الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

السيادة اللبنانية بوجه العدوان

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتقاطع التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة عند منعطف مصيري بالغ الدقة، حيث ترسم خطوط النار ملامح مرحلة جديدة من الصراع المفتوح الذي يتجاوز حدوده العسكرية المباشرة ليمس صلب المعادلة الديموغرافية والجغرافية اللبنانية.

وتظهر القراءة المتأنية لحركة الميدان، المتمثلة في تصاعد وتيرة القصف على الضاحية الجنوبية لبيروت وتوسيع رقعة أوامر الإخلاء القسري لتشمل قرى قضاء الزهراني، أن جيش العدو الإسرائيلي يعمل وفق استراتيجية مركبة تسعى لفرض وقائع ميدانية صلبة وقاسية تسبق أي تسوية سياسية مرتقبة، مستخدمًا القوة المفرطة وأداة التهجير والضغط الإنساني في هذا العدوان لفرض تراجع في العمق اللبناني وإعادة صياغة الخريطة الأمنية للحدود، في محاولة واضحة لانتزاع مكاسب جغرافية وأمنية دائمة تحت غطاء التفاوض.

وفي مقابل هذا العدوان، يبرز رد المقاومة الميداني بضربات تفشل حسابات الاحتلال؛ إذ تشير المعطيات على الأرض إلى استمرار المقاومة البرية في خوض مواجهات ضارية واستهداف آليات العدو الإسرائيلي وجنوده عند نقاط التماس المباشرة وفي القرى الحدودية مثل بلدة عيتا الشعب وخلة الراج، مما يثبت ميدانياً عدم قدرة قوات الاحتلال على فرض سيطرتها المطلقة أو كسر إرادة التصدي رغم الغارات الجوية العنيفة والمدمرة وسياسة الأرض المحروقة.

وفي خضم هذه التحديات الجسيمة، يواجه لبنان الداخلي مشهداً معقداً يتسم بالانقسام في الرؤى السياسية والمواقف حيال الحرب وأسباب اندلاعها وتوقيتها، فضلاً عن تباين وجهات النظر حول دور السلاح وبنيته؛ ورغم هذه التباينات العميقة في القراءة الاستراتيجية، برز حراك لبناني رسمي لافت يسعى لترتيب البيت الداخلي والحد من التجاذبات عبر خطوات سيادية وقانونية واضحة، تمثلت في إصدار الحكومة لقرارات وتوجهات رسمية تحظر أي مظهر من مظاهر العمل العسكري خارج إطار الدولة.

إلى جانب بلورة خطة وطنية متكاملة تهدف إلى استكمال سحب السلاح من العاصمة بيروت الإدارية وسائر المناطق اللبنانية تدريجياً، كخطوة أساسية لتعزيز مرجعية الدولة الحصرية في السلاح والدفاع. وتترافق هذه المساعي مع وطأة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة يدفع ثمنها الشعب اللبناني؛ إذ تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية إلى أن حصيلة ضحايا هذا العدوان الإسرائيلي المستمر منذ الثاني من آذار الماضي ارتفعت إلى 2,727 شهيداً و8,438 جريحاً، بالتوازي مع موجة نزوح قسرية هائلة ومأساوية شردت أكثر من 1.6 مليون شخص تجاوزوا خمس خمس السكان، وضاق بهم اتساع الرقعة الجغرافية المستهدفة التي شملت حوالي 14% من مساحة البلاد.

وفي مواجهة هذا الواقع المرير والعدوان الإسرائيلي المستمر الذي يسعى لاستغلال جولات التفاوض كغطاء للتدمير الممنهج وفرض شروط إذعان قاسية، برز حراك لبناني رسمي على مستوى القيادة السياسية العليا لقطع الطريق أمام محاولات الاستفراد والابتزاز الميداني.

فقد بادر رئيس الجمهورية إلى عقد لقاء جامع ومحوري ضم رئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة، في خطوة بالغة الدلالة تهدف إلى توحيد الرؤية الوطنية وإرساء موقف رسمي متماسك وخلفية سياسية موحدة قبل انطلاق الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير سيمون كرم إلى العاصمة الأمريكية واشنطن لخوض الجولة الثالثة من المحادثات.

هذا اللقاء الثلاثي يمثل رسالة قوة تعكس التضامن الداخلي والتمسك بالثوابت الوطنية، وتؤكد رفض لبنان المطلق لأي محاولات لفرض ترتيبات أمنية مجحفة تمس بسيادته الوطنية وسلامة أراضيه أو تشرعن احتلالاً مقنعاً تحت مسميات “المناطق العازلة”.

وقد تكلل هذا الحراك الدبلوماسي والسياسي بتوجيه طلب لبناني رسمي وحاسم إلى الإدارة الأمريكية للتدخل الفوري والضغط الفاعل على حكومة العدو الإسرائيلي لوقف اعتداءاتها الجوية والبرية، ووضع حد لسياسة الأرض المحروقة والتهجير الممنهج قبل موعد جولة المفاوضات القادمة؛ إذ يعتبر لبنان الرسمي أن إيقاف العدوان بشكل كامل وتثبيت وقف إطلاق النار هما الشرط الأساسي والمدخل الإلزامي لنجاح أي مسعى تفاوضي حقيقي، وبدون ذلك تصبح اللقاءات الدبلوماسية مجرد غطاء لاستمرار الجرائم الميدانية والخروقات اليومية للهدنة الممددة.

إن التحرك اللبناني يعكس تمسك الدولة بكامل سيادتها ومطالبتها بتطبيق القرارات الدولية، لاسيما تلك التي تضمن الانسحاب الكامل لجيش العدو الإسرائيلي من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة وتأمين العودة الآمنة للنازحين إلى قراهم وإعادة نشر الجيش اللبناني على كامل حدوده السيادية، كحل وحيد يضمن الاستقرار المستدام ويبدد أوهام التغيير الديموغرافي والجغرافي.

وفي نهاية المطاف، يبقى الخروج من هذا النفق المظلم معلقاً على قدرة الدولة اللبنانية، عبر تماسك مؤسساتها الدستورية والتنسيق الوثيق بين أركانها، على الصمود الدبلوماسي والسياسي في مواجهة الضغوط الخارجية، مستندةً إلى حوار داخلي بناء يعزز اللحمة الوطنية ويحمي النسيج المجتمعي من تداعيات الأزمة الاقتصادية والإنسانية الخانقة.

وتكمن الحلول المستقبلية للبنان في التأسيس لشبكة أمان وطنية ترتكز على إعلاء سلطة القانون وتفعيل مؤسسات الدولة الحاضنة لجميع أبنائها بلا تمييز، والعمل على استراتيجية دفاعية وطنية شاملة تنبثق من التفاهم والتنسيق والتعاون بين كافة المكونات اللبنانية، بعيداً عن منطق التحدي أو الصراع الداخلي؛ مما يتيح للبنان استعادة سيادته واستقلاله وصياغة مستقبله الأمني والاقتصادي بقدراته الذاتية، وتحويل التحديات الراهنة إلى فرصة تاريخية لبناء دولة قوية، عادلة، وقادرة على حماية أرضها وشعبها وصون كرامتها الوطنية في وجه أي أطماع للعدو الإسرائيلي.

https://hura7.com/?p=78776

الأكثر قراءة