الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الشروط الأميركية وإيران: القبول مستحيل، والانفجار محسوب

جريدة الحرة بيروت

بقلم : نبيل أحمد شحاده ، مدونة الكاتب نبيل شحاده

دخلت المواجهةُ الأميركية الإيرانية في الأسابيع الأخيرة، مرحلةً دقيقة تتجاوز المنطق التقليدي للتفاوض، ولامست حدود إعادة تعريف الصراع نفسه بين الولايات المتحدة وإيران، وأعادت انتاج مجموعة من الأسئلة حول طبيعة النزاع؛ هل ما زال قابلاً للاحتواء عبر صفقة سياسية ما، أم إن واشنطن باتت ترى في النظام الإيراني خطراً، وتهديداً شاملاً لا تكفي الاتفاقات لتطويق تداعياته.

حزمة الشروط الأميركية المطروحة على طهران يُمكنُ اختصارُها بثلاثة بنود وهي: تفكيك المشروع النووي وتسليم مخزون كبير من اليورانيوم المخصّب، وإنهاء برنامج الصواريخ الباليستية وتفكيك مخزونه، ووقف الأذرع المسلحة المنتشرة على الخارطة العربية، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان. هذه الشروط ليست تقنية أو قابلة للأخذ والرد، وليست لتعديل سلوك إيران، بل تشكّل في مجموعها، إعادة هندسة لموقعها ودورها الإقليمي، واستئصال عناصر القوة التي تمتعت بها لأكثر من أربعة عقود. شروطٌ تبدو أقرب إلى سقف ضغط سياسي واستراتيجي يترتب عليه، أي عمل عسكري مُحتمل.

ومن هنا، جاءت المحادثات التي عقدها رؤساء الأركان الأميركيون والإسرائيليون في البنتاغون، وما تلاها من لقاء وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مع رئيس الأركان إيال زامير لمراجعة “الاستعداد العملياتي لأي سيناريو محتمل”، كمؤشر عملي على أن واشنطن وتل أبيب لا تفصلان الديبلوماسية عن الردع، بل إنهما يُكمّلان بعضهما.

ومن الديبلوماسية، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما زال يعبّرُ عن أملهِ بالتوصل إلى اتفاق مع إيران. وأملهُ لا ينبع من ثقة بحكام بطهران ورغبتهم في تسوية سلمية، بل هو يدرك أن كلفة البدائل عالية، ولا ضير في الاستثمار في عامل الوقت. وفي هذا المسار، كشفت منصة أكسيوس عن دور نشط لقطر وتركيا ومصر لتنظيم لقاء في أنقرة يجمعُ مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف ومسؤولين إيرانيين، في مسعى جدّي وربما أخير، قبل الذهاب إلى مسار أكثر خطورة.

لكن هذه الجهود ما زالت حتى الآن تصطدم بالموقف الإيراني نفسه. فطهران تريد التفاوض على مسائل نووية “لم تُبّت منذ سنوات طويلة” وستستمر لسنوات أخرى، وتعتبر أن مشروعها النووي والصواريخ والأذرع هي خطوط حمراء وسيادية، وادراجها في سلّةٍ واحدة يعني أنّ التفاوض فُرّغ من مضمونه، وأن المطلوب اجراء اختبار للنوايا أكثر منه مفاوضات فعلية.

الجواب الأولي على الشروط، جاء على لسان علي خامنئي في رسالة “ردعية” موجهة إلى واشنطن، حذّر فيها من أن أي هجوم أميركي سيحوّل الحرب إلى صراع إقليمي. الرسالة كانت واضحة في الإشارة إلى الأذرع بوصفهم شركاء في أية مواجهة، وأن كلفة الخيار العسكري لن تنحصر جغرافياً، وزمانها قد يكون مفتوحاً.

وفي مقلب آخر، نشهد تناقضاً في المواقف الإيرانية؛ الإعلام الرسمي يتحدث عن مناورات للقوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز، فيخرج نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء أحمد وحيدي، ليقول إن “احتمال اندلاع حرب جديدة ضد بلاده مستبعد” ويؤكد عدم وجود نية لدى القوات البحرية التابعة للحرس الثوري لإجراء تدريبات بالذخيرة الحية. هذا السلوك يعكس سياسة إيرانية محسوبة تبتعد عن الاستفزاز، مع إبقاء المضيق ورقة تهديد نظرياً على الأقل، ودون تحويلها إلى شرارة صدام مفتوح.

حتى الآن يبدو أن الأمور ستبقى على رتابتها وهدوئها بانتظار نتائج المساعي المبذولة من عدة أطراف، وبحسب كلام لمسؤول تركي فإن الجهود الدبلوماسية بين طهران وواشنطن قد تؤجل الهجمات الأميركية المحتملة. هذا يتقاطع مع تصريح لوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث جاء فيه أن الرئيس دونالد ترامب ملتزم بالسلام وبالتوصل إلى صفقة إذا كانت إيران جادة فعلاً في ذلك.

وبعيداً عن الشروط والتحذيرات والردود الإيرانية، يرى مراقبون أن الأزمة ليست محصورة بين إيران والولايات المتحدة، بل إن الأزمة أعمق وأكبر وتتعلق بنظام يعاني تآكلاً متقدماً في شرعيته الداخلية ومعنى وجوده. فالفشل الاقتصادي، والانغلاق السياسي، وتصاعد موجات الاحتجاج، كلها مؤشرات على عجز بنيوي خطير في إدارة الدولة.  وهذا النظام لم يعد قادراً على تقديم أي خطة إصلاحية أو مشروع انقاذي مقنع، ولا يبدو أن لديه الجرأة والإرادة للتعايش مع محيطه، ولم يعد لديه إلا القمع وإنتاج وتصدير الأزمات.

والمواجهة الحالية ليست حول برنامج نووي فحسب، بل حول مستقبل نظام سياسي بلغ حدود قدرته على الاستمرار بذات النهج والأدوات. الشروط الأميركية، بصيغتها الحالية، تكاد تكون رسالة أكثر منها عرضاً للتفاوض: إمّا تغيير جذري في السلوك والبنية والممارسة، أو استمرار الاستنزاف تحت سقف التصعيد المحسوب. وبين رغبة أميركية مشروطة في الاتفاق، وتهديد إيراني محسوب بالتصعيد، يعيش الشرق الأوسط كله مرحلة يحكمها التساؤلات المتواصلة. فهل تخضع إيران، ويتجرّع المرشد الأعلى علي خامنئي كأس السم، في مشابهة لما فعله الامام الخميني في عام 1988، وقال وقتها: “أتجرّع كأس السُّم المُلوّث بقبول القرار”، أو يحسم الأمر ويذهب إلى مواجهة مكلفة ومدمّرة لا يبدو برأي كثيرين، أن النظام سيخرج منها سالماً.

https://hura7.com/?p=74166

الأكثر قراءة