العميد منذر الأيوبي
جريدة الحرة ـ بيروت
في ظل التحديات المتعاظمة التي تواجه لبنان، يبقى ملف “سلاح حزب الله”، مثار جدل داخلي حاد بين من يرى في بقاء السلاح ضمانة وطنية في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، ومن يعتبره عائقًا أمام استكمال بناء الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها. لكن النقاش الحقيقي لا يجب أن ينحصر بين “النزع الفوري” و”الإبقاء المطلق”، بل ينبغي أن ينطلق من تحليل استراتيجي وواقعي يستند إلى الظروف الحالية والتوازنات الإقليمية والدولية.
الانقسام اللبناني: حق التعبير ومخاوف الأطراف
واقع الانقسام اللبناني واضح، والجدل لا ينتهي. باتت المواقف متصلبة بشكل يهدد بإعادة إنتاج الصراعات القديمة بين فريق يطالب بحصرية السلاح بيد الدولة فورًا، وفريق آخر يرى أن الوقت غير مناسب؛ ومع ذلك، من المهم أن يُعطى كل مكوّن لبناني الحق الكامل في التعبير عن مخاوفه ومطالبه الأمنية والسياسية، لأن تجاهل هذه المخاوف قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات وإرباك مسار الحلول الوطنية. فهم الدوافع الحقيقية وراء تمسك كل طرف بالسلاح، سواء كانت مخاوف من تهديدات خارجية أو رغبة في حماية مصالح داخلية، يشكل خطوة أساسية نحو بناء الثقة والتفاهم فيما يغيب عن الطرح العام التساؤل الجوهري: ما هي الشروط الوطنية والسيادية والأمنية والسياسية التي تسمح فعلاً بتطبيق مبدأ “حصرية السلاح” دون جرّ البلاد إلى مواجهة داخلية أو إلى فراغ دفاعي في مواجهة العدو الإسرائيلي؟
الضمانات الدولية: دروس من تجارب عالمية
في هذا السياق، تُطرح قضية الضمانات الدولية المفقودة أو المُتجاهَلة كعنصر حاسم في أي محاولة لمعالجة ملف السلاح. فكيف يمكن للدولة اللبنانية أن تطلب من مكوّن وازن في معادلة الردع أن يُسلّم سلاحه دون أن تتوافر ضمانات جدية من المجتمع الدولي، بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والالتزام الصارم بالقرار 1701؟
التجارب الدولية تؤكد أن أي عملية مماثلة لا يمكن أن تتم في ظل فراغ أمني أو سياسي؛ ففي أيرلندا الشمالية لم يتم تفكيك ترسانة “الجيش الجمهوري الإيرلندي” إلا بعد اتفاق “الجمعة العظيمة” الذي تضمن ضمانات واضحة من بريطانيا وإيرلندا والمجتمع الدولي. وفي البوسنة والهرسك، جاء تسليم الأسلحة الثقيلة ودمج القوات بعد اتفاق دايتون تحت إشراف قوات متعددة الجنسيات. أما في نيبال، فقد جرى دمج المقاتلين السابقين في الجيش ضمن ترتيبات سلام برعاية الأمم المتحدة.
هذه النماذج تظهر أن الضمانات ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا مسبقًا لإنجاح أي مسار وطني مماثل. وما يُفاقم الخطورة في لبنان أن الاعتداءات المتكررة على قوات الطوارئ الدولية – سواء من قبل مدنيين أو قوى حزبية – تصب، بشكل مباشر، في مصلحة العدو الإسرائيلي، إذ تمنحه ذريعة لتشويه صورة لبنان أمام المجتمع الدولي، وإعادة طرح مسألة “عجز الدولة” عن ضبط جنوبها، ما يعزز مناخ الضغوط الدولية باتجاه تعديل المهام أو اللجوء إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. هنا العين على الولايات المتحدة الأميركية، فهل هي مستعدة أو راغبة فعلاً بتقديم مثل هذه الضمانات، أم أنها تكتفي بالضغط السياسي والاقتصادي على لبنان دون عرض بدائل عملية لحماية سيادته؟
دور القوى الإقليمية والدولية في دعم الحل
في ظل الوضوح الأميركي المُدرج في ورقته، يبرز تساؤل عن دور ممكن لأطراف أخرى، كالاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية، لجهة الضمانات بما يعني توفير مظلّة دعم تتيح للدولة اللبنانية التقدّم بخطوات وئيدة نحو ضبط السلاح دون أن تفقد توازنها الداخلي. فرنسا أبدت سابقًا اهتمامًا بالملف اللبناني، والمملكة العربية السعودية أعادت تفعيل حضورها السياسي في بيروت، فهل يمكن ترجمة هذا الحضور إلى مبادرة تُقنع جميع الأطراف بأن الدولة ليست وحدها في هذه القضية الوطنية الحساسة؟
الجيش اللبناني وخطة حصر السلاح: الفرص والتحديات
ضمن هذا الإطار، يُطرح خيار تكليف مجلس الوزراء الجيش اللبناني إعداد خطة تنفيذية لحصر السلاح، كخطوة تنظيمية ودستورية تحترم التراتبية المؤسساتية وتضع الملف في يد المؤسسة العسكرية التي تحظى بثقة غالبية اللبنانيين. إلا أن هذا الطرح، رغم وجاهته لا يخلو من الإشكاليات. فهل يمتلك الجيش القدرة اللوجستية والسياسية لتنفيذ هذه المهمة في ظل الانقسامات القائمة؟ وهل سيتحوّل إلى طرف في النزاع بدل أن يبقى رمزًا للوحدة الوطنية؟ أم أن الخطة ستصاغ بحكمة القيادة لتشكل خارطة طريق تدريجية، تُراكم الثقة وتبني أرضية مشتركة لحوار وطني جامع؟
توازيًا يبقى التحدي الأكبر في كيفية تنفيذ أي اتفاق على الأرض، خاصة في مرحلة نهوض مؤسسات الدولة وصعوبة السيطرة الكاملة على المخيمات الفلسطينية. إن أي خطة لحصر السلاح أو نزع السلاح تواجه عقبات لوجستية وسياسية معقدة، منها خطر تفكك التوازنات الأمنية الداخلية أو فتح الباب لصراعات جديدة. فالقدرة اللوجستية للجيش اللبناني والتنسيق بين الأجهزة الأمنية تشكلان نقطة محورية في نجاح أي خطة تنفيذية، وهذا يتطلب صياغة الخطة المطلوبة بحكمة القيادة لتشكل خارطة طريق تدريجية تُراكم الثقة على أرضية وطنية مشتركة.
المعطيات الراهنة: ضمانات أميركية ودعم عربي متجدد
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن ضمانات شفهية قدمت من المبعوث الأميركي توم براك لرئيس الجمهورية، وأكثر من ذلك يبدو أن الإجماع الدولي حول القرار الحكومي سيترجم بشكل سريع وبعد تقديم الجيش خطته المطلوبة انسحابات إسرائيلية تدريجية وهذا ما سوف يهدأ من حدة الانقسام، كما سنشهد بالتوازي خلال الفترة الممتدة حتى نهاية السنة الجارية دعمًا عربيًا على الصعد كافة وضمنًا المباشرة بإعادة الإعمار بما يلبي مطالب الدولة بشكل مباشر والمقاومة بشكل تلقائي لجهة خروج العدو من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات البرية والجوية.
مبادرة الحوار الوطني: نحو رؤية أمنية شاملة
تاليًا أتى قرار الحكومة اللبنانية عقب اجتماعها الخميس الماضي لجهة موافقتها على أهداف الورقة الأميركية لتثبيت وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، والمتضمنة جدولًا زمنيًا ليكون الفرصة السانحة لعقد خلوة حوارية وطنية داخلية مغلقة في القصر الجمهوري دون مهلة زمنية محددة، مع حجب أي اتصال بالعالم الخارجي، ليخرج بعدها الدخان الأبيض منتجًا رؤية وطنية أمنية شاملة، تتكامل فيها الاستراتيجية الدفاعية مع مشروع الدولة المدنية القادرة، تُصاغ برعاية دولية ضامنة، لا عبر ضغوط تُفرض من الخارج وتترك البلاد في مهب الريح…
نحو نهج عقلاني وخطوات مدروسة لتسوية وطنية
سياقًا؛ الطرح ليس طوباويًا ولا التفافًا على قرار سيادي مطلوب؛ لبنان اليوم في قلب لحظة مفصلية؛ وكل قرار يُتخذ يجب أن يُبنى على منطق الدولة لا على ردات الفعل، والأخيرة واجبها استباق الأفخاخ لا الانزلاق إليها. إذ ماذا ومن يمنع العدو من إبقاء المنطقة الحدودية المدمرة كليًا مع النقاط الخمس المحتلة عازلة مفرغة من البشر والحجر؟
السلاح، أياً كان حامله، يجب أن يُدار ويحفظ في إطار الشرعية والحصرية لا خارجها. لكن الوصول إلى هذه النتيجة لا يمكن أن يتم بقرارات صدامية أو شعارات شعبوية، بل وفق نهج عقلاني لا شكلي، وخطوات محسوبة في إطار تفاهمات وتوافقات وطنية تأخذ بعين الاعتبار توازنات إقليمية لا يمكن تجاهلها!
عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية


