جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تعيش المنطقة العربية اليوم في خضم صراع طويل ومعقد بين القوى الكبرى، مع تأثيرات عميقة على المستوى المحلي والإقليمي. يتجلى هذا الصراع في الحرب المستمرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد انقسم الشارع العربي بشكل حاد تجاه هذه الحرب، بين مؤيدين لإيران ومن يراقبون من بعيد بحيادية، كل منهم يحمل رؤيته الخاصة حول دور إيران وأهدافها في المنطقة، وتحديدًا فيما يتعلق بفلسطين والمصالح الإقليمية.
هناك قسم من الشارع العربي يرى في إيران “المدافع” عن القضايا العربية، خاصة القضية الفلسطينية. بالنسبة لهؤلاء، إيران تقود “حربًا عادلة” ضد ما يُسمى بالشر الصهيوني، ويعتبرون الدعم الإيراني لفلسطين جزءًا من نضالها ضد الاحتلال الإسرائيلي. يتصور هؤلاء أن إيران هي الحامي للعالم العربي أمام الهجمات الإسرائيلية، التي لا تقتصر على الاحتلال المباشر لفلسطين فحسب، بل تمتد إلى تدمير الأوضاع في المنطقة عبر محاربة كل من يعارض الهيمنة الإسرائيلية.
في المقابل، هناك فئة كبيرة من العرب الذين لا يضعون أيديهم في يد إيران، ولكنهم يتعاطفون مع الشعب الإيراني الذي يعاني من الحرب التي تقودها الحكومة الإيرانية بقيادة نظام متشدد، يضع مصالحه الأيديولوجية والقومية فوق مصالح شعبه. يرى هؤلاء أن إيران تتخذ من فلسطين والشعارات الدينية غطاءً لشن حربها الأيديولوجية، وتلجأ إلى خطاب طائفي في محاولتها لفرض هيمنتها على المنطقة العربية، مما يفاقم الوضع ويزيد من التوترات.
وفي هذا السياق، نجد أن هذين الطرفين، رغم اختلاف أهدافهما، يتبنيان أفكارًا متطرفة وأيديولوجيات متشابهة، مما يضع المنطقة في قلب صراع طويل الأمد بين “الفكر الإيراني” الذي يهدد المنطقة بالقوة العسكرية، وبين “الفكر الإسرائيلي” الذي يعكس رد فعل عنيف تجاه تهديدات إيران، مستخدمًا نفس الوسائل من خلال الضربات الجوية والهجمات العسكرية على الدول العربية المجاورة.
الولايات المتحدة الأمريكية، في هذا الصراع، لا تبدو بعيدة عن معادلة القوى. فهي تلعب دورًا محوريًا في دعم إسرائيل، وفي الوقت ذاته تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع إيران في بعض القضايا، مما يزيد من تعقيد الوضع في المنطقة. فكل طرف في هذا الصراع يسعى لتقديم أوراق اعتماده للولايات المتحدة، التي تمثل القوة الكبرى في العالم اليوم.
التحليل الأيديولوجي للصراع العربي تجاه إيران
الشارع العربي اليوم يعيش حالة من الانقسام الحاد بسبب الحرب المستمرة بين القوى الكبرى في العالم. انقسامٌ يزداد تعقيدًا في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. في هذا السياق، نجد أن المواقف في الشارع العربي تتراوح بين التأييد لإيران، خاصة في حربها ضد “الشر والصهيونية” كما يراها البعض، وبين موقف آخر يميل إلى الحياد أو التضامن مع الشعب الإيراني الذي يعاني من تبعات حرب مدمرة يقودها نظام يركز على مصالحه الأيديولوجية على حساب مصلحة الشعب الإيراني.
التأييد الإيراني في الشارع العربي
ينقسم الرأي العام العربي في مسألة الدعم الإيراني إلى فئتين رئيسيتين:
1-المؤيدون لإيران وحربها العادلة:
يرى هذا الاتجاه في إيران المدافع الأوحد عن القضية الفلسطينية، ويرون أن الحرب التي تخوضها إيران ضد إسرائيل هي “حرب عادلة” لا بد من دعمها بكل الوسائل. هؤلاء يعتقدون أن إيران تُحارب نيابة عن الأمة العربية والإسلامية ضد “العدو الصهيوني”، ولا يلتفتون إلى السياسات الإيرانية داخل المنطقة أو ما تقوم به إيران من تجاوزات ضد الشعوب العربية. بالنسبة لهم، القضية الفلسطينية لا يمكن فصلها عن دعم إيران الذي يُعتبر في نظرهم تصديًا للمخططات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
2-الحياد والتضامن مع الشعب الإيراني:
في المقابل، هناك فئة كبيرة من العرب الذين يتبنون موقفًا محايدًا أو متعاطفًا مع الشعب الإيراني في معاناته. هذا القسم من الجمهور العربي يرى أن النظام الإيراني، رغم شعاراته عن دعم فلسطين، لا يسعى في الحقيقة إلا لتحقيق مصالحه الخاصة، ويتخذ من القضية الفلسطينية غطاءً لسياساته الطائفية والإيديولوجية. هؤلاء يرون أن الحرب التي تقودها إيران هي في جوهرها حربًا أيديولوجية لا علاقة لها بحماية فلسطين أو الأمة العربية، بل هي مجرد أداة لتحقيق الهيمنة الإيرانية على المنطقة.
الصراع الإيراني الإسرائيلي: تقاطعات وتناقضات
وبينما يقف الطرف الإيراني في حربه ضد إسرائيل، يبدو أن الطرف الإسرائيلي لا يقل عدوانية في ردوده على تهديدات إيران، حيث تقوم إسرائيل بتوجيه ضربات عسكرية لمجموعة من الدول العربية المجاورة. هذا الأمر يجعل المنطقة العربية في قلب معركة غير مباشرة بين هذين الطرفين. ومع ذلك، فإن كلا الطرفين، رغم أن لكل منهما أهدافه الخاصة، يبدوان في النهاية طرفين يستخدمان الأيديولوجيات المتطرفة لتحقيق أهدافهما السياسية والعسكرية في المنطقة.
في هذا السياق، نجد أن الصراع بين إيران وإسرائيل ليس مجرد حرب بين دولتين، بل هو صراع إيديولوجي حاد بين مشروعين فكريين مختلفين. من جهة، يسعى كل من النظام الإيراني وإسرائيل إلى فرض رؤيتهما للهيمنة على المنطقة العربية، سواء عبر الهجمات العسكرية أو عبر نشر الأيديولوجيات الدينية والطائفية.
تعريف المصطلحات الثلاثة
قبل أن نغوص في تحليل المواقف المختلفة للشارع العربي تجاه إيران، من المهم أن نحدد بعض المصطلحات التي تساعد في فهم السياق بشكل أعمق:
1-التطرف الإسلامي:
التطرف الإسلامي أو الإسلاموي هو مصطلح يستخدم للإشارة إلى المعتقدات والسلوكيات المتطرفة المرتبطة بالدين الإسلامي. هذه الأيديولوجيات لا تقتصر على العنف فقط، بل تشمل رفض الديمقراطية، واحترام الأديان الأخرى، والتسامح. تطرف الإسلام السياسي يهدف إلى إقامة دولة إسلامية وفقًا لأسس دينية متشددة، وهو ما يرفضه العديد من المفكرين والسياسيين في العالم العربي.
2-اليسار المتطرف:
يعبّر اليسار المتطرف عن المواقف الراديكالية التي تسعى إلى العدالة الاجتماعية والمساواة من خلال هدم الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية السائدة. بعض اليساريين في العالم العربي يرون في إيران نموذجًا لمقاومة الهيمنة الرأسمالية، ويتبنون أفكارًا أممية وعلمانية رغم أنها أصبحت في نظر الكثيرين من الماضي. إلا أن هذه الأيديولوجيات باتت في تراجع كبير بعد فشل الكثير من مشاريع اليسار في العالم، وبخاصة مع التغيرات الفكرية والسياسية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة.
3-القومية العربية:
القومية العربية هي الإيمان بأن الشعب العربي يشكل أمة واحدة، تجمعها اللغة والثقافة والتاريخ. حلم الوحدة العربية كان سائدًا في منتصف القرن العشرين، لكنه فشل في تحقيق أهدافه السياسية والاجتماعية. مع انهيار مشاريع الوحدة العربية، نجد بعض القوميين العرب يتوجهون نحو إيران كحليف يضمن لهم الحماية من التهديدات الإسرائيلية، رغم أن القومية العربية نفسها قد فشلت في تحقيق وحدة حقيقية في المنطقة.
المواقف المؤيدة لإيران في العالم العربي
يمكن تقسيم التأييد الإيراني في العالم العربي إلى ثلاث فئات رئيسية:
1-الإسلام السياسي:
يرى أن إيران، كدولة إسلامية شيعية، تقود حربًا مقدسة ضد إسرائيل. هؤلاء يعتبرون أن دعم إيران واجب ديني في مواجهة ما يعتقدون أنه “العدو الصهيوني” الذي يهدد الأمة العربية والإسلامية. هذا التأييد يعكس في كثير من الأحيان إيديولوجيات دينية متشددة تتجاهل ممارسات إيران الداخلية تجاه الشعوب العربية.
2-الأفكار اليسارية القديمة:
هذه الفئة من اليساريين الذين يتبنون مواقف متطرفة في دعم إيران بسبب تصوراتهم عن “الأممية” و”العلمانية”. لكن مع مرور الوقت، أصبح دعمهم لإيران غير منطقي نظرًا لأن الكثير من هذه الأيديولوجيات قديمة وفقدت قوتها في مواجهة النظام الرأسمالي المعولم. هؤلاء يحلمون بالعودة إلى الماضي، حيث كان العداء للرأسمالية يمثل المحور الأساسي لفكرهم السياسي، لكن هذا الفكر أصبح عاجزًا عن مواكبة التغيرات السياسية والاقتصادية المعاصرة.
2-القومية العربية المنهارة:
مع تراجع مشروع الوحدة العربية، هناك بعض القوميين الذين يعتقدون أن إيران قد تكون الحليف الوحيد القادر على حمايتهم من تهديدات إسرائيلية وأمريكية. هؤلاء القوميون يعيشون في الماضي، ويشعرون أن القومية العربية قد فشلت، ولذلك يتوجهون إلى إيران في محاولة للبحث عن دعم لحلمهم الذي بات بعيدًا عن التحقيق.
إن الصراع المستمر بين إيران وإسرائيل هو أكثر من مجرد حرب بين دولتين؛ إنه صراع على الأفكار والأيديولوجيات في المنطقة. الشارع العربي اليوم يعيش بين فكرين متناقضين، الأول يتبنى شعارات دينية متطرفة والثاني يتبنى أفكارًا قديمة لا تتماشى مع التحديات التي يواجهها العالم العربي اليوم. في خضم هذه الصراعات، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للعالم العربي أن يخرج من هذه الأيديولوجيات القديمة ويسعى لبناء مستقبل قائم على المصالح المشتركة والتعاون بين شعوب المنطقة بعيدًا عن الشعارات الفارغة والصراعات الطائفية؟
يجب أن يكون التوجه العربي نحو المستقبل بعيدًا عن هذه الأفكار المريضة التي تعيق التقدم وتزيد من التوترات في المنطقة، ويجب على الأجيال الجديدة أن تتحرر من لوثات هذه الأيديولوجيات المتطرفة لتتمكن من بناء واقع جديد يضمن السلام والاستقرار للمنطقة.
بالنهاية ، يجب القول بإن الانقسام الذي يشهده الشارع العربي اليوم حول الحرب الإيرانية يعكس تحولات فكرية عميقة في المنطقة، حيث تلتقي الأيديولوجيات المتطرفة، سواء كانت إسلامية أو يسارية أو قومية، في دعم إيران لأسباب مختلفة. لكن الحقيقة أن هذه الأيديولوجيات أصبحت قديمة، وهي لا توفر حلولًا عملية للمشاكل الحقيقية التي تعيشها الشعوب العربية اليوم. هناك حاجة ملحة للخروج من هذه “اللوثات الفكرية” التي تُستخدم كأدوات لتأجيج الحروب وخلق الصراعات، دون النظر إلى مصالح الشعوب العربية.
التحدي الأكبر يكمن في ضرورة تجديد الفكر العربي، والانفتاح على أفكار جديدة بعيدة عن الشعارات المفرغة من المضمون، والعمل على إيجاد حلول حقيقية لتحسين أوضاع الشعوب العربية في مواجهة القوى الكبرى التي تتلاعب بمصيرهم.


