أن تقولوا ‘لا’، وسنتذكر ذلك”.
كان خطاب ترامب في دافوس بمثابة مؤشر على تصعيد التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن قضايا حساسة، بدءًا من غرينلاند إلى الصراع الروسي الأوكراني. في حين فشل ترامب في تقديم حلول جديدة للأزمة الأوكرانية، يواصل دفع أجندته في مواجهة الحلفاء الأوروبيين، الذين يرون أن هذه التحركات قد تؤدي إلى تهديدات طويلة الأمد للنظام الدولي القائم. ومع أن ترامب بدا مصرًا على خططه في ما يتعلق بغرينلاند، فإن المواقف الأوروبية والأوكرانية لا تزال بعيدة عن الرغبة في التسوية، مما يترك مستقبل العلاقات الدولية غامضًا في ظل سياسات ترامب المثير للجدل.


