الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الرابطة المارونية ومصرف لبنان: تواطؤ الصمت وتدوير الانهيار!

كارين القسيسجريدة الحرة بيروت

بقلم :كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس

علمت جريدة “الحرّة” أنّ الرابطة المارونية، برئاسة المهندس مارون الحلو، دعت حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إلى مقرّها، في لقاء حاشد جرى تقديمه على أنّه نقاش اقتصادي، غير أنّه اتّخذ في مضمونه وطابعه منحىً مختلفاً، أقرب إلى منبر سياسي تُطرح فيه عناوين عامة لا تلامس عمق الانهيار المالي بقدر ما تعيد تدوير مقارباته دون حلول فعلية.

في المقابل، تُذكّر شخصيّة سياسيّة مراقبة بأنّ الرابطة المارونية أُنشئت تاريخياً لتكون مساحة جامعة للمسيحيين، ومرجعاً معنوياً في لحظات الأزمات قبل الاستحقاقات، لا منصة لتكريس الاصطفافات أو تسويق الأسماء، متأسفةً لأن يُستثمر هذا الإطار في لقاءات ذات طابع بروتوكولي استعراضي، فيما كانت الحاجة أكثر إلحاحاً لعقد اجتماعات ميدانية موجّهة لدعم أهالي القرى الحدودية ورفع الصوت باسمهم في ظل الظروف القاسية، بدل الانشغال بإعادة إنتاج مشهد العلاقات العامة حول شخصيات عامة.

وتضيف أنّ جوهر الإشكال لا يكمن في اللقاء بحدّ ذاته، إنّما في تزامنه مع استمرار إدارة ملف المودعين بمنطق التجزئة والتقسيط والسرقة الممنهجة، إذ نقلت وكالة “لوريان لو جور” أنّ الحاكم كريم سعيد اعتبر أنّ خطة إعادة 100 ألف دولار لكل مودع على أربع سنوات غير قابلة للتطبيق، مقترحاً خفض الدفعة إلى 60 ألف دولار، وتأجيل 40 ألفاً على ثلاث سنوات إضافية، بما يمدّد عملياً الاسترداد إلى سبع سنوات، مع تحويل الفارق إلى سندات طويلة الأجل، في صيغة تُبقي على أصل الأزمة دون معالجة، وتحوّل الوديعة من حقّ نقدي واضح إلى التزام مؤجّل ومحفوف بالضبابيّة.

غير أنّ الإشكال الأعمق، وفق ما تراه هذه الشخصية السياسيّة، يتوقف عند فلسفة إدارة الانهيار نفسها. إذ يُطرح سؤال جوهري: كيف يمكن اختزال أزمة مالية بهذا الحجم في تعديلات تقنية على جداول الدفع، فيما يغيب حتى الآن أي مسار متكامل لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإعادة الاعتبار للودائع، وتحديد المسؤوليات بصورة شفافة وملزمة؟

وفي هذا الإطار، تُطرح الرابطة المارونية بدورها في دائرة التساؤل، إذ يُلاحظ أنّها تنحرف تدريجياً من موقعها كإطار يفترض أن يكون صوتاً ضاغطاً في الدفاع عن الحقوق إلى مساحة تستضيف اللقاءات وتمنح الغطاء الرمزي لشخصيات عامة، فيما المودعون، ومن بينهم شرائح واسعة من المسيحيين الذين يُفترض أنّهم في صلب اهتمامها، يُتركون لمصير التآكل البطيء، بلا ضغط فعلي ولا مبادرة قادرة على فرض مسار استرداد جدي.

وتتساءل: “ما الجدوى من تكثيف اللقاءات والندوات إذا كانت لا تُترجم إلى أي التزام عملي أو خطة واضحة؟ وكيف يمكن لإطار يحمل صفة تمثيلية أن يكتفي بدور “المنبر المروّج” للشخصيات، بدل أن يتحول إلى قوة مساءلة تدفع باتجاه حلول فعلية وملزمة؟

وفي موازاة ذلك، يزداد الجدل حول المقاربة التي يعتمدها حاكم مصرف لبنان، لا سيما في ظل تصريح منسوب إليه مفاده بأنّ بأنّ لم يفشل مالياً بسبب غياب القوانين بل بسبب التوقف عن احترامها”. ورغم ما يحمله هذا الكلام من توصيف نظري، إلا أنّه يفضح صاحبه، إذا كان الخلل في تعطيل القوانين، فأين موقع مصرف لبنان من تفعيل قانون النقد والتسليف بما يتيحه من أدوات لإعادة هيكلة القطاع؟ ولماذا لم يُفعّل أي مسار إلزامي لتوزيع الخسائر وفق قواعد قانونية واضحة، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة عبر التمديد والتأجيل؟ ولماذا تبقى بعض القوانين، خارج نطاق التطبيق الفعلي دون أي مسار جدي؟

لم يعد ممكناً التعامل مع الرابطة المارونية وحاكم مصرف لبنان كمسارين منفصلين في مقاربة الأزمة، إنّما كجزء من مشهد واحد تتبادل فيه الأدوار أكثر مما تتواجه فيه المسؤوليات. فالرابطة، التي يُفترض أن تكون صدىً صارخاً لحقوق المواطنين ودرعاً اجتماعياً في وجه الانهيار، تبدو في لحظة حرجة وكأنها تنزلق إلى وظيفة رمزية تُجمّل الواقع وتستضيفه بدل أن تُحاسبه، وتفتح أبوابها للمنابر بدل أن تفتح معارك الدفاع عن المودعين والحقوق المهدورة.

https://hura7.com/?p=81079

الأكثر قراءة