داود رمال
جريدة الحرة ـ بيروت
تكرّس المملكة العربية السعودية دورها القيادي في العالم العربي عبر مزيج متوازن من الحزم السياسي والرؤية الاستراتيجية، ما يمنحها موقعاً متقدماً أيضاً على الصعيد الدولي. هذا الحضور لا يُبنى على مواقف دعائية أو تحالفات ظرفية، بل على قدرة المملكة في تحديد الأولويات الإقليمية بما يخدم الاستقرار، ورفضها المساومة على ثوابت تؤمن بأنها تشكّل صمّام أمان لمستقبل المنطقة، حتى لو اقتضى ذلك الوقوف في وجه ضغوط دولية أو مسارات مغرية آنية.
وخير دليل على ذلك، النقاش الدولي الذي سبق عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والذي شهد سيلاً من التحليلات الإعلامية والسياسية التي اعتبرت أن أولى خطواته ستكون فرض مسار التطبيع مع إسرائيل على الدول العربية، وفي طليعتها السعودية، تحت عنوان أن هذا المسار هو الضمانة الوحيدة للاستقرار في الشرق الأوسط. إلا أن الوقائع أثبتت بطلان هذا التصور، فقد أعلن ترامب صراحة أن قرار السلام مع إسرائيل هو قرار سيادي سعودي، وأن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان هو من يملك وحده صلاحية اختيار التوقيت والطريقة المناسبين لخوض هذا المسار. هذه المقاربة الأميركية لم تأتِ من فراغ، بل تعكس إدراكاً أميركياً بأن المملكة لم تعد دولة يمكن التعامل معها كجزء من محور تابع، بل كقطب إقليمي لا يُمكن تجاوزه.
هذا التثبيت للقرار السيادي السعودي لم يكن مجرد موقف عابر بل هو تعبير عن نهج قائم في السياسة السعودية الحديثة، يقوم على تأمين الاستقرار الحقيقي القائم على العدالة والمصلحة الوطنية العربية، لا على الحلول المؤقتة أو الصفقات غير المتكافئة. ويتجلّى هذا التوجه بوضوح في موقف المملكة من العدوانية الإسرائيلية المتصاعدة، والتي دفعت حتى الولايات المتحدة إلى تجاوز الشريك الإسرائيلي والتفاوض مباشرة مع حركة حماس لإطلاق رهينة أميركية، في سابقة تشير إلى حجم فقدان الثقة في قدرة إسرائيل على تقديم أي مقاربة متوازنة. إن ذهاب واشنطن لإجراء مفاوضات مباشرة مع خصم تصنّفه بالإرهابي، من دون إشراك إسرائيل، لم يكن ليمر دون ملاحظة في أروقة القرار الإقليمي، حيث بدا جلياً أن إسرائيل لم تعد قادرة على فرض شروطها كما في السابق، وأن ميزان القوى بدأ يميل لصالح من يمتلك أوراق الاستقرار لا أوراق الابتزاز.

وبناء عليه، أضحى من المستحيل الحديث عن تطبيع في المرحلة الراهنة، خصوصاً أن المملكة تربط ذلك بشكل صريح بحل الدولتين، وهو أمر ترفض إسرائيل الالتزام به، وتتمادى بدلاً من ذلك في العدوان على مختلف الأراضي العربية، حتى أنها قصفت في محيط القصر الرئاسي السوري دون مبرر، في استفزاز واضح وغير مقبول، يكشف غياب الرغبة الحقيقية لدى إسرائيل في السلام، بل إصرارها على فرض معادلات بالقوة تنسف أي أساس للحوار. لذلك، فإن الموقف السعودي الداعم لحل الدولتين لا ينبع من خطاب كلاسيكي، بل من رؤية تؤمن بأن أي سلام لا يضمن حقوق الفلسطينيين لن يكون إلا وصفة جديدة للفوضى.
على خط موازٍ، تبرز القيادة السعودية بقوة في الملف السوري، حيث أسقطت المملكة الرهانات التي بنتها بعض الدول على دورها كطرف محوري في هندسة مستقبل سوريا، لا سيما قطر التي سعت لأن تكون رأس الحربة في رسم النظام الجديد في دمشق. إلا أن الرياض استطاعت إعادة ترتيب الأولويات بما يخدم استقرار سوريا والمنطقة، محددة أولا ضرورة التخلص من المقاتلين الأجانب، وضمان أمن الحدود، وتحقيق العدالة الانتقالية التي تحاسب من تورط في جرائم الحرب، مع حماية المكونات الدينية والطائفية من دروز وعلويين ومسيحيين وشيعة وغيرهم، إدراكاً منها بأن الاستقرار لا يُبنى على التغليب بل على التوازن.

وفي هذا الإطار، لا يُمكن الحديث عن سلام شامل في سوريا دون أن يكون جزءاً من معادلة واضحة تحدد ما يمكن أن تقدمه إسرائيل مقابل ما يمكن أن تحصده، خصوصاً في ظل استحالة التنازل عن الجولان السوري المحتل في المدى المنظور. أما الخشية الحقيقية، فتتمثل في الدفع نحو تقسيم سوريا إلى أربع دول، مما يفتح الباب أمام اختراق إسرائيلي من خلال إحدى المكونات، وهو السيناريو الذي تعمل السعودية على منعه بكل ثقلها الدبلوماسي والسياسي، لقطع الطريق أمام أي عبث بوحدة الأراضي السورية. فالرؤية السعودية تنطلق من قاعدة أساسية مفادها أن تفكك الدول العربية هو المدخل الأخطر لأي اختراق أمني إسرائيلي طويل الأمد، وأن الأمن العربي يبدأ من وحدة الكيانات الوطنية لا من اتفاقيات شكلية مع عدو لم يبدِ يوماً أي نية للسلام الحقيقي.
من هنا، فإن المبالغة في ربط التطبيع مع إسرائيل بالاستقرار تبدو مقاربة قاصرة لا تنطبق على الواقع السوري، بل تتناقض مع الوقائع التي تؤكد أن الحل يبدأ من الداخل السوري لا من الخارج الإسرائيلي. والأكثر دلالة في هذا السياق هو فشل محاولة قطر ترتيب لقاء بين الرئيس الأميركي و”الرئيس السوري الجديد” أحمد الشرع على أراضيها، حيث حصل اللقاء في الرياض برعاية مباشرة من ولي العهد السعودي، الذي لعب دوراً محورياً في الدفع نحو إعلان رفع العقوبات عن سوريا، في خطوة تعكس إيمان السعودية بأن إعادة تأهيل سوريا يجب أن تكون وفق شروط تحفظ كرامة الدولة السورية ووحدة شعبها، لا من خلال مشاريع وصاية تنطلق من حسابات النفوذ لا من حاجات الشعوب.
إن السياسة السعودية الحديثة، بقيادة الأمير محمد بن سلمان، أثبتت أن القيادة الفعلية لا تُقاس بحجم الضجيج الإعلامي أو الادعاء بالمبادرة، بل بالقدرة على تجميع الأوراق الحقيقية، وتحويلها إلى تأثير ملموس على الأرض. هكذا تكرّس المملكة موقعها العربي والدولي من خلال وضوح الرؤية، واستقلالية القرار، والقدرة على التأثير لا على التبعية، مؤكدة أن القيادة لا تُفرض بل تُكسب عبر الثبات على المبادئ، والمرونة في الوسائل، بما يخدم المصالح العليا للأمة العربية.


