جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
لم تكن الانتخابات البرلمانية في أرمينيا في الاسبوع الماضي ، مجرد حدث سياسي عابر أو زوبعة مؤقتة، بل شكّلت محطة مفصلية كشفت حجم التحولات السياسية والاجتماعية داخل البلاد. فقد استطاع الحزب الحاكم العقد المدني”بقيادة رئيس الوزراء نيكول باشيشنيا نتعزيز حضوره وسط الانقسامات الداخلية والتحديات الإقليمية المتزايدة، وهو ما يعكس وعي الشعب الأرمني بالخيارات الاستراتيجية التي تواجه بلاده.
الأحزاب الموالية لروسيا وفشل استعادة النفوذ
لم تنجح الأحزاب الأرمنية الثلاثة المدعومة من روسيا في إقناع الشعب الأرمني بالعودة مجددًا إلى الخيار الروسي، خاصة بعد تحميل موسكو جزءًا كبيرًا من مسؤولية خسارة إقليم ناغورنو كاراباخ عام 2021، وما رافق ذلك من شعور شعبي بأن روسيا لم تقدم الدعم الكافي لأرمينيا في لحظة مفصلية.
وقد دفع هذا الواقع السياسي والأمني بحزب رئيس الوزراء نيكول باشينيان إلى التوجه بصورة متزايدة نحو أوروبا والغرب، باعتبارهما بديلًا سياسيًا واستراتيجيًا عن النفوذ الروسي التقليدي.
وفي هذه الانتخابات البرلمانية، منح الشعب الأرمني ثقته لحزب باشينيان، الذي تمكن من الفوز بنحو ستين مقعدًا، ما يسهّل عليه تشكيل الحكومة المقبلة دون عقبات كبيرة. ويعكس هذا الفوز استمرار التحول السياسي الذي تنتهجه القيادة الأرمنية باتجاه أوروبا، والابتعاد التدريجي عن روسيا وسياساتها في المنطقة.
ويبدو أن هذا المسار يتعارض بصورة مباشرة مع الرؤية الروسية التقليدية تجاه أرمينيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، التي بدأت تعاني من طبيعة النفوذ الروسي وأساليب التعامل الفوقية التي تتبعها موسكو مع حلفائها وجوارها الإقليمي، الأمر الذي دفع العديد من هذه الدول إلى البحث عن خيارات سياسية واقتصادية وأمنية جديدة خارج العباءة الروسية.
تعددت المشكلات والهدف واحد: الخروج من العباءة الروسية
أرمينيا ليست الدولة الوحيدة في هذا المشهد المعقد المرتبط بانهيار العلاقات داخل البيت السوفييتي السابق، بل تمثل حلقة جديدة في سلسلة التحولات التي شهدتها جمهوريات الاتحاد السوفييتي تدريجيًا، في مسار الابتعاد عن موسكو والخروج من دائرة نفوذها السياسي والأمني، وصولًا إلى خصومة متزايدة وعداء أحيانًا تجاه روسيا وشعبها ولغتها وثقافتها.
كانت دول البلطيق أولى الدول التي خرجت عن النفوذ الروسي، تلتها أذربيجان، ثم تركمانستان، وجورجيا، وطاجيكستان، ولاحقًا مولدوفيا، وصولًا إلى أوكرانيا، التي تحوّل خروجها إلى كارثة للطرفين بعد اندلاع حرب دموية استمرت سنوات طويلة.
واليوم، تواجه أرمينيا واقعًا مشابهًا، حيث أدى ابتعادها التدريجي عن موسكو إلى إحباط جزء كبير من الطموحات الروسية في القوقاز، وجعل النفوذ الروسي هناك مهددًا ومقيّدًا بصورة غير مسبوقة. وتعكس هذه التحولات مدى تعقيد العلاقة بين روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، كما تكشف تراجع قدرة موسكو على إعادة فرض سيطرتها التقليدية عبر النفوذ السياسي أو العسكري فقط.
وفي المقابل، ترى هذه الدول أن مستقبلها السياسي والاقتصادي والأمني أصبح مرتبطًا بالانفتاح على أوروبا والغرب، بدل البقاء ضمن دائرة النفوذ الروسي، خاصة بعد تصاعد الأزمات والحروب والضغوط السياسية خلال السنوات الأخيرة.
أسباب العداء والتوتر مع روسيا
إذا حاولنا البحث بجدية في أسباب العداء المتصاعد بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا، نجد أن المسألة ترتبط بجملة من العوامل السياسية والاجتماعية والتاريخية المعقدة.
ويطرح السؤال نفسه: لماذا خرجت هذه الدول عن طاعة روسيا البوتينية وعباءتها السياسية؟ الجواب يرتبط بعدة عوامل متشابكة:
1-الرفض والامتعاض من التعامل الروسي
شعرت هذه الشعوب بالتمييز والإذلال نتيجة السياسات الروسية وطريقة تعامل النخب السياسية والإدارية الروسية معها، ما خلق انطباعًا بالاستعلاء والطبقية بين روسيا والجمهوريات الأخرى.
2-العقد الاجتماعي المفروض
بعد العيش ضمن إطار الاتحاد السوفييتي لمدة سبعين عامًا، فرضت القيادات الروسية الجديدة معايير غير متوازنة توحي بأن روسيا في المرتبة الأعلى، بينما تأتي الشعوب الأخرى في مرتبة أدنى، الأمر الذي دفع هذه الدول إلى إعادة تقييم علاقتها بموسكو ورفض استمرار هذا النموذج السياسي.
3-البحث عن حماية أمنية واقتصادية
بعد تصاعد التهديدات الروسية واستخدام القوة العسكرية، اتجهت بعض هذه الدول إلى التحالف مع أوروبا والغرب، بحثًا عن حماية أمنية واستقرار اقتصادي بعيدًا عن النفوذ الروسي.
موقف روسيا تجاه التحولات في أرمينيا
لم تكن روسيا مرتاحة لنتائج الانتخابات الأرمنية الأخيرة، ولا للخطوات التي اتخذتها أرمينيا بقيادة رئيس وزرائها، الذي أصبح خارج إطار معاهدة الدفاع المشترك وتوجه بسرعة نحو أوروبا. هذا التحول السياسي يهدد الوجود التاريخي الروسي في منطقة القوقاز ويقلص نفوذ موسكو التقليدي في المنطقة.
كما لعبت المصالحة بين أذربيجان وأرمينيا، والتي سعت الولايات المتحدة إلى استثمارها، دورًا في فرض موطئ قدم أمريكي في القوقاز، مما زاد شعور روسيا بالتهديد.
وفي مواجهة هذا الواقع، بدا أن موسكو مستعدة لاتخاذ إجراءات صارمة ضد يريفان، بدءًا من أدوات الضغط الاقتصادية مثل قطع الغاز والنفط، وصولًا إلى التهديد العسكري المباشر، بهدف حماية مصالحها وتأمين نفوذها الإقليمي.
الخيار العسكري والمستقبل الجيوسياسي
يبقى السؤال الأهم: هل ستتجه موسكو إلى خيار الحرب واستخدام القوة ضد الأرمن، حلفائها التاريخيين في القوقاز؟ وهل أصبحت طريقة التعامل مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق قائمة على سياسة “الحديد والنار”، عبر فتح جبهات جديدة في مولدوفا أو أرمينيا، كما حدث في أوكرانيا، في محاولة لإعادة فرض السيطرة بالقوة؟
في النهاية هذه التساؤلات تعكس حجم التحولات الجيوسياسية في المنطقة، خصوصًا مع تراجع النفوذ الروسي التقليدي وصعود التوجهات الأوروبية والغربية في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ورغم محاولات موسكو الحفاظ على نفوذها عبر الضغوط السياسية والاقتصادية واستخدام القوة العسكرية، فإن التاريخ يوضح أن الحروب غالبًا ما تترك آثارًا طويلة المدى وتزيد الانقسامات وتعقّد إعادة فرض السيطرة بالقوة.
وفي المقابل، فإن استمرار هذه السياسات قد يدفع مزيدًا من الدول المحيطة بروسيا إلى تسريع خطواتها نحو الغرب، ليس فقط سياسيًا، بل أيضًا اقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا. فكلما ازداد استخدام أدوات الضغط والقوة، تراجعت فرص بناء علاقات قائمة على الثقة والمصالح المشتركة.
لذلك، تبدو أرمينيا اليوم نموذجًا جديدًا لتحولات ما بعد الاتحاد السوفييتي، حيث لم تعد الشعوب تبحث فقط عن الحماية العسكرية، بل عن شراكات تضمن الاستقرار والتنمية والانفتاح الاقتصادي والسياسي. وهذا ما يجعل الانتخابات الأرمنية الأخيرة أكثر من مجرد استحقاق داخلي، بل رسالة سياسية واضحة تعكس حجم التغيير في المزاج الجيوسياسي داخل فضاء النفوذ الروسي التقليدي.


