جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تستيقظ الجغرافيا العربية اليوم على إيقاع تحولات عميقة تعيد صياغة مفهوم الدولة الوطنية في مواجهة تمدد المشاريع العابرة للحدود، حيث تبرز ساحات المنطقة كنموذج صارخ لصراع الإرادات بين الحسابات السيادية والارتباطات الخارجية. إن المتأمل في المشهد السياسي الراهن يدرك أننا لسنا بصدد أزمات عابرة، بل نحن أمام إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى، حيث تتداخل المصالح الجيوسياسية مع التطلعات المحلية في صيرورة معقدة تفرض على العقل السياسي العربي البحث عن مخارج تتجاوز منطق الصدام أو التبعية المطلقة. في هذا السياق، يبرز الانقسام الحاد في قراءة طبيعة المواجهات الراهنة؛ فبينما يميل التحليل المتأثر بالرؤية الدولية إلى وضع التحركات الميدانية في إطار “حروب الوكالة”، يرى قطاع واسع من شعوب المنطقة أن هذا التوصيف يغفل الحقوق الوطنية المشروعة في الدفاع عن الأرض، ويهدف إلى تجريد القوى المحلية من دافعها الأصيل في مواجهة الأطماع التوسعية والعنجهية العسكرية الاسرائيلية التي تفرضها القوة المتفوقة في الإقليم.
إن جوهر الإشكالية يكمن في مدى قدرة القوى الوطنية على صياغة معادلة توازن بين المصلحة العليا والواقعية السياسية. فمن جهة، يظهر أن الاعتماد على التفوق العسكري والغطاء الدولي اللا محدود قد شجع على ممارسات التدمير المنهجي التي طالت الحواضر العربية، مما أدى إلى تعميق الهوة بين الأنظمة والتطلعات الشعبية. ومن جهة أخرى، فإن حالة الانقسام الداخلي حول هوية “المقاومة” وجدواها تعكس أزمة ثقة عميقة؛ إذ يرى البعض في الانخراط ضمن المحاور الإقليمية ضرورة استراتيجية لانتزاع الحقوق، بينما يخشى آخرون من أن يؤدي هذا الانخراط إلى رهن القرار الوطني لصالح قوى خارجية، مما يجعل الساحة المحلية مجرد ورقة مقايضة في مفاوضات كبرى. إن هذا الارتباك يخدم أساساً المشروع الساعي لتكريس طرف واحد كقوة مهيمنة وحيدة، قادرة على فرض إرادتها في السلم والحرب على حد سواء.
وفي العراق واليمن، تتبدى هذه المعضلة بوضوح من خلال التجاذب بين مؤسسات الدولة والتشكيلات التي تمتلك رؤى أيديولوجية مغايرة. إن استغلال الأراضي كمنصات لتوجيه الرسائل أو تصفية الحسابات يضع السيادة الوطنية على المحك، ويحول مفهوم “الدفاع” إلى مادة للسجال السياسي بدلاً من أن يكون ركيزة للإجماع الوطني. إن ما يُطرح في المحافل الدولية حول ضرورة لجم هذه القوى غالباً ما يتجاهل الأسباب الهيكلية التي أدت لبروزها، وعلى رأسها استمرار الاحتلال وغياب العدالة الدولية، مما يخلق بيئة خصبة للاستقطاب الحاد. ومن هنا، فإن العبور نحو الدولة الحقيقية يتطلب فك هذا الاشتباك من خلال بناء رؤية وطنية جامعة تستوعب طاقات المجتمع تحت مظلة الشرعية، بعيداً عن منطق الارتهان أو الانبطاح الذي يفقد الدولة مبرر وجودها السيادي.
أما في لبنان، فإن التحديات تبدو أكثر تعقيداً بالنظر إلى التوازنات الدقيقة التي تحكم تركيبته. إن حماية لبنان تتطلب اليوم الالتزام بنواميس العمل السياسي التي تقوم على التفاهم المشترك، بعيداً عن اللغة التي قد تثير الحساسيات بين المكونات. إن تعزيز سيادة الدولة واستقلالها لا يمكن أن يتحقق من خلال الصدام الداخلي أو الاتهام بالتبعية، بل عبر حوار وطني شجاع يضع “لبنان أولاً” فوق كل اعتبار. إن الحلول المستدامة تكمن في صياغة عقد اجتماعي يرسخ التنسيق الوثيق بين القوى السياسية، لمنع تحويل الساحة الوطنية إلى ميدان لتجاذب المحاور، وضمان أن يكون قرار الحرب والسلم نابعاً من صلب المصلحة الوطنية اللبنانية، وبما يحمي البلاد من التغول العسكري الذي لا يفرق بين الحجر والبشر.
إن استشراف المستقبل يفرض علينا تبني حلول جذرية تستند إلى فهم عميق لواقع الشعوب. إن استعادة الدور الريادي تمر حتماً عبر تقوية المؤسسات الأمنية والمالية وتحصين الجبهات الداخلية ضد الاختراق. إن الخلاص يكمن في استعادة الدولة لزمام المبادرة، وتفعيل مؤسساتها الدستورية لتكون هي الضمانة الوحيدة والموقع الحصين لكل المواطنين. إن الوصول إلى هذه الأهداف يتطلب شجاعة في مراجعة المواقف، والقدرة على استبدال لغة التحدي بلغة التفاهم والتنسيق، مما يقطع الطريق على أي مشروع يهدف إلى تفتيت النسيج الاجتماعي لخدمة أهداف توسعية غريبة عن المنطقة.
ختاماً، إن التاريخ لا يرحم الكيانات التي تفرط في أوراق قوتها أو تلك التي تحولها إلى أدوات لاستنزاف الذات. إن القوة الحقيقية تكمن في الانسجام بين تطلعات الشعب وصلابة المؤسسات السيادية. نحن اليوم أمام فرصة تاريخية لمنتظر ساعة الإشراق التي تعيد تعريف الهوية الوطنية بعيداً عن ثنائية التبعية أو العزلة، ومن خلال بناء نموذج سياسي يحتفي بالأصالة والعبور نحو أفق من الاستقرار المبني على الكرامة، حيث تكون السيادة فعلاً ممارساً لا مجرد شعار، وحيث تتوحد الجهود مستنهضة للهمة في سبيل حماية الأوطان من كل طامع أو معتدٍ.


