الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الرقابة على الحدود تضع ألمانيا في مواجهة مع بروكسل

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تتصاعد حدة الخلاف بين ألمانيا والاتحاد الأوروبي بشأن تشديد الرقابة على الحدود الألمانية، في وقت تدفع فيه المفوضية الأوروبية نحو تعزيز حرية التنقل داخل فضاء شنغن. وبين الاعتبارات الأمنية والالتزامات القانونية الأوروبية، يجد وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت نفسه أمام تحديات سياسية وقانونية متزايدة.

الرقابة على الحدود دوبريندت في مأزق مع بروكسل

يطبق وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت ضوابط صارمة على الدخول إلى ألمانيا، في الوقت الذي تعترض فيه المفوضية الأوروبية على ذلك. كان أحد أولى قراراته الرسمية، بعد توليه منصبه كوزير للداخلية، فرض ألكسندر دوبريندت ضوابط على جميع الحدود الخارجية لألمانيا، وتضغط المفوضية الأوروبية من أجل تخفيف تدريجي للرقابة على الحدود الألمانية باتباع النموذج الأمريكي، حيث يتم تسجيل الدخول والخروج من أوروبا رقميًا.

منطقة شنغن والمبدأ الأساسي لحرية التنقل

صرح ماغنوس برونر، مفوض الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي من النمسا: “في ظل هذه الظروف، تستطيع الدول الأعضاء العمل على الإلغاء التدريجي للضوابط على الحدود الداخلية”. بحسب المفوضية الأوروبية، انحرفت دول منطقة شنغن عن المبدأ الأساسي لحرية التنقل غير المقيدة في أكثر من 490 حالة منذ عام 2006. ووفقًا لقانون شنغن، لا يجوز لأي دولة عضو إعادة فرض الرقابة على الحدود إلا في “ظروف استثنائية”، وعندها يكون ذلك “مؤقتًا” وكـ”ملاذ أخير”.

مخاوف قانونية بشأن نهج دوبريندت

كان دوبريندت قد مدد الرقابة على الحدود لستة أشهر إضافية فقط في فبراير من العام 2026. وأوضح قائلاً: “الرقابة على الحدود عنصر من عناصر إعادة تنظيم سياسة الهجرة في ألمانيا”، مستشهدًا بأرقام الشرطة الفيدرالية.

ووفقًا لهذه الأرقام، انخفض عدد حالات الدخول غير القانوني إلى ألمانيا إلى 62 ألف حالة العام 2025. وللمقارنة، بلغ عدد حالات الدخول غير القانوني في عام 2023 ما يزيد قليلاً عن 127 ألف حالة. ومع ذلك، توجد مخاوف قانونية بشأن نهج دوبريندت. في شهر مايو 2026، قضت محكمة في كوبلنز، بولاية راينلاند بالاتينات، بأن ضوابط الحدود الألمانية مع دوقية لوكسمبورغ الكبرى تُخالف قانون الاتحاد الأوروبي. كما أعربت المفوضية الأوروبية عن مخاوفها كذلك.

انخفاض أعداد طالبي اللجوء في أوروبا

يهدف نظام شنغن الأوروبي إلى السماح بحرية التنقل داخل أوروبا. ويُسمح ببعض الاستثناءات؛ فعلى سبيل المثال، فرضت ألمانيا ضوابط حدودية قبيل بطولة أمم أوروبا لكرة القدم 2024 لردع مثيري الشغب المحتملين.

كما يُمكن الاستشهاد بارتفاع حجم الهجرة كسبب للاستثناء. ويستند دوبريندت إلى هذا التبرير. مع ذلك، يُشير الاتحاد الأوروبي إلى انخفاض أعداد طالبي اللجوء في أوروبا، وإلى نظام اللجوء الأوروبي المشترك الجديد (CEAS)، الذي يدخل حيز التنفيذ خلال العام 2026.

وقال برونر، مفوض الاتحاد الأوروبي: “لقد أثمر نهجنا الجديد بالفعل نتائج ملموسة، حيث انخفضت عمليات عبور الحدود غير القانونية بنسبة 40% إضافية في عام 2026”. لذا، تُركز بروكسل على التفكيك التدريجي للضوابط على الحدود الداخلية. لا يقتصر النقد على ألمانيا فقط، بل يشمل كذلك النمسا والدنمارك وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وسلوفينيا والسويد.

التقرير السنوي عن مراقبة الحدود 2026

أفادت الشرطة الألمانية الفيدرالية في التقرير السنوي عن مراقبة الحدود، بأن السلطات سجلت إعادة أو دفع 34914 شخصًا مباشرة عند الحدود أو أثناء محاولات عبور غير قانوني إلى ألمانيا.

ويُستخدم مصطلح “مرفوض” للإشارة إلى حالات يتم فيها إبعاد الأشخاص فور وصولهم إلى الحدود أو عند محاولة الدخول قبل إتمام الإجراءات القانونية، بينما يشير مصطلح “إعادة” إلى إعادة الأشخاص عبر الحدود إلى دولة مجاورة بعد اكتشاف دخول غير قانوني داخل المنطقة الحدودية

كشف التقرير عن وجود نحو 9000 شخص مطلوبين بموجب أوامر اعتقال معلقة، ما يعكس حجم المتابعة الأمنية المرتبطة بقضايا جنائية أو قانونية سابقة. منعت السلطات 1821 شخصًا من دخول الأراضي الألمانية، مع فرض حظر إعادة الدخول عليهم، في إطار إجراءات ضبط الحدود.

وفق البيانات، ألقت الشرطة الفيدرالية القبض على 8842 شخصًا صدرت بحقهم أوامر قبض سابقة، في حين تم توقيف 1415 شخصًا يُشتبه في تورطهم في عمليات تهريب بشر. وأشار التقرير كذلك إلى تحديد 1581 شخصًا من أطياف مختلفة، تشمل اليسار واليمين والتيارات المتطرفة المعادية للأجانب والإسلاميين، وُصفت حالاتهم بأنهم “ضحايا عرضيين” خلال العمليات الأمنية.

تقدّم 294 مهاجرًا من الفئات الضعيفة بطلبات لجوء أثناء هذه العمليات. ولتعزيز الرقابة على الحدود، تقوم الشرطة الفيدرالية بنشر ما يصل إلى 14000 ضابط ضمن عمليات التفتيش والمراقبة الحدودية الجارية. وبحسب التقرير، لا تتوفر بيانات مقارنة من السنوات السابقة، بسبب عدم وجود نظام سابق للضوابط الحدودية بشكل منهجي.

إعادة تنظيم سياسة اللجوء في ألمانيا

يواصل وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت تقديم سياسته في ملف الهجرة باعتبارها “تحولًا جذريًا” أعاد الانضباط إلى نظام اللجوء، مؤكدًا أن حكومته نجحت في الحد من الفوضى التي طبعت هذا الملف خلال السنوات الماضية. غير أن هذا النهج لا يزال يثير انتقادات سياسية وقانونية متزايدة، وسط تساؤلات بشأن فعاليته الحقيقية وقدرته على الصمود أمام التحديات المقبلة. كما أشاد دوبريندت بما وصفه بـ”التحول في موجة الهجرة”، معتبرًا أن الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية أسهمت في إعادة تنظيم سياسة اللجوء في ألمانيا.

نهج صارم للحد من الهجرة غير الشرعية

تبنى الوزير المنتمي إلى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي نهجًا صارمًا للحد من الهجرة غير الشرعية. وشملت الإجراءات التي دفع بها تعليق لم شمل الأسر للاجئين الحاصلين على الحماية الفرعية، وإلغاء مسارات التجنيس السريع للمندمجين بشكل جيد، وتسريع عمليات ترحيل المدانين إلى أفغانستان وسوريا، إلى جانب تقليص تمويل برامج الاندماج وتشديد الرقابة على الحدود الألمانية.

تؤكد الحكومة الألمانية أن هذه السياسات ساهمت في خفض أعداد اللاجئين الوافدين خلال العام 2025. لكن خبراء يشيرون إلى أن هذا الانخفاض لا يرتبط بالإجراءات الألمانية وحدها، بل يعود كذلك إلى عوامل دولية، من بينها تراجع أعداد القادمين من أوكرانيا وسوريا وتشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ورغم ذلك، يواصل دوبريندت الدفاع عن سياسته، مؤكدًا أن إجراءات الردع حققت نتائج ملموسة. وفي هذا الإطار، أعلن عزمه تمديد الرقابة على الحدود الداخلية لألمانيا، معتبرا أنها لا تزال ضرورية في المرحلة الحالية.

انتقادات من خبراء اللجوء والهجرة

يواجه هذا التوجه انتقادات حادة من خبراء الهجرة. إذ يرى هانز شامان، أستاذ سياسات الهجرة في جامعة هيلدسهايم، أن الرقابة الحدودية تمثل “سياسة رمزية” أكثر من كونها حلًا عمليًا، موضحًا أنه لا توجد أدلة علمية حاسمة تثبت أن هذه الإجراءات وحدها تقف وراء تراجع أعداد المهاجرين. وأضاف أن الحكومة تصر على هذا النهج رغم غياب تصور واضح لكيفية تطبيق النظام الأوروبي الجديد للجوء والهجرة.

ويستند دوبريندت في دفاعه عن استمرار الرقابة إلى قرب دخول الميثاق الأوروبي المشترك للجوء والهجرة حيز التنفيذ، وهو نظام يتضمن تشديد الرقابة على الحدود الخارجية وتسريع إجراءات اللجوء وإعادة العمل ببعض آليات نظام دبلن.

غير أن شامان يشكك في قدرة الولايات والبلديات الألمانية على تنفيذ هذه اللوائح بسلاسة، مشيرًا إلى أن العديد من الإدارات المحلية لا تزال تفتقر إلى رؤية واضحة بشأن مسؤولياتها وآليات التطبيق.

تتعرض الشرطة الاتحادية لضغوط متزايدة، فقد حذرت نقابة الشرطة الألمانية من وجود نقص حاد في أعداد العناصر الأمنية، خاصة في محطات القطارات والمناطق الحدودية. في المقابل، يشير دوبريندت إلى ما يعتبره نجاحات أمنية تحققت بفضل الرقابة الحدودية، موضحا أن السلطات سجلت عشرات الآلاف من حالات الرفض على الحدود، وأوقفت مهربي بشر ونفذت آلاف مذكرات التوقيف خلال العام 2025.

تواجه هذه الإجراءات تحديات قانونية متصاعدة. فقد قضت المحكمة الإدارية في كوبلنز بعدم قانونية بعض إجراءات الرقابة الحدودية بين ألمانيا ولوكسمبورغ، معتبرة أن الحكومة لم تقدم مبررات كافية لاستمرارها. كما سبق للمحكمة الإدارية في برلين أن اعتبرت عمليات الرفض الشامل لطالبي اللجوء غير قانونية بصيغتها الحالية، وهو ما أثار جدلا واسعا حول مدى التزام الحكومة بالقوانين الأوروبية.

وفي موازاة ذلك، يدفع دوبريندت بمشروع إنشاء “مراكز العودة” في دول خارج الاتحاد الأوروبي، بهدف تنظيم إعادة المهاجرين الذين رُفضت طلبات لجوئهم. وتسعى الحكومة الألمانية إلى إبرام اتفاقيات مع دول ثالثة لاستضافة هذه المراكز، وسط تكتم رسمي بشأن أسماء الدول المعنية، بينما تتردد أوغندا كأحد الخيارات المحتملة.

ينتقد شامان هذه الفكرة ، معتبرًا أن النقاش الدائر حول مراكز العودة يطغى عليه “الضجيج السياسي” أكثر من التخطيط العملي. ويرى أن إنشاء مثل هذه المراكز قد يستغرق سنوات طويلة، حتى في حال التوصل إلى اتفاقات دولية، فضلًا عن الشكوك المتعلقة بتكاليفها وجدواها القانونية والإنسانية.

https://hura7.com/?p=79812

 

الأكثر قراءة