
جريدة الحرة بيروت
بقلم علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
إن معايير القوة في التوازنات الدولية الراهنة لم تعد محكومة حصراً بحيازة الموارد المادية التقليدية، بل باتت ترتكز بصفة جوهرية على القدرة الوطنية في إخضاع الابتكار الرقمي لمنظومة سيادية تحمي الكيان الإنساني والوطني من التلاشي في قوالب التبعية التقنية. نحن في مرحلة مفصلية تفرض على الدولة اللبنانية، بجميع مؤسساتها، العمل على تصحيح مسارات التطور المعرفي وتأطيرها ببعد وطني وقيمي جامع، للحيلولة دون تحول هذا التقدم من أداة لتعزيز النمو إلى وسيلة لاستلاب الإرادة الوطنية وهدم أركان الاستقرار المجتمعي.
إن ما يواجهه لبنان والمنطقة من تحديات ناتجة عن الانكشاف المعلوماتي أمام التطورات المتسارعة، يحتم الشروع الفوري في بناء حصانة وطنية تتجاوز منطق الاستهلاك السلبي للمنتج الخارجي، لتستقر في صلب عملية إنتاج المعرفة وتوجيهها نحو حماية الأمن القومي والخصوصية الثقافية للمجتمع.
إن المسؤولية الملقاة على عاتق مؤسسات الدولة في جسر الهوة بين التسارع التقني العالمي وبين الثوابت الاجتماعية، تقتضي تآزراً يتجاوز الحسابات الضيقة نحو رؤية استراتيجية شاملة. فالمؤسسات التربوية والثقافية هي خط الدفاع الأول المعني بصياغة وعي وطني نقدي، يرفض الانصياع المطلق لآليات السوق الرقمية العالمية التي تتعامل مع الفرد كبيانات إحصائية مجردة من الانتماء.
إن السيادة الحقيقية في هذا المنعطف هي سيادة القرار الوطني المستقل المنفتح على آفاق العلم والابتكار، شريطة أن يظل هذا الانفتاح محكوماً ببوصلة المصلحة الوطنية العليا التي تمنع الارتهان تحت وطأة أنماط الهيمنة الحديثة. وهذا التوجه يتطلب بالضرورة توطين التكنولوجيا وجعلها ركيزة أساسية في مفهوم المواطنة الفاعلة، حيث تتكامل قطاعات الصحة والزراعة والاقتصاد في تناغم مؤسساتي لبناء سياج وطني يحمي البنية التحتية والوعي الجمعي من محاولات التلاعب بالاستقرار الداخلي.
إن تفعيل هذا التآزر يفرض الانتقال من حيز التنظير إلى مرحلة التنفيذ الميداني لبناء شبكة أمان حيوية تربط مفاصل الدولة برؤية موحدة. ففي قطاع التربية والتعليم، يتوجب صياغة مناهج تعليمية متطورة تكرس استقلال التفكير وتدرب الأجيال على امتلاك ناصية الابتكار، ليس كأدوات تنفيذية لبرمجيات خارجية، بل كعقول قادرة على تطويع التكنولوجيا لخدمة الهوية الوطنية وتعزيز المنعة الداخلية. وفي موازاة ذلك، تبرز الحاجة الملحة لقطاع صحي يمتلك قواعد بيانات وطنية محمية ومستقلة، تؤمن خصوصية المواطنين وتمنع تسريب المعلومات الحيوية التي قد تُستخدم في الضغوط الدولية.
أما قطاع الزراعة، فإنه يضطلع بدور محوري في صون السيادة الغذائية عبر توظيف تقنيات الإنتاج الذكية المعتمدة على خبرات محلية، بما يضمن استقلال القرار الغذائي بعيداً عن الارتهان للقوى التي تسعى لفرض وصايتها على الموارد الأساسية. هذا التكامل الوظيفي بين العلم والتطبيق، وبين القرار السياسي والممارسة الميدانية، هو الكفيل بردم الفجوات الاستراتيجية وتحويل مؤسسات الدولة إلى حصن منيع يصون كرامة المواطن ويعزز قدرة الدولة على مواجهة الضغوطات الخارجية بوعي سيادي راسخ.
إن الغاية التي ينبغي أن تتحرك نحوها الدولة اللبنانية هي الوصول إلى حالة من الاكتفاء المعرفي الذي يزاوج بين متطلبات الحداثة وبين الأصالة الوطنية التي ترفض التبعية. لا يمكن تحقيق استقلال حقيقي ومستدام ما لم يمتلك المجتمع اللبناني بمختلف أطيافه إرادة العمل الجماعي لتحويل التقدم التقني من أداة لفرض الوصاية الخارجية إلى وسيلة لخدمة المشروع النهوضي الوطني الشامل. إننا أمام ضرورة ملحة لإعادة تعريف مفهوم التقدم؛ فالمستقبل لا يُنتظر بل يُصنع، وهو الواقع الذي يتشكل عندما ننتقل من حالة الترقب إلى حالة المبادرة المعرفية والإنتاجية، بوعي وطني يرفض الاستلاب ويتمسك بسيادة الدولة على مقدراتها الرقمية والبشرية.
إن لبنان، بتنوعه الثقافي وعمق انتمائه، مؤهل لأن يكون نموذجاً في التوفيق بين ذروة التطور العلمي وبين الالتزام بالثوابت الأخلاقية، بعيداً عن أنماط الاستهلاك التي تضعف الروابط المجتمعية أو تهدد النسيج الوطني.
إن الحلول لمستقبل الدولة اللبنانية تكمن في صياغة عقد اجتماعي وتقني جديد، يرتكز على الحوار الوطني المسؤول والتنسيق الوثيق بين كافة القوى والمكونات لتعزيز مؤسسات الدولة المركزية. يتطلب ذلك وضع تشريعات وطنية صارمة لحماية الفضاء السيادي الرقمي، ودعم مراكز الأبحاث المحلية لتكون هي المرجعية في تقديم الحلول للمشكلات الوطنية. إن الاستثمار في العقل المبدع وتوفير البيئة الحاضنة للابتكار داخل كنف الدولة، هو السبيل الوحيد لمنع هجرة الكفاءات وتحويلها إلى رافعة للسيادة.
كما يجب العمل على بناء منظومة دفاع رقمي وطني تحمي المؤسسات العامة والخاصة، وتجعل من التكنولوجيا جسراً للتواصل والتفاهم بين اللبنانيين، لا ساحة للتجاذب. إن مستقبل لبنان السيادي مرهون بقدرتنا على تحويل التحدي التقني إلى فرصة للتلاقي والنهوض، وبناء دولة قوية، قادرة بوحدة مؤسساتها على فرض حضورها في المحافل الدولية كدولة مستقلة، منتجة للمعلومة، ومحافظة على قيم العدل والكرامة الإنسانية في وجه كافة أشكال التبعية.


