جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تُؤثّر أزمة وجودية عالمية على الجميع، إذ أن التغيير الذي يجب أن نحدثه في أنفسنا هو الشرط الأساسي لرؤية “سماء جديدة وأرض جديدة” خلف أفق الصراع. من المستحيل أن نمرّ من هذه المحنة ونعود إلى حياتنا السابقة كما كانت، إذ أن المستقبل مشوب بالغموض، ولكن هذا لا يعني الاستسلام.
الحرب العالمية الثالثة: بين التوقعات والواقع
لطالما كان مصطلح “الحرب العالمية الثالثة” متداولًا في حديثنا اليومي. فبعض الناس يعتقدون بحتميتها، وآخرون يتسرعون في إعلان بداية الحرب عند أي تصعيد في العلاقات الدولية، بينما يعتقد آخرون أن الحرب قد بدأت بالفعل، لكننا لم نلحظها بعد. من حيث المبدأ، جميع هذه الآراء صحيحة بطريقتها الخاصة، إذ أن الحربين العالميتين السابقتين قد سبقهما فترات من الصراعات المسلحة الإقليمية والمحلية المتصاعدة. قد يستطيع المؤرخون تحديد بداية مرحلة الحرب العالمية بناءً على تحليل تاريخي، لكن من الواضح أن الصراع العالمي في الأفق.
الحروب العالمية السابقة: دروس وعبر
لكل حرب عالمية خصائصها الخاصة. فالحرب العالمية الأولى كانت حربًا كبيرة شملت جيوشًا ضخمة، ولكن أهدافها تركزت في الغزو الإمبريالي. رغم ذلك، كل طرف اعتبر الآخر عدوًا شيطانيًا، لكن النظرة الألمانية للعالم لم تكن تختلف بشكل كبير عن النظرة الروسية أو الفرنسية. أما الحرب العالمية الثانية، فقد كانت صراعًا بين رؤى متناقضة للعالم، حيث كان الموقف بين “نحن أو هم”. الصراعات من هذا النوع يوصف بأنها وجودية، رغم أنني لا أفضّل هذا المصطلح، لأنه يوحي بتأثير الفلسفة الوجودية بطريقة خاطئة. لكنه يظل أفضل خيار في غياب كلمة أكثر دقة.
الصراعات العالمية والوجودية: التفسير والتعقيد
بالتالي، تحوّلت العديد من الصراعات العالمية إلى صراعات وجودية، لا يمكن اختزالها إلى تفسيرات سطحية من قبل خبراء يدّعون الفهم الكامل للموقف، حيث يرون أن الحروب تُشنّ من أجل السيطرة على الأرض، المياه، والنفط، وما إلى ذلك. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. حتى الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، الذي لطالما تاجر بالمصالح الذاتية في سياسته، ألمح إلى الأبعاد الكارثية للصراعات العالمية، وتحدث عن إشعال “الجحيم” ضد الأعداء أو تدمير حضارة بأكملها بين عشية وضحاها. وفي المقابل، وزير دفاعه، بيت هيغسيث، تحدّث عن حرب “باسم المسيح”، مما يعكس تزايد البحث عن دوافع صوفية ودينية خلف الحروب.
إيران: القومية والصراع الوجودي
إيران، التي تتعرض لهجوم من الولايات المتحدة، تتبنى هذا التحدي الوجودي بسهولة. إذ أن المذهب الشيعي يتميز بنظرة أخروية قوية، مما يجعل فلسفة التاريخ الإيرانية تتلخص في الترقب لآخر معركة بين الخير والشر. أما إسرائيل، التي جعلت الصراع الوجودي جزءًا من هويتها، فتعتبر العدو الخارجي جوهر وجودها، وتركز على إيران كعدو رئيسي لها. في ذات الوقت، ظهرت تقارير عن وجود حركة “صهيونية مسيحية” داخل النخبة الأمريكية، مما يوسع نطاق الصراع الوجودي في الشرق الأوسط.
أوكرانيا: الصراع الوجودي مع روسيا
لكننا نجد أيضًا أن أوكرانيا قد رسّخت فكرة العداء مع روسيا كجزء من هويتها الوطنية، بل إن بعض المسؤولين في روسيا يعتبرون أن بلادهم لن تنعم بالسلام ما لم تختفِ الدولة الأوكرانية. ومن هنا، أصبح الصراع بين البلدين صراعًا وجوديًا لا يمكن حله بسهولة.
الاتحاد الأوروبي: إعادة بناء الهوية عبر الصراع
أما الاتحاد الأوروبي، الذي كان في حاجة إلى عدو موحد لإعادة بناء اتحاد أكثر تماسكًا، فقد منحته الحرب الروسية الأوكرانية هذا العدو. لكن مع مرور الوقت، بدأ الاتحاد الأوروبي ينأى بنفسه عن الولايات المتحدة، متحدًا تحت راية معاداة روسيا، مما أعاد إحياء خطوط الانقسام القديمة.
تصدع الغرب: صراع الحضارات في الأفق
يتسع صدع تكتوني جديد أمام أعيننا، حيث يفقد الغرب، كظاهرة حضارية، وحدته مجددًا، مما يفتح نافذة لتفككه. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن المعركة الحاسمة التي يتوقعها الجميع تلوح في الأفق: الصراع بين الولايات المتحدة والصين. فلقب القوة العظمى في العالم أصبح على المحك، وفي حال خسارته، قد يكون هذا بمثابة حكم بالإعدام على مكانة أمريكا في الساحة الدولية. وفي هذا السياق، يظل الصراع بين القوى الكبرى قائمًا على مبدأ “لا بد من وجود قوة واحدة”.
رغم أن الصراع العالمي المقبل قد لا يتحول إلى حرب جماهيرية على غرار الحربين العالميتين السابقتين، فهذا هو ما نود أن نعتقده. ومع ذلك، فإن هذه الحرب، إن حدثت، ستكون حربًا على الرؤى العالمية والمفاهيم. فأسئلة جوهرية ستطرح نفسها في النهاية: بأي مبادئ سيعيش البشر؟ ما الذي سيشغل عقولهم؟ كيف سيبررون وجودهم؟ وما هو مكانهم في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي؟
الوعي الشخصي: ساحة المعركة الحقيقية
على الرغم من أن غرائزنا البشرية تدفعنا إلى تجنب هذا الصراع، إلا أن هذه التساؤلات ستُطرح على الجميع، لأن وعينا الشخصي هو ساحة المعركة الحقيقية. في النهاية، لا يمكننا الهروب من أزمة وجودية متجذرة في عوامل عميقة ومتشعبة. علينا أن نواجهها بأنفسنا؛ لأن أحدًا لن يخوض هذه المعركة نيابة عنا.
عندما يتحدث الزمن، كما قال ونستون تشرشل، عن “الدماء والكدح والدموع والعرق”، فإنه يذكّرنا بأن الصبر والمثابرة واليقظة وضبط النفس هي المتطلبات الأساسية للدولة والفرد على حد سواء في مواجهة هذه التحديات. لكن حتى هذا كله لن يكون كافيًا. لن نرى “سماءً جديدة وأرضًا جديدة” وراء أفق الصراع إلا عندما نتغير نحن أنفسنا. فلا يمكننا النجاة من هذه المحنة والعودة إلى حياتنا السابقة مع الحفاظ على معانيها القديمة. المستقبل يظل مجهولًا ولا ضمانات فيه لأحد، لكنه ليس مبررًا للاستسلام لليأس أو الجمود.


