جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

■ الأساس القانوني للسيادة
إن النزاع القائم على الحدود اللبنانية- الفلسطين المحتلة (من قبل العدو الاسرائيلي) ليس نزاعاً على أراضٍ مجهولة التبعية، بل هو عدوان مستمر على حدود دولية مرسمة ومثبتة بخرائط الانتداب والاتفاقيات الدولية. يستند الحق اللبناني إلى مبدأ “ثبات الحدود الدولية”
، الذي يمنع تغيير الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية بالقوة العسكرية، ويجعل من أي توغل إسرائيلي خرقاً جسيماً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الآمرة.
■ أولاً: المرجعية الجغرافية والتاريخية (حدود 1920-1923)
تعتبر حدود لبنان البرية “حدوداً نهائية” رُسمت بموجب اتفاقية ( باولي-نيوكومب ) لعام 1923، وهي الاتفاقية التي حددت بدقة السيادة الجغرافية بين لبنان وفلسطين.
▪︎ بروتوكول 1923:وضع هذا البروتوكول 38 نقطة حدودية تبدأ من الناقورة غرباً وتنتهي عند “الحمّة” شرقاً.
▪︎ مزارع شبعا وتلال كفرشوبا: تؤكد خرائط عام 1920 (إعلان دولة لبنان الكبير) وخرائط عام 1923، أن هذه المناطق تقع شمال الخط الدولي، أي ضمن السيادة اللبنانية المطلقة. إن مزاعم إسرائيل بأنها “أرض سورية” احتلتها عام 1967 هي مغالطة قانونية؛ فالإدارة العسكرية السورية المؤقتة لها قبل عام 1967 لا تمنح سيادة، حيث إن السيادة تُستمد من الصكوك العقارية (سجلات حاصبيا وصيدا) ومن ممارسة السلطة الإدارية (مخافر الدرك، الجباية المالية، والمدارس الرسمية اللبنانية) التي استمرت حتى لحظة الاحتلال، وهو ما يثبته لبنان بوثائق دامغة في المحافل الدولية حتى يومنا هذا .
■ ثانياً: اتفاقية الهدنة 1949 والقرار 425
تُعد اتفاقية الهدنة العامة الموقعة في 23 آذار 1949، الوثيقة القانونية الملزمة والوحيدة التي تنظم الوضع العسكري بين الجانبين بإشراف الأمم المتحدة.
▪︎ المادة الخامسة: تنص صراحة على أن “خط الهدنة يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين”.
▪︎ بطلان المكاسب العسكرية: إن أي توغل إسرائيلي (بما في ذلك التوغل القائم حالياً في آذار 2026) هو خرق للمادة الثانية التي تحظر أي عمل هجومي.
▪︎ القرار 425 و426 (1978): أقر مجلس الأمن بوجوب انسحاب إسرائيل الفوري إلى الحدود الدولية. إن بقاء إسرائيل في مزارع شبعا والغجر والنقاط الـ 13 (التحفظات اللبنانية) يُبقي القرار 425 “غير مكتمل التنفيذ” قانونياً، مما يمنح لبنان الحق المشروع في المطالبة بإنهاء الاحتلال دون قيد أو شرط أو مساومة.
■ ثالثاً: الحقوق البحرية والثروات (قانون البحار)
استناداً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، يمتلك لبنان حقوقاً اقتصادية خالصة لا تقبل الانتقاص.
▪︎ السيادة المائية: إن ترسيم الحدود البحرية (تشرين الأول 2022) لا يعني التنازل عن الحقوق التاريخية. يرفض لبنان أي محاولة لفرض “منطقة عازلة بحرية” تقضم من بلوكاته النفطية (8 و9).
▪︎ الثروة المائية البرية: إن احتلال إسرائيل لمرتفعات كفرشوبا ومحيط نهر الوزاني يهدف للسيطرة على مصادر المياه العذبة. القانون الدولي للمياه يمنح لبنان السيادة الكاملة على موارده المائية داخل حدوده، وأي اقتطاع جغرافي يُعتبر “سرقة موصوفة للموارد الوطنية” تجب المحاسبة عليها.
■ رابعاً: المسؤولية الدولية والتعويضات المالية (Reparations)
بموجب “قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة” الصادرة عن لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة، تلتزم إسرائيل بدفع تعويضات مالية جبرية للبنان عن:
▪︎ الأضرار المباشرة: تدمير البنية التحتية في عدوان عام 1996، عام 2006، وعام 2024 وصولاً لآذار 2026 (النبطية، الضاحية، الجنوب، والبقاع ).
▪︎ الأضرار البيئية: التعويض عن قصف خزانات الجية وتلويث المتوسط، واستخدام الفوسفور الأبيض الذي أدى لتصحر الأراضي الزراعية (جريمة بيئية Ecocide) رش المبيدات وغيرها .
▪︎ الخسائر الاقتصادية: حرمان الدولة اللبنانية من استثمار مواردها في مزارع شبعا منذ عام 1967، وهو ما يُقدر بمليارات الدولارات كحقوق مالية لأصحاب الأرض ولخزينة الدولة.
■ خامساً: حقوق اللاجئين الفلسطينيين (حق العودة)
يتمسك لبنان بـ القرار الأممي 194، الذي ينص على حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وتعويضهم.
▪︎ رفض التوطين: دستور لبنان
(المقدمة – ط) يرفض التوطين بكل أشكاله. إن مسؤولية اللاجئين الفلسطينيين المقيمين قسراً في لبنان هي مسؤولية دولية وقانونية تقع على عاتق إسرائيل (كدولة محتلة ، طاردة).
▪︎ الحقوق المشروعية: يطالب لبنان المجتمع الدولي بإلزام كيان الاحتلال إسرائيل بتنفيذ حق العودة، مع التأكيد على أن وجودهم في لبنان هو “لجوء قسري” لا يسقط هويتهم الأصلية ولا يمنح إسرائيل حق التنصل من التزاماتها تجاههم.
■ سادساً: تطوير اتفاقية الهدنة
أثبتت تجربة “اتفاقية وقف إطلاق النار لعام 2024” عقم التفاهمات الجانبية. يطالب لبنان اليوم بـ:
▪︎ التزام أممي قطعي: العودة إلى خط الهدنة لعام 1949، مع رقابة دولية تمتلك آليات تقنية لرصد الخروقات، ومنع الاحتلال الإسرائيلي من ممارسة “التفسير المنفرد” للاتفاقيات.
▪︎ إنهاء الغزو الحالي: الانسحاب الإسرائيلي الشامل من مسافة الـ 8 كلم (المحتلة حالياً في آذار 2026) هو واجب قانوني غير خاضع للمساومة السياسية، حيث إن بقاء الاحتلال يُبطل شرعية أي تسوية مستقبلية.
■ الخاتمة:المآلات السياسية والقانونية
إن حقوق لبنان الجغرافية (الحدود الدولية)، والمالية (التعويضات)، والسيادية (المياه والنفط)، والحقوقية (حق العودة الفلسطيني)، هي حزمة واحدة غير قابلة للتجزئة. لبنان لا يفاوض على “أرضه”، بل يفاوض على “آليات استعادة الأرض”. إن القانون الدولي هو الحكم، وخرائط عام 1923 هي الشاهد، والتعويض عن العدوان هو الاستحقاق القانوني الذي لا يسقط بالتقادم.


