جريدة الحرة
خاص ـ قبل التدشين الرسمي لنظام الدفاع الصاروخي الجديد “آرو 3” في منطقة أنابورغ هيث نهاية عام 2025، كانت المنشأة تخضع لمراقبة أمنية دقيقة نظرًا لحساسيتها الاستراتيجية. غير أن حادثة غير مسبوقة أعادت تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجهها القوات المسلحة الألمانية خاصة والأوروبية بشكل عام في حماية بنيتها الدفاعية المتقدمة.
فبحسب ما أفادت به تقارير أمنية، نقلًا عن وثيقة داخلية للجيش الألماني، رصدت القوات ثلاث طائرات مسيّرة من “نوع غير معروف” تحلق فوق محطة الرادار التابعة لمنظومة آرو 3 على ارتفاع يقارب 100 متر في الأول من ديسمبر 2025. وقد تم اكتشاف الطائرات أولًا عبر نظام كشف تقني مخصص لرصد الأجسام الطائرة غير المصرح بها، قبل أن تُفعّل القوات وحدة الرد السريع التابعة لها للتعامل مع التهديد المحتمل.
شكوك حول فعالية الإجراءات الدفاعية المتاحة
نشرت القوات المسلحة قوة مهام متنقلة أطلقت بدورها طائرة استطلاع مسيّرة لمتابعة الأهداف وفقًا للتقرير. وتمكنت القوة من رصد إحدى الطائرات بصريًا، ما عزز الشكوك حول وجود عملية مراقبة متعمدة. وبحسب الوثيقة، صدر إذن رسمي بإسقاط الطائرات المسيّرة فورًا، إلا أن المحاولات باءت بالفشل.
فقد جاء في التقرير أن “أنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيّرة لم تتمكن من التصدي لها”، الأمر الذي يثير تساؤلات حول فعالية الإجراءات الدفاعية المتاحة في مواجهة هذا النوع من التهديدات المتطورة.
عقب الحادثة، تم إبلاغ الشرطة العسكرية وجهاز مكافحة التجسس العسكري، وقدمت القوات المسلحة بلاغًا رسميًا إلى الشرطة. كما أكد متحدث باسم القيادة العملياتية للجيش الألماني، كتابيًا، وقوع الحادثة وتحليق الطائرات المسيّرة فوق الموقع، في اعتراف يعكس جدية التعامل الرسمي مع الواقعة.
وتتعامل القوات المسلحة الألمانية مع هذه الحادثة بحساسية بالغة، خاصة وأن التقرير الداخلي صنّفها كثاني عملية تحليق مشبوه لطائرات مسيّرة فوق نظام رادار “آرو 3” في أنابورغ خلال فترة قصيرة.
يشير التقرير إلى أن عدد الطائرات المسيّرة المستخدمة، إضافة إلى الأهمية الاستراتيجية للنظام المستهدف، يرجّح أن يكون ما حدث عملية استطلاع موجهة بعناية. كما لا يستبعد وجود صلة زمنية بين الحادثة واقتراب موعد افتتاح المنشأة رسميًا، بما يوحي بمحاولة جمع معلومات استخباراتية حول قدرات النظام ومواقع مكوناته قبل دخوله الخدمة الفعلية.
ارتفاع حاد في حوادث تحليق الطائرات المسيّرة
ولا تُعد هذه الواقعة معزولة عن سياق أوسع. ففي بداية عام 2025، رُصدت طائرات مسيّرة مماثلة فوق قاعدة الجيش الألماني في شفيسينغ بولاية شليسفيغ هولشتاين، حيث كان الجنود الأوكرانيون يتلقون تدريبًا على نظام الدفاع الجوي باتريوت.
وقد فشلت آنذاك محاولات التصدي للطائرات المسيّرة، وأُغلق التحقيق دون التوصل إلى أي مشتبه بهم. وتُظهر هذه الوقائع نمطًا متكررًا من محاولات الاقتراب غير المصرح به من مواقع عسكرية حساسة داخل ألمانيا.
فمنذ اندلاع حرب أوكرانيا في فبراير 2022، سجلت السلطات الأمنية الألمانية ارتفاعًا حادًا في حوادث تحليق الطائرات المسيّرة المشبوهة فوق المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية.
ووفقًا للمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، تم تسجيل أكثر من 1000 حادثة من هذا النوع خلال عام 2025 وحده. وتشير مصادر أمنية إلى وجود شبهات قوية بتورط جهات روسية في جزء من هذه العمليات، في إطار ما يُعرف بحرب الاستطلاع والهجمات الهجينة التي تستهدف اختبار قدرات الدول الأوروبية على حماية مواقعها الاستراتيجية.
لماذا يتم استهداف منظومة “آرو 3″؟
يكتسب استهداف منظومة “آرو 3” أهمية خاصة نظرًا لطبيعة النظام ذاته. إذ يُعد من أكثر أنظمة الدفاع الصاروخي تطورًا في العالم، وقد تم تطويره بالشراكة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولا يُستخدم سوى في هاتين الدولتين.
يتميز النظام بقدرته على اعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات شاهقة، وأحيانًا خارج الغلاف الجوي للأرض، ما يمنحه قدرة فريدة على التصدي للتهديدات بعيدة المدى قبل دخولها المجال الجوي الوطني.
قد أثبت النظام فعاليته في إسرائيل خلال التصدي لهجمات صاروخية إيرانية، حيث تم تدمير صواريخ باليستية في مراحلها المبكرة من الطيران.
اشترت ألمانيا منظومة “آرو 3” مقابل نحو 3.6 مليار يورو، في إطار سعيها لتعزيز قدراتها الدفاعية ضمن مبادرة “الدرع الجوي الأوروبي” التي تهدف إلى بناء شبكة دفاع صاروخي مشتركة في القارة.
إلى جانب موقع أنابورغ هيث في ولاية ساكسونيا أنهالت، من المخطط إنشاء موقعين إضافيين في ولايتي شليسفيغ هولشتاين وبافاريا. ومن المتوقع أن تدخل المنظومة حيز التشغيل الكامل في ألمانيا بحلول عام 2030، ما يجعلها حجر زاوية في استراتيجية الدفاع الجوي الألمانية لعقود مقبلة.
مرحلة مستقبلية جديدة من التحديات الأمنية
تثير حادثة الطائرات المسيّرة تساؤلات عميقة حول جاهزية ألمانيا لحماية أحد أهم مشاريعها الدفاعية من التهديدات الحديثة. كما تكشف عن فجوة متزايدة بين تطور الأنظمة الدفاعية التقليدية وتنامي قدرات الطائرات المسيّرة الصغيرة التي يصعب رصدها وإسقاطها.
بينما تتواصل التحقيقات لتحديد الجهات المسؤولة، يبدو أن ألمانيا، ومعها أوروبا، تدخل مرحلة جديدة من التحديات الأمنية حيث لم تعد التهديدات تأتي فقط من الصواريخ العابرة، بل من طائرات صغيرة تحلق بصمت فوق أكثر المواقع سرية وحساسية.


